Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

الصفحات

Classic Header

{fbt_classic_header}

Popular Posts

المواد الأخيرة

latest

السلوك البشري: مدافع وزهور

آن هارينجتون تغوص في المجلد الذي كتبه روبرت سابولسكي حول تذبذبات البشرية. روبرت إم. سابولسكي، بنجوين 2017 لا بد أن طلاب روبرت سابولس...



آن هارينجتون تغوص في المجلد الذي كتبه روبرت سابولسكي حول تذبذبات البشرية.
روبرت إم. سابولسكي، بنجوين 2017

لا بد أن طلاب روبرت سابولسكي يُحِبُّونه. ففي كتابه "تَأَدَّب" Behave، يكتب اختصاصي علم الرئيسيات وعلم الأعصاب، ومُبسط العلوم، بأسلوب تعليمي في الكتابة ؛ إذ تَظْهَر فيه خفة ظل، وسعة إطلاع، وحماس شديد لنقل المعلومات بوضوح. تشعر وكأنك مستمع محظوظ، يجلس في محاضرة في الجامعة، ضمن دورة سريعة الوتيرة؛ يسلط فيها الضوء على مضامين الاكتشافات العلمية المذهلة، من خلال موضوعات ساخنة، وتلميحات من الثقافة الشعبية.
وإلا أن هذا الكتاب قد كُتب لغرض أخلاقي عميق أيضًا، إذ يسعى سابولسكي إلى فَهْم لماذا يستطيع البشر - كأحد أنواع الكائنات – القتل بلا هوادة، أو مواساة أحدهم برحمة. من هذا المنطلق، ينضم الكتاب إلى نوع من الأعمال الأدبية التي شهدت تغيرًا تطوريًّا، وهي تحاول منذ الستينيات - على الأقل - تحديد ما نكون. فهل نحن قردة قاتلة لها غرائز عدوانية لا سبيل إلى تقويمها؟ أم أننا - بالقدر نفسه - نتميز بمَقْدِرتنا على حل النزاعات برفق وسلمية؟ يسعى سابولسكي إلى تخطي الجدل الاستقطابي المتأرجح بين طرفي النقيض، إذ أنه يدرك جيدًا أننا كِلا هذين الشيئين معًا.
إن عمل سابولسكي مشروعًا بيولوجيًّا في صميمه، فهو يوجه الصفعة المعهودة إلى أي عالِم اجتماع قد يعتقد أن البشر يُولَدون بصفحة بيضاء، لكنه يوجه أيضًا كلمات قاسية لـ"أخصائي الجزيئات المتعصب"، الذي لا وقت لديه لاكتشافات علوم الاجتماع التي يُقال عنها علوم مرنة. إنّ الأحياء مهمة، وكذلك السياق الثقافي والاجتماعي الذي تنشأ التصرفات ضمنه. ولفَهْمنا كبشر في أفضل وأسوأ حالاتنا، نحتاج إلى رؤى علم الأعصاب، وعلم الغدد الصماء، وعلم دراسة الرئيسيات، وعلم  الأحياء النمائي، ونظرية التطور، وعلم النفس السريري، وعلم النفس الاجتماعي. كما نحتاج أيضًا أن نفهم بوضوح أكبر كيفية "تداخلها التام" مع بعضها البعض.
وفي ضوء الأهمية التي يوليها سابولسكي للإطار والثقافة، أُصِبْتُ بخيبة أمل، بسبب أنه لم يتفاعل أكثر مع جماعات المفكرين المتنوعة - من مؤرخين، وعلماء أنثروبولوجيا، وعلماء دين، وغيرهم – الذين قد لا يكونون علماء، لكنهم يدرسون تلك الأمور لكسب الرزق. قد يعتقد أنهم غير مهتمين بالتعاون فحسب، إلا أنه يؤكد أن بعضهم - على الأقل - "لم ينبهر" باكتشاف أن أنواعًا مثل الشمبانزي لها ثقافة معينة، ويقول إنهم يؤكدون التعريفات المتمحورة حول الإنسان، من أجل استبعاد "حيوانات الشمبانزي وغيرها من الكائنات المتدنية". كما يشير إلى أن مثل أولئك المفكرين منغمسون أيضًا في جدالات صدامية مع "أتباع مذهب ما بعد الحداثة"، الذي يُحْجِم هو عن اتباعه. وبدلًا من الخوض في وحلهم، يؤثر تعريفًا "حدسيًّا" للثقافة، يفضله اختصاصي الرئيسيات فرانس دي فال، وهو "كيفية قيامنا بالأشياء التي تنتقل بسبل غير جينية ونظرتنا لها". ويبدو أنه أضاع بذلك فرصة سانحة، فحَوْل ماذا كانت تدور جدالات وصراعات البشرية لإقامة العدل في الثقافة البشرية؟ هل نحن على يقين من أنه ليس لديهم ما يقدمونه إلى مشروع سابولسكي العظيم؟
يمكن اعتبار كتابه هذا - الذي يزيد عدد صفحاته على 700 صفحة، من دون الملاحظات - وكأنه في الحقيقة كتابان. فالجزء الأول منه هو عرض ثري لعلم الأحياء السلوكية، بما في ذلك عمليات النمو في الدماغ، ومنطق نظرية التطور، والدماغ اليافع. ثم يتطرق سابولسكي إلى المكاسب الأكبر المُفتعلة، متفحصًا كيف يمكن لتلك الرؤى مجتمعة تعزيز فَهْمنا للقوى التي تؤدي إلى العشائرية، والعنف، والتجرُّد من الإنسانية، والحرب، إلى جانب التسامح، والتعاطف، والسلام. وللرموز والأفكار أهمية كبيرة في هذا الجزء من التحليل، إذ نتعلم كيف تستطيع الاستعارات المجازية التجريد من الإنسانية، بطرق يمكنها أن تؤدي إلى أعمال وحشية (مثل وصف مجموعة بشرية مُحتَقَرة بـ"الصراصير")، وعلى العكس، كيف تكون المصالحة ممكنة عندما تتفق المجموعات المتحاربة على احترام الرموز التي تجسِّد القيم المقدسة لخصومها السابقين (بعزف النشيد الوطني للمجموعة الأخرى مثلًا).
إنّ التحليل آسِر، والكتابة - في أغلبها - مؤثرة، لكنني كنت آمل – مجددًا – أن أجد تغطية للانقسام بين العلوم والإنسانيات. فلماذا لا نتوغل في أعمال مفكري الهولوكوست وعلماء الأنثروبولوجيا في المجتمعات التي مزقتها الحروب؟ لماذا لا تتضافر الجهود معًا؟
وفيما يخص القضايا الأخرى الكبيرة، كالإرادة الحرة مثلًا، يصارع سابولسكي مع التزاماته الفكرية بصفته عالمًا، والتزاماته الأخلاقية - تجاه عالَم أكثر إنسانية. فقد أظهرت عقود من دراسة الأحياء السلوكية أننا لا نملك سوى القليل من الإرادة الحرة، إنْ وُجدت من الأساس، "تستحق الرغبة فيها والسعي في طلبها"، (كما يصفها الفيلسوف دانييل دينيت). وحتى لو كانت جميع السلوكيات تسببها العوامل البيولوجية، فإنه يمكن تقييد السلوكيات المنحرفة بشكل صارخ منها على وجه الخصوص. ومن ثم، يخلص سابولسكي إلى أن طريقة تعاملنا مع مرتكبي الجرائم يجب أن تكون علاجية، وليست عقابية؛ "فكلمات مثل "شر"، و"روح" سوف تكون عديمة الأهمية، عندما نتعامل مع سيارة بمكابح معطَّلة".
يوقع هذا سابولسكي في مأزق، فإذا أنكرتَ وجود إرادة حرة عندما يتعلق الأمر بـ"أسوأ سلوكياتنا"، فمنطقيًّا أيضًا أن يتعين عليك إنكار وجودها عندما يتعلق الأمر بأفضل سلوكياتنا. ولا يستطع سابولسكي أن يُرغم نفسه على فعل ذلك؛ بل هو يتشبث بـ"أسطورة الإنسان القزم"، التي تنطوي على أن البشر يستطيعون التغلب على ظروفهم وفعل الشيء الصحيح، حتى لو كان ذلك هو الخيار الأصعب. فهناك أمثلة عديدة، مثل مارتن لوثر كينج، زعيم حركة الحقوق المدنية، ونيلسون مانديلا، رئيس جنوب أفريقيا السابق، وأفراد أقل شهرة، مثل الجنود المغمورين الذين تفاوضوا على هدنة عيد الميلاد في الحرب العالمية الأولى، تبيِّن لنا أننا "نستطيع شخصيًّا بشكل فردي إحداث تغيير"، إلا أن التغيير إلى الأفضل، كما يقول سابولسكي، يزيد احتمال حدوثه إذا ما فهمنا أي نوع من الكائنات نكون، وأيّ من سُبل المساعدة التقليدية مصمَّمة لتعزيز السلوك الأخلاقي، وأيًّا منها لا تفعل.
إذًا، هل ستخلق المعرفة الأفضل بالأسس البيولوجية للسلوك البشري الظروف الملائمة لظهور مزيد من الأشخاص مثل مانديلا؟ هل العِلْم آمن بالقدر الكافي؟ وهل العلم كاف بمفرده؟ أنا متيقنة من أن سابولسكي سوف يلقَى كثيرًا من المتشككين، لكنْ أن تكون معارِضًا، هو دائمًا أسهل مِن طَرْح طريق يرتقي بنا. وفي النهاية، من المستحيل ألا تُعجَب حقًّا بمشروع كهذا، شجاع إلى حدّ الطلب من مجال بأكمله أن يعمل على خلق عالَم أكثر عدلًا وسلمية. وسواء أكان نجاحه مضمونًا، أم لا، فإن سابولسكي يحثنا جميعًا. رجاءً، فقط حاوِلوا.

المصدر: مجلة nature

ليست هناك تعليقات