الوجه الجديد للحدث السوري "الابعاد الإستراتيجية والسيناريوهات المحتملة" - Geo-Strategic

إعلان فوق المشاركات

الوجه الجديد للحدث السوري "الابعاد الإستراتيجية والسيناريوهات المحتملة"

الوجه الجديد للحدث السوري "الابعاد الإستراتيجية والسيناريوهات المحتملة"

شارك المقالة

المادة: قراءة سياسية
الباحث الإستراتيجي: إبراهيم كابان 
مجلة "الفكر الحر"/ عدد الصيف 2020

المدخل

تملك الولايات المتحدة الأمريكية آليات كثيرة للتحكم بسير الأحداث في سوريا، لاسيما تحركات جميع الأطراف المتناحرة، وتنسق استخباراتها مع جميع الأطراف بمستويات متفاوتة، ولا تفضل السياسة الخارجية الأمريكية طرف سياسي أو عسكري في الأزمة السورية على الآخر، بل تتعامل مع كافة القوى وفق مصالحها، ربما بمستويات أكثر أو أقل، إلا أنهم جميعاً يندرجون ضمن مشروع المناقصة الأمريكية، وكانت السياسات الخارجية لإدارة الرئيس " دونالد ترامب " واضحة في هذا المسار. 
إلى جانب تغطيتها على تصرفات جميع الأطراف بإيجابياتها وسلبياتها، لا تتخلى الولايات المتحدة عن مصالحها القديمة المتجددة من خلال الأنظمة القائمة، والنموذج التركي واضح للعيان، إذ ركزت السياسات الأمريكية على خلق توازنات بين حلفائها المتناقضين، ويمكن لها أن تجمع بين خصمين على مائدة واحدة لطالما الجميع يلتزمون بالخطوط الحمر الأمريكية. 
كانت التغطية التركية على المعارضة السورية لن تتم بمعزل عن الموافقة والدعم الأمريكي، والتدخل الروسي في 30 سبتمبر 2015 لم تكن لولا الموافقة الأمريكية في ذلك، لأن إدارة ترامب لم تكن في أجندتها التدخل العسكري لتغيير النظام السوري في سيناريو مشابه للتدخل في العراق وإسقاط نظام صدام حسين، ودون تدخل عسكري لحماية النظام أو ضبطه كاد المتطرفون يسيطرون على دفة الحكم، لذا فأن التدخل الروسي كان بطلب أمريكي ودعم إسرائيلي، وبذلك ضمنت الولايات المتحدة الأمريكية على إبقاء النظام السوري، كما حافظت على المعارضة السياسية والمسلحة برعاية تركية، إلى جانب دخله المباشر في شمال شرقي سوريا لمساعدة الكرد – وقوات سوريا الديمقراطية - في محاربة الداعش، ومنع التمدد الإيراني بطلب من الخليج العربي. 
ان أستمرار المواجهات العنيفة بين النظام السوري المدعوم بالميليشيات الإيرانية والسلاح الجو الروسي، والمجموعات المسلحة المدفوعة من الاستخبارات التركية والتمويل القطري، تسببت في تدمير البنية التحتية للدولة السورية، وبالتالي تفككت ترسانة الاسلحة المكدسة منذ السبعينيات والإكتفاء الذاتي من الزراعة والطاقة الأحفورية، وأدت ذلك إلى تضعيف كافة المؤسسات المركزية للدولة الشمولية لصالح المناطق التي فرضت بحكم ظروف الحرب واقع جغرافي جديد على الأرض، إلى جانب زيادة وتيرة الشرخ الإجتماعي بين المكونات السورية بعد فرزها على أساس طائفي وعرقي. وبذلك حافظت التغطية الأمريكية على بقاء هذا النظام في مستوى محدد دون أن يعود إلى سابق عهدها قبل الأزمة، وبنفس السياق أستمرت المعارضة على نحو تقليص وجودها دون القضاء عليها، بالرغم السلبيات الكثيرة التي أرتكبتها المجموعات المعارضة من خلال التصرفات الإرهابية والقتل والخطف والإرهاب الممنهج.
فيما أسست الولايات المتحدة الأمريكية لوجودها مناطق محددة في شمال وشرق سوريا، ومن ثم أدخلت بعضها في مناقصات مع الطرف التركي لإرضائه نسبياً على حساب الكرد وقوات سوريا الديمقراطية التي هي حليف مهم في محاربة الإرهاب. 
إن الإخفاقات والانتصارات التي تحققت بالنسبة لجميع الأطراف السورية كانت بدفع من الولايات المتحدة الأمريكية، والعامل الإسرائيلي بهذا الصدد له دور بارز وأساسي لإدارة المسارات، لأن أمنها يعني إتفاق أمريكي روسي للقيام بدور الحماية لها، وروسيا بدورها ترعى المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولى، لهذا الأطراف المعنية مقيدة بهذه العملية، وبنفس الوقت تعمل على استمرار حالة التوازن القائمة بين الأطراف، دون إجراء تغيرات استراتيجية كبيرة في المشهد السوري. 
دور الاتحاد الأوربي اقتصر على التواجد ضمن قوات التحالف لمحاربة الإرهاب، والبحث الأوروبي عن موضع قدم لها داخل التحولات الجارية في الشرق الأوسط أصطدم مع سياسات إدارة دونالد ترامب المتصرعة، والاستحواذ الروسي المميت، والاحتكار التركي المتشبث بالمعارضة، ولم يبقَ أمام الاتحاد، لاسيما فرنسا، تطور وجودها من خلال الطرف الكردي الذي لعب دور بارز في عملية القضاء على منظمة " الداعش "، وألحقت الدول الأوروبية بـ فرنسا بعد أن أغلقت الأبواب السورية من قبل الأمريكيين والروس والأتراك أمامهم، فكانت المواقف الأوروبية تتضمن مستويين، الدخول في منازعة مباشرة مع تركيا، والرفض الناعم لسياسات تركيا، وفي كلا الحالتين تبلور الموقف الأوروبي الرافض لتحجيم دورها في الشرق الأوسط، لأن اعتكاف المسارات الحقت بالدول الأوروبية تضيقاً على مصالحهاً الاستراتيجية، في ظل الصراع الأمريكي من أجل مصالحها الاستراتيجية، والتمدد الروسي بفعل تركي على حساب مستقبل المصالح الأوروبية.

إن بقاء النظام السوري هو هدف إسرائيلي بالدرجة الأولى، لأن البديل عنه سيكون مجرد أدوات متطرفة بيد النظام التركي، وقد تشكل تهديداً على مصالح إسرائيل في ظروف ما، بالرغم من أن تركيا تدرك هذا التوزان، وتعمل على حماية إسرائيل وأمنها الاستراتيجي، لما لها تأثير على جميع الأحداث في الشرق الأوسط، وتصرفات الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي في سوريا، وعلاقات تركيا مع إسرائيل عميقة جداً، ويكاد الاقتصاد الإسرائيلي في نمو مستمر بفضل التجارة المتبادلة مع تركيا، والكثير من التصرفات والسلوكيات التي تبديها تركيا حيال عدة قضايا، نابعة من الموافقة الإسرائيلية، وبنفس الوقت تنتج هناك بعض ردات فعل بين الطرفين على مصالح محددة، وأن كان النظام التركي يسير على تطبيق المخططات الإسرائيلية الخاصة، وتدرك تركيا عمق المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، وتكاد تكون المساهم الأول في تضعيف الدول العربية وتهيئة كافة الظروف داخل هذه الدول لصالح إسرائيل، لهذا كانت إسرائيل باستمرار تنفذ الضربات الجوية ضد النظام السوري وتضعيفه لصالح الأتراك وأجنداتها من المجموعات المسلحة السورية، بالإضافة إلى تهيئة الأجواء لتركيا في تنفيذ مخططاتها داخل الشمال السوري، ولا نستغرب أبداً من التدخل الإسرائيلي الدائم في تخفيف الضغط الأمريكي على تركيا. 

لابدّ أن فهم وجود تحركات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط هي الأكثر تواصلاً مع إسرائيل، والنظام التركي الإسلاماوي لا يتجزأ عن هذه التركيبة الجيوسياسية، وتكاد أن تكون آلية ضمان إسرائيلية في إدارة الكثير من الأحداث، ولكن تطورت هذه الحركات وهناك ظهور محتمل لحالات انفرادية متطرفة قد تشكل عملياً بعض التهديدات على أمن إسرائيل، لهذا فإن توجيه الجماعات المتطرفة نحو العبث في المنطقة العربية هو هدف تركي برعاية إسرائيلية، لأن الصراع من أجل السيطرة على المنطقة في شقه السني – السني يتم إدارته بين القيادة العربية والتركية، بينما الهدف الإسرائيلي يكمن في تشرذم المنطقة على نحو تضعيفها، وهو يضمن لها ان تكون سيدة المنطقة، وهو ما تخشاها من أي تمدد للأتراك نحو المنطقة العربية بشكل واسع، وكذلك أي تمدد فارسي نحو المنطقة العربية بشكل أعمق، بل الخيار الإسرائيلي الحالي والقادم سيركز على تقارب عربي سني مع إسرائيلي، وبوادر لتأسيس تحالف إستراتيجي مقابل إعطاء دور رعاية الإرهاب للأتراك من أجل زعزعة استقرار المنطقة، والنموذج الليبي وعملية تقسيمها ودعم المتطرفين في جزء منها، إلى جانب دعم جماعات الإخوان المسلمين في مصر وسوريا، ودفع قطر إلى زعزعة أمن واستقرار الخليج العربي، ويقابل ذلك إعطاء دور رعاية التهديدات للدول العربية إلى النظام الإيراني، الذي يوفر باستمرار تقارب عربي سني من إسرائيل، وهي عملية دراماتيكية تدار من قبل الاستخبارات الإسرائيلية – الأمريكية.

حدود الأهداف الروسية في سوريا

يجب ان ندرك تماماً إن الإستراتيجية الروسية أعتمدت خلال السنوات العشرة الماضية في النهوض بإقتصادها المتعثر على توسعات خارجية، وتأمين ساحات جديدة لبيع منتوجاتها من الاسلحة، وبسبب الهيمنة الأمريكية - الأوروبية على الدول الحدود الروسية، وحول المناطق والاسواق العالمية التي يمكن الاستفادة منها، كانت تواجه روسيا إشكاليات كبيرة، وحصار قوي، لهذا كانت عجلة التطورات الإقتصادية بطيئة، وكذلك مبيعاتها من الاسلحة خفيفة لدرجة عدم قدرتها على تأمين الإكتفاء الذاتي. والذي حصل هو إن التخبطات الإدارات الأمريكية وتنافس التياريان السياسيين الأمريكيين في التعامل مع جميع القضايا الخارجية فتحت المجال أمام الروس في الاستفادة من ذلك، لاسيما وإن التمسك الروسي بالانظمة التي عملت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية على إسقاطها، كان سبباً في خلق الظروف المساعدة للحضور الروسي في هذه المناطق، ولن تدعم روسيا أي نوايا كردية تحررية لطالما الإعتماد الروسي على أنظمة محتلة لكردستان لمواجهة المشاريع الأمريكية..
أستطاع الروس الاستفادة من أخطاء الاتحاد السوفيتي في رقعة سيطرتها دون الحصول على وارد ومقابل، ويدركون تماماً إن الصراع مع الأمريكيين والأوروبيين لن يكون تقليدياً لطالما المهم الآن تأمين الوارد قبل أي شيء، وإنهم أذكياء في الاستفادة من أخطاء الأمريكية في هذه المرحلة، وتعاملهم سيتركز على دول جاهزة ولديها سوق لشراء الاسلحة، بعكس الأمريكيين الذين يريدون خلق فوضى لتفكيك المنطقة وإيجاد أسواق جديدة مجبرة على التعامل مع الغرب والأمريكيين بحكم المديونية والابتعاد عن شبح التمدد الصناعي الصيني.
في أول خطواتهم بدأ الروس بفك الحصار حول حدودها، حصار حلف ناتو، خلال الاستفادة من الحدث السوري من البوابة التركية، والآن روسيا لا تهمها أية حقوق لأي شعب مضطد من قبل الانظمة الشمولية في الشرق الاوسط. وإن كانت روسيا تحاول تهدئة الأوضاع في هذه المنطقة إنما الهدف الاساسي منه هو تكريس مصالحها، ولن تغضب روسيا الانظمة حتى تلتجأ هذه الانظمة إلى الأمريكيين كبديل سابق.
الأمريكيين بشتى الوسائل يحاولون إعادة تجميع الشرق الأوسط في مربع فوضوي بغية توزيعها بشكل يؤمن مصالح أمريكيا على المدى الإستراتيجي البعيد، وروسيا تحاول بشتى الوسائل عرقلة تلك الجهود بناء على التعاون مع الانظمة الإجرامية في المنطقة ومثال النظام الإيراني والتركي والسوري، تعتقد إن نجحت أمريكا في مسعاها سوف تقضي على أي أمل روسي بالتوسع في الشرق الأوسط. ولدى جميع القوى في الشرق الأوسط الخيار بين المحورين: 
- المحافظون في كل دولة سيحاولون الحفاظ على سيرورتهم بالتعاون مع روسيا.
- الديمقراطيين والعلمانيين ومعهم الشعوب المضطهدة سيحاولون بشتى الوسائل التعاون مع أمريكا وأوروبا لخلط الأوراق في الشرق الاوسط، وبذلك لن يخرجوا منها خالي اليدين.
الروس والأمريكيين مضطرين إلى خلق علاقات مع كلا المحوريين المحليين في الشرق الأوسط، والمجتمع عموماً منقسم، والخيارات الأمريكية عسكرية دائمة، وروسيا دخلت بنفس الاتجاه، والرابح سوف تكون الشركات الضخمة التي تحكم في العالم، وهي بالتأكيد حتى اللحظة امريكية أوروبية بنكهة إسرائيلية، على أن تحافظ بالجزء اليسير للشركات الروسية.
وبذلك أية محاولة لأي إتجاه في إستقرار الشرق الأوسط دون تغيير هو لصالح الانظمة الإجرامية. والفوضى الخلاقة هي الحل الإستراتيجي لضرب الحابل بالنابل.

الفهم الروسي لمزاجيات النظام التركي

وظفت روسيا حالة التمعض التركي حيال الموقف الأمريكي الداعم للكرد في سوريا، فوجدت هذه التحولات الدراماتيكية بين الأتراك والأمريكيين فرصة لإستمالة النظام التركي إلى الحاضنة الروسية، بحيث يتم إستخدامه في تحجيم المجاميع المسلحة للمعارضة، وتسليم المناطق للنظام السوري مقابل إفصاح المجال للاتراك في منع تكوين حكم ذاتي أو فدرالية للكرد. وبدات روسيا بتنفيذ مخططها من بوابة فتح المجال للاتراك في إحتلال عفرين، وبذلك حققت الجزئية التي تحتاجها تركيا بعد تنفيذ عمليات تسليم المناطق وسحب المجاميع المعارضة من المناطق الحساسة في سوريا، وبنفس الوقت عمقت روسيا الشرخ بين الموقف الأمريكي والأطماع التركية، وبذلك تستفيد روسيا من جميع النتائج المتوقعة: 
- القضاء على المجاميع المسلحة للمعارضة في المناطق الداخلية.
- إضعاف الكرد وإجبارهم للإبتعاد عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في حال رضخت أمريكا للمطالب التركية. 
- إجراء عملية طلاق عسكري بين الأتراك والأمريكيين والاتحاد الأوروبي. هو ما يشبه بـ " إلتقاط عصفورين بحجر واحد "، وهذه العملية بطبيعة الحال ستؤثر على مكانة تركيا في حلف الناتو، وقد تدفعها إلى التحالف مع روسيا بشكل أعمق، على حساب الحلف الذي تم كسر حصارها التقليدي حول روسيا من البوابة التركية. 
لقد نجحت روسيا فعلياً في التحكم بالسياسات التركية في سوريا من بوابة تحقيق رغباتها لتدمير المنطقة الكردية غربي نهر الفرات، وخلقت بذلك شرخاً كبيراً بين الأتراك والولايات المتحدة، ليصبح النظام التركي أحد أبرز الأدوات الوجود الروسي في سوريا، وعصاها الغليظة ضد الوجود الأمريكي - الأوروبي "التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب", ويمكن القول إن الأتراك – الشرطي الأمس للمصالح الأمريكية ضد أي تمدد روسي – أصبح جزءاً من الهالة الروسية تتحرك لتحقيق الرغبات رغباتها في ضرب المصالح الأمريكية والأوروبية المتمثلة بقوات سوريا الديمقراطية.
هذه التحولات التركية وضعت الولايات المتحدة امام خيارين أفضلهما أسوء من الآخر، وفي كلا الحالتين تسببت بتقليص نفوذها، لكونها لم تكن جادة حيال المسائل المتعلقة بحماية مصالحها وحلفائها في الحدث السوري. 
ويمكن رؤية المشهد من خلال تخيير الأمريكيين بين التخلي عن الكرد والشمال السوري الذين يوفران لها نفوذاً داخل سوريا، أو التخلي عن تركيا التي خلقت لها بلبلة في حلف الناتو، وكذلك فتحت الطريق امام الروس لتكثيف نفوذهم داخل الشرق الأوسط. 
في ظل عدم وجود صيغة تقاربية بين الطرفين الكرد والأتراك، فشلت الولايات المتحدة في اقناع حليفيها المضي قدماً نحو إرضاء كلا الطرفين دون إشكاليات، إلا أن حجم الشرور التي تحملها تركيا حيال كرد سوريا حالت دون تحقيق الهدف الأمريكي، ونتج عن ذلك إشكاليات متعلقة بالسياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وتعرضها إلى هزات كبيرة داخل الشرق الأوسط، لا سيما إن العدو التقليدي " روسيا " على عتبة تحقيق اهدافها كاملة في سوريا، بعد أن أدخلت النظام السوري في مديونية طويلة، عقدت معها اتفاقيات تمتد لـ 50 سنة سلمت من خلاله النظام السوري الكثير من المصالح الاستراتيجية. مقابل دخول السياسات الخارجية الأمريكية في ازمة داخلية بين الأطراف والمؤسسات العسكرية والإستخباراتية والسياسية والحزبية الأمريكية، وتسارع كبير في المواقف والسياسات والتحركات في سوريا، وقد كانت بهلوانية لدرجة توفير الأرضية المناسبة لإيصال التمدد الروسي إلى شمال شرق سوريا دون عناء بعد أن كانت محاصرة في مناطق النظام.

سياسة الإحراجات بين الأمريكيين والروس في أستمالة الأتراك

من جانب يمكن فهم العلاقات الأمريكية الروسية تسير ضمن نسق متفق عليه في توزيع الأدوار داخل سوريا، إلا أن ترجمة السيناريوهات على الأرض تظهر الاختلاف الكبير في وجهات النظر والتخطيط وقبل ذلك المصالح المتعلقة بكل طرف، بحيث كلا الطرفين لا تريدان أن تخسرا الطرف التركي، وذلك لأهمية الجغرافية التركية!. بحكم إن الروس أستخدموا الأتراك في مسألة كسر حاجز الناتو الذي شاركت تركيا في سد التمدد الروسي جنوباً خلال العقود الماضية، وبهذه العملية يتم إبعاد الأتراك عن الاتحاد الأوروبي، وهو ما يفك منظومة الحصار المشكل حول روسيا، إلى جانب الحضور الروسي في البحر المتوسط من البوابة التركية، ودفع تركيا إلى القضاء على المجموعات المعارضة في المناطق الداخلية السورية، مقابل السماح لها بإحتلال عفرين وتوجيه دفة المسلحين إلى محاربة الكرد في شرق الفرات بدلاً من النظام السوري، وبذلك تدفع بالعلاقة بين شركاء حلف الناتو " أمريكا وتركيا " إلى الطلاق السياسي إذا لم تسمح الولايات المتحدة للأتراك بغزو شرق الفرات، وهذا ما حصل في فتح المجال لها بإحتلال مناطق حساسة، وكان البديل بالنسبة للأمريكيين هو الوقوع في نار المواجهة مع الأتراك، وكان ذلك كفيلاً بإبعاد الأتراك كلياً من الحاضنة الأمريكية الأوروبية، أو قيام الإدارة الأمريكية بالتنازل عن حلفائها المحليين " الكُرد – قوات سوريا الديمقراطية " وتنسحب من سوريا، وهذا يعني تخلص روسيا من الوجود الأمريكي في سوريا. وفي كلا السيناريويين ستكون الولايات المتحدة هي الخاسر الأكبر في العملية، مقابل الترتيبات الروسية بوضع الأمريكيين في الفخ السوري وتقليص وجودهم في المنطقة، وتربح روسيا حليفاً جديداً " تركيا "، وسوريا بعربها وكردها، بعد أن يبتعدوا كلياً عن أمريكا التي تخلت عنهم بموجب " خيانة "، وبذلك يفتح الباب بمصراعيه أمام المصالح الروسية في الاستحواذ على المنطقة من البوابة السورية والبحر المتوسط، بالتزامن مع حلفائها المحليين في الشرق الأوسط " إيران " والتي بدورها تسيطر على العراق ولبنان وقطر.
كانت هذه العوامل دوافع للسياسات الأمريكية في إعادة رسم خارطة جديدة لمصالحها في سوريا والعراق والخليج العربي، وإعادة ترتيب الأوراق مع تركيا، كي لا تكون خياراتها كلية مع روسيا، في الحين إبقائها في الوسط قد يفي بالغرض الدولي لطالما كانت سياسة الوقوف في المنتصف واللعب على الحبول المتعدد ثبتت فشلها، وهو ما يعانيه النظام التركي على المدى البعيد في استراتيجيتها الاستحواذية وفرض الاجندة سواء في ليبيا أو سوريا، أو تشكيل التهديد المباشر للمصالح الدولية في البحر المتوسط، وإطلاق يدها في البلطجة التي أخلفت الكثير من الفوضى داخل الشرق الأوسط.
وأيضاً، العائق التركي لا يزال يقف حجر عثرة أمام مشروع الشرق الأوسط الجديد للغرب، وسوريا المفيدة للروس، وبالنسبة للغرب إن التواجد في سوريا وخلق سد منيع امام روسيا هو من صلب الاستراتيجية الرأسمالية، بينما يدرك الروس ذلك لهذا يحاول أن يحصل على أكبر قدر من الأراضي في سوريا حتى تكون لها مثيلة جزيرة القرم في أوكرانيا. روسيا تمارس سياسة حصار أوروبا من بوابة الشرق الأوسط، والأمريكيين يحتاجون إلى هذه السياسات حتى تكون حاجة أوروبا للحماية الأمريكية مستمرة، وهذا يوفر أستحواذ الأمريكيين على أكبر قدر من الاسواق والمصالح ويبقى الجزء الصغير من حصة أوروبا.
التواجد والهيمنة في الشرق الأوسط هي إحدى الركائز الإستراتيجية للقوى الغربية لمنع الصين في جعل الشرق الأوسط سوق مشبع بالبضاعة الصينية مستقبلا، لا سيما وإن السمعة الانتاجية الصينية أصبحت في الحضيض، والخشية منها بعد جانحة كورونا أصبحت لزاماً لدى المجتمع الدولي، وإن نجحت الصين في الحد من إنتشار الفيروس لديها إلا أن السمعة السيئة سوف تلاحقها لسنوات عديدة، وذلك يتيح للشركات الغربية والأمريكية في العودة مجدداً إلى الإنتعاش أكثر، ويمكن أن تنافس بشكل أوسع الصين.

الظروف تتغير كلياً، وسوريا القادمة سيكون الكورد في ثلث كل شيء، من رأس الدولة إلى المناطق

لم تعد امريكا وروسيا وأووربا ترغب بوجود النظام السوري بشكلها الكلاسيكي ـ مقابل الوجه البشع الذي وصلت إليها المعارضة السورية، بعد أن تحولت إلى مجموعات إرهابية بشعة ومكروهة بعد الاستخدام التركي لهم في سوريا وليبيا بشكل وضاح .. بل إن الاستخبارات الدولية بدأت تحذر الدول الداخلة في الازمة السورية من حجم التهديد الذي يشكله هذه المجموعات على أمن أوروبا وروس. 
الروس حققوا هدفهم في سوريا بالسيطرة على كل شيء داخل مناطق النظام، ويتعاركون مع الأمريكين في السيطرة على المنطقة الكوردية " الإدارة الذاتية".
إن وجود السوري كقطر موحد على شكل دولة مركزية أنتهت كلياً، لأن سوريا مقسم على مناطق نفوذ، وهذا الشكل الموجود الآن سيكون سوريا شبه إتحادية، والوضع الكوردي في سوريا سيكون أكثر ملف يتحرك دولياً إبتداءً من الصيف القادم..

إستراتيجية الإدارة الذاتية وآلية بيضة القبان ؟

إن التوسع الروسي في شرق الفرات طبعاً هو بإتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، والإدارة بهذه الألية تحاول الضغط على الأمريكيين أيضاً من أجل التقرب أكثر إلى الإدارة الذاتيةـ والتحركات الأمريكية الأخيرة تندرج في سياق هذا الهدف.
إستراتيجية جعل قوات سوريا الديمقراطية بيضة القبان في المعادلة السورية وفق المنطق العملي هو ما يجب أن نسعى إليه في دفع كلا القوتين شرق الفرات إلى الدخول في سباق التفاهم والتقرب من ق س د .
وعملياً التمدد التركي في روجآفا وشمال وشرق سوريا انتهى خلاص، ما أخذتها تركيا وفق المنظور الأمريكي الروسي هو كافي، ولا يسمح لها التقدم إلى منطقة أخرى، لأن الاتراك أبعدوا الكورد عن البحر المتوسط مسافة 250 كلم، وأقاموا مستوطنات تركمانية بين كوباني والجزيرة، وإمكانية إقامة دولة كوردية في روجآفا وفق المنظر التركي لم تعد ممكن بهذا الشكل، أي بمعنى التهديد الكردي لم يعد.
القادم هو التسابق الأمريكي الروسي الفرنسي للتقرب من الإدارة الذاتية، والأمريكيين بدئوا بتحريك الملف الكردي، وسوف تنجح أمريكا في ذلك اكثر من الروس الذين لا يزالوا يقفون وراء الرفض النظام السوري في الحوار مع الكرد، وطبعاً فرنسا والدول الأوروبية سوف تلتحق بالأمريكيين في النظر إلى الحدث السوري من البوابة الكردية، بحكم هذه المنطقة هي المتبقية دون أي تأثير للنظام والأتراك، وتحاول الادارة الذاتية إيجاد سبل لعلاقات أكثر ثباتاً مع الغرب، وهذا يعني إن الأرضية لمصالح الأمريكيين والأوروبيين خصبة في المنطقة الكردية، ولن تكون هناك ضوابط أو شروط التواجد والمصالح كما لدى الأتراك في التعامل والعلاقات مع الغرب، ومن المصلحة الإستراتيجية الغربية تثبيت وجودها في المنطقة الكردية التي تحتاج بدورها إلى دعم صلب لمواجهة التهديدات التركية.
من الواضح إن الطبخة الكردية في سوريا تتجهز في المطبخ الأمريكي – الأوروبي، ولايفهم عملياً وجهتها وطبيعة تكوينها، قد تكون المصلحة الغربية في هذا التوقيت تتطلب تطوير والحاجة إلى تقديم الدعم جزئي، لأن الكرد أثبتوا خلال الأزمة السورية إخلاصهم في المحافظة على مكانتهم وحماية المصالح الغربية أكثر من باقي الأطراف السورية التي تحولت معارضتها إلى متطرفة لصالح المصالح التركية بينما النظام أنقسم بين الهيمنة الإيرانية وأدوت روسيا، لذا مسألة تقاطع المصالح بين المصالح الغربية والتصاعد الكردي ينتج عن تفاهم يستفيد منه كلا الطرفين، ومن هنا ندرك تماماً الوجهة الجديدة للتحركات الأمريكية الأوروبية في تقديم بعض الدعم لكرد سوريا كي يشكلوا نموذج جديد قد يكون قريب أو مشابه لكردستان العراق. 

العمق الإستراتيجي وشروط التفاوض

لعودة القوات الأمريكية إلى شمال وشرق سوريا لا سيما منابع النفط والغاز وبشراكة مع الكرد وقوات سوريا الديمقراطية، فوائد مهمة بالنسبة لشروط ومجريات الحوار بين الإدارة الذاتية والنظام السوري، بحيث إن ورقة النفط والغاز محمية من قبل الأمريكيين، وبذلك أوراق الضغط الكردية ستكون جديرة إقتصادياً في تقليص شروط النظام السوري، طبعاً إن بقيت روسيا تدعم النظام وإستمراريته، وفي حال طرأت سيناريوهات اخرى، على سبيل المثال، تغيير رأس النظام ووضع تشكيلة وفق المزاجيات الروسيةوالأمريكية، فإن الاستحواذ على النفط من قبل قوات سوريا الديمقراطية أيضاَ ستكون الورقة الضاربة التي توفر المشاركة من منطق القوة وليس الضعف كما يتصوره البعض.

عسكرياً ستكون هناك عمق إستراتيجي لقوات سوريا الديمقراطية في تلك المنطقة، وبنفس الوقت لن يتم تسليمها إلى النظام السوري والروس على أساس عودة النظام إليها والسيطرة عليها وإعادة الظروف السياسية والأمنية إلى ما قبل 2011. وبناء على هذا التصور الجديد فإن قضية عودة جغرافية سوريا إلى كيان ملحق بسياسات النظام القمعية أصبح أمراً غير ممكناً في مستقبل سوريا، وإن لم يتوجه النظام السوري إلى حلحلة الاشكاليات مع الكرد وتطمينهم والإعتراف ببعض حقوقهم المشروعة فإن المشهد السوري قابل للتقسيم، بحكم أمتلاك الكرد لورقة النفط والغاز التي لن يتنازلوا عنها، وهذا مطلب أمريكي على شكل خصوص، حتى يجد الحوار مع النظام السوري طريقه إلى المسار الصحيح. 

وحقيقةً نحن أمام تطورات جديدة سوف تشهدها سوريا في المجال السياسي والعسكري، إلى جانب تقليص التمدد التركي في الشمال السوري بعد التسليم الدراماتيكي لمناطق واسعة في محافظة إدلب، لأنه يمكن للروس ممارسة بعض الضغوطات على النظام السوري لتطمين الجانب الكردي، وهذا يعني لا سبيل أمام النظام مستقبلا إلا القبول ببعض شروط الكرد، وإن لم يقبل النظام فإن الروس سوف يخلقون البديل وفق تفصيلهم الذي يخدم المصالح الروسية أولاً، وبنفس الوقت سوف يكون المشهد اكثر سخونة في الجزء الشمالي الغربي من سوريا، بحيث يتطلب من الروس إعطاء الضمانات للطرف التركي بعدم إعادة قوات سوريا الديمقراطية إلى عفرين، كما إن الطرف الأمريكي والروسي معاً سيبقون على الاحتلال التركي في رأس العين " سري كانيه " وتل أبيض، وبنفس الوقت سيكون لقضية أستعادة عفرين والمناطق المحتلة إحدى الشروط الاساسية للتفاوض بين قوات سوريا الديمقراطية والنظام السوري برعاية روسية إذا تمت.

عبثية المشاريع التركية ومستقبل الأحداث

إن الاستمرار في الحروب العبثية التي ينتهجها الطرف التركي لن يجدي لها مكاسب حقيقية، لأن الظروف الدولية التي تتطور بحكم المصالح فرضت اجندتها على مجريات الأحداث داخل سوريا. وما هو واضح من التصرفات التركية هو تركيزها على تنفيذة عملية تدمير المنطقة الكردية في الشمال السوري وتهجير سكانها، وتوطين هذه المنطقة بالمجموعات العربية السنية التي تقدم الولاء لحركة أخوان المسلمين بعد إخراجهم بإتفاق مع الطرف الروسي والإيراني والنظام السوري، وتلك السياسة التركية لم تعكس إلا مزيداً من التوترات والإشكاليات والإشتباكات اليومية، وإستخدام المعارضة السورية بعد توليفها وفق المعايير الامن القومي التركي، ولحماية المصالح التركية، على حساب وحدة الأراضي السورية، والأطماع التركية في المنطقة باتت واضحة من خلال استخدام ملف اللاجئين السوريين لإبتزاز الإتحاد الأوروبي من أجل شرعنة وجودها في الشمال السوري، وبنفس السياق الحصول على المال. والتحركات التركية في اتفاقياتها مع روسيا والإيرانيين والنظام السوري اوضح حقيقة سمسرة تركيا على حساب القضية السورية وما آلت إليه من إعادة تسلط النظام وإستمراريته بإستخدام الة القتل بحق معارضيه، إلى جانب اللعب التركي على حبلين في آنٍ واحد مع حلف الناتو والروس، وشكل ذلك تصورات كثيرة لدى جميع الأطراف إن النظام التركي اصبح مزعزعاً للإستقرار في المنطقة، ومهدداً حقيقياً لمصالح حلف الناتو والاتحاد الأوروبي والوجود الأمريكي ومصالحها الاستراتيجية، لا سيما بعد التقارب التركي الروسي.

والخيار الأمريكي اتضح اكثر مع التخبط التركي، إذ أن العودة التركية إلى حاضنة الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة للتصرفات الروسية في سحب البساط من تحت اقدام النظام التركي في سوريا، فتحت المجال اكثر أمام الأمريكيين في جذب تركيا من خلال بناء مصالح إقتصادية مشتركة تكون بوابتها مناطق الإدارة الذاتية، كما إن طرق العنف والتهديد والاجتياح التي نفذ بعضها النظام التركي لم يجدي نفعاً في ابتلاع معظم المنطقة الكردية المتاخمة لحدودها الجنوبية من سوريا، لذا كان يستوجد على الادارة الأمريكية دفع الطرفين الكردي والتركي إلى تقارب مصلحي، ومحاولة تهيئة ظروف الحوار والتقارب بينما، وقد تسعى امريكا إلى تحقيق ذلك إن تهيئت الظروف لدى النظام التركي والإدارة الكردية. وأعتقد إن التقارب المفترض والحوار الممكن هو الهدف الأمريكي القادم لإنهاء التوتر بين الكرد والأتراك، وهذا سعي نفهمه من خلال التحركات الأمريكية في فتح أية قنوات لخلق هذا الحوار، وقد يتحقق ذلك خلال المراحل القادمة. وبالطبع الروس والنظام السوري والإيرانيين سيحاولون إفشال أي حلول قد تطرحها أمريكا في التقارب بين قوات سوريا الديمقراطية والاتراك.

يتضح من النتائج الحالية للتصرفات التركية إن أهدافها تركزت منذ بداية الأزمة السورية على محاربة الوجود الكردي وليس دعم المعارضة التي تحولت إلى مجموعات مرتزقة تنفذ الأجندات التركية في سوريا وليبيا، ولعلَّ عمليات الشلل لأي نشاط للمجموعات المسلحة ضد النظام السوري من قبل تركيا هي إحدى النتائج الطبيعية للإتفاقيات التركية مع النظام السوري برعاية إيرانية روسية. وكجزء من الاتفاقيات التي تمت بين تركيا والنظام مارست تركيا ضغوطات شديدة على قوات سوريا الديمقراطية لأجل التراجع لصالح النظام السوري، وما حصل في إدلب والاتفاقيات التركية مع النظام السوري برعاية روسية لتهداة الظروف الحربية في إدلب، كان الغرض منها توجيه الاتراك قدرات مجموعات المرتزقة إلى شرق الفرات وإلهائها في حروب عبثة مع قوات سوريا الديمقراطية، وبأعتبار النظام موجود أيضاً هناك فإن الأشتباكات التي تمت للإحتلال "رأس العين وتل ابيض" هي نتيجة طبيعية لخلق ظروف جديدة على الأرض، ويحصل ذلك برعاية روسية، لأن المجال الجوي المفتوح للطائرات التركية في سماء منطقتي رأس العين وتل أبيض كانت تقابله صمت وعدم إستخدام الصواريخ المضادة للطيران من قبل النظام، بالرغم إن تزويد قوات سوريا الديمقراطي كانت تفي بالغرض. 

عوامل تكوين المخططات التركية لغزو الشمال السوري

الصراع الروسي مع المصالح الأمريكية - الأوروبية في الشرق الأوسط، بات واضحاً من خلال المشهد السوري المتأزم، لطالما يشكل حلف الناتو دائرة حصار حول روسيا ومصالحها، وتسبب ذلك في تحجيم دورها العسكري في مناطق الصراعات والنفوذ والطاقة، وهو ما يظهر لنا طبيعة الجهد الذي يبذله الروس في إضعاف هذا الحلف ومحاولة خلخلته من خلال استمالة أية قوة مركزية فيها، بغية خلق توازنات جديدة تمكن روسيا من إعادة نفوذها إلى الشرق الأوسط، وتكسر بذلك الحزام الممتد حول حدودها مع أوروبا الشرقية، مروراً بتركيا التي كانت تشكل جزءاً حيوياً من مخططات الناتو حول روسيا، وصولاً لباكستان والهند، إلى كوريا الجنوبية واليابان والتايوان. ولعل الأزمة السورية هيئت بعض الظروف والمناخ أمام الروس في إعادة تثبيت وجودهم داخل بعض المناطق الحيوية في الشرق الأوسط، وبناء مصالح جديدة تمكنها من تخفيف وطأة التحجيم الذي يفرضه الأمريكيين والأوربيين عليها من خلال حلف الناتو، لاسيما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وفقدان الروس علاقاتهم مع بعض الانظمة التي كانت في تحالفات وثيقة معها.
ومع تمدد النفوذ الغربية إلى أوكرانيا، وفقدان الروس أي نفوذ داخل الدول العربية التي تملك النفط والغاز بعد تدخل حلف الناتو في ليبيا واليمن وقبلهما الكويت والعراق وأفغانستان، والاستحواذ على الطاقة في الشرق الأوسط، فأن خشية الروس الآن من تمدد هذه المصالح أكثر في سوريا، التي يجدها الموقع المتبقي الوحيد لنفوذها. 
ووفق مفرزات الحدث السوري اتضح سير تحجيم الدور الروسي من البوابة الكردية، بعد سيطرتهم والقوى المحلية المتحالفة معها وبالتنسيق مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، على 75% من منابع النفط والغاز والسدود المائية في سوريا، وهو ما شكل تهديداً مباشراً للنفوذ الروسية، وإجبارهم على تقاسم المصالح مع الأمريكيين، لتصبح سوريا مقسمة فعلياً بين مناطق غنية تسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية، أي بمعنى استمرارية عملية التحجيم للنفوذ الروسية في آخر معاقل تواجدها. 
ومن هنا بدأت التحركات الروسية في خلق اشكاليات متعددة أمام النفوذ الأمريكي – الغربي، من خلال دعم وكلاء إقليميين في عملية ممارسة وتشكيل ضغوطات وتهديد لتلك المصالح، إلى جانب إثارة خلخلة داخل حلف الناتو من بوابة احد اهم قواها الفاعل "تركيا"، مستغلة المشاعر التركي المتفرعنة ضد أي تطور كردي في شمال سوريا.
الخوف التركي من تشكيل إقليم كردي محاذي لحدودها الجنوبية دفعها إلى توطيد علاقاتها مع الروس على حساب التحالف مع الأمريكيين والغرب، وتعتقد تركيا أن التطورات الناتجة عن الصراع السوري قد أفرزت وضعاً كردياً جديداً مماثلاً لما حصل في شمال العراق ونتج عنه إقليم فدرالي كردي، وأن الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تحاول من خلال الدعم العسكري لقوات سوريا الديمقراطية، إيجاد بديل لعلاقاتهم مع تركيا، وهو ما يشكل خطراً على الأمن القومي التركي ووحدة أراضيها " وفق منظورها " ، وسوف يكون ذلك دافعاً طبيعياً لتأليب الرأي العام الكردي في تركيا ودفعهم إلى المطالبة بنفس الحقوق، وبذلك تخسر تركيا حدودها بالكامل مع سوريا كما خسرتها مع العراق سابقاً، وتبدأ معركتها الداخلية مع الكرد ومواجهة عملية تفكيك تركيا .
من هذا المنطلق حاولت تركيا بشتى الوسائل إعاقة هذا المشروع، لاسيما بعد فشلها في إقناع الأمريكيين بالتراجع عن دعم الكرد، في المرحلة الأولية، والتوجه نحو استخدام القوة سواء من خلال مجموعات متطرفة للمعارضة السورية أو التدخل العسكري المباشر .

الزعبرة التركية في الشمال السوري والصدام مع المصالح الدولية

عملياً لو تستطيع تركيا خوض معارك جديدة ضد قوات سوريا الديمقراطية وتحتل أجزاء جديدة من المنطقة الكردية – روجآفا/ شمال وشرق سوريا دون موانع امريكية وروسية فإنها سوف تفعل ذلك دون تردد، بالنسبة لها إن أي تطور للحياة السياسية الديمقراطية في سوريا يقودها الكرد هو تهديد من المستوى الأول للأمن القومي التركي، وتعتبر تركيا ذلك بالنسبة لها مسألة وجودية. لهذا أعتقد إن الظروف الدولية يمكن أن تكون مبدئياً لصالح الأتراك بحكم إن طرفي القوى المهيمنة في سوريا " الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا " لا زالتا يتناغمون مع الأطماع التركية على المدى القريب، إلا أن ذلك لن تتم دون أن يدفع النظام التركي فواتير أية عملية، وهنا يمكن النظر إلى الإقتصاد التركي هل يتحمل أعباء أكثر؟ وهل تملك تركيا مناطق سيطرة في سوريا يمكن التخلي عنها لصالح احتلال منطقة أخرى، وخاصة إن خسارتها في ادلب لمساحات شاسعة أفقدها ثقة الشريحة العربية السورية التي كانت تعتمد على تركيا في محاربة النظام .

وهل يملك النظام التركي مزيداً من الاموال والمصالح حتى يقدمها للطرفين الأمريكي والروسي؟، وهل يستطيع أن يلعب على حبلين في آنٍ واحد؟ ويجعل من الطبيعة الجغرافية لتركيا بيضة القبان بين الأمريكيين والروس؟ 

أعتقد إن المسألة لن تكون بتلك البساطة، ومن الواضح إن القوتين المسيطرين على الوضع السوري يحاولان تحليب الطرف التركي حتى الرمق الأخير، مقابل الإنصياع لرغباتها وأطماعه بشكل جزئي على حساب الادارة الذاتية الديمقراطية والكرد، وهذا ما حصل عملياً في عفرين ورأس العين "سري كانيه" وتل أبيض. وأيضاً من مصلحة كلا القوتين الإبقاء على قوات سوريا الديمقراطية في المعادلة السورية لأنها البوابة الوحيدة للتحكم بالوضع السوري الداخلي، وهنا نتفهم مدى حاجة الأمريكيين لقوات سوريا الديمقراطية في ضبط الموازين داخل سوريا ومع تركيا.
بالمجمل أعتقد إن تركيا على حافة الافلاس إن أستمرت بهذا الاتجاه واللعب على الوترين معاً، لأن كلا الإدارتين الأمريكية والروسية تشبه بعضها في طبيعة استنزاف تركيا اقتصادياً، وقد تصلان بها إلى الحضيض نتيجة لبعض المصالح التي يتنازلون لها على حساب الإدارة الذاتية.
بالاضافة إلى هذه القراءة نفهم أيضاً مدى فهم قوات سوريا الديمقراطية لهذه التطورات، ونشاهد تحركاتهم في إيجاد سبل مناسبة لحماية ما يتم إفلاته من المناقصات التي تجري بين الأطراف الدولية وتركيا. وبالنهاية تركيا سوف تنهار اقتصادياً من الداخل وتتراجع كثيراً، تتسبب في وقوف إشكاليات الداخلية، مقابل التوازن الذي سوف يحاول الأمريكيين إيجاده وبنائه في المنطقة، إلى جانب التحرك الروسي في التوسع داخل شمال وشرق سوريا، وفي المحصلة سنجد تفاهماً لصالح قوات سوريا الديمقراطية من طرف، ويرضي الأتراك من طرف آخر. 

الأهداف التركية اللاحقة

إن الاتراك فقط ينتظرون ضمان من الروس حتى يبقوا في عفرين أطول مدة، كما يراهنون على الصمت الأمريكي في إستمرارية إحتلالهم لرأس العين وتل أبيض، ومناطق جرابلس وإعزاز والباب هي أيضاً تهم تركيا في مسألة منع أي تواصل كردي بين كوباني وعفرين أو الجزيرة مع كوباني، وعملياً مدة الاحتلال لن تكون قصيرة بتاتا، وتطلب في كل ما تقوم بها تركيا من مفاوضات وحوارات التي جرت في روسيا وإيران هو ضمان بقائها الأبدي غربي نهر الفرات التي تعتبرها عصبة أي دولة كردية مستقبلية لقربها من البحر المتوسط، وهذه أيضاً لصالح الروس طالما الوجود الأمريكي في العراق وسوريا لن تمر من البحر المتوسط، وإن البحث الأوروبي عن بدائل سريعة ورخيصة ومضمونة للحصول على النفط والغاز ستبقى بنفس المسار ، اي المرور بطرق وقنوات طويلة، حيث إن فتح خط جديد إلى البحر المتوسط يوفر للأوربيين التماس المباشر مع وجودها في الشرق الأوسط، وهي حاجة امريكية أيضاً في التحكم بالموارد وخطوط الثروات الأحفورية، وتشكيل قلق للروس في المجال البحري السوري الذي يراهن عليه الروس في الحصول على تعويضات خسائرها في سوريا، والروس مضطرون على عقد أية إتفاقيات لضمان مصالحهم في البحر المتوسط وإمتلاكها لأوراق ضغط على الدول الغربية. إذاً ما يحصل أيضاً له علاقة مباشرة بالصراع بين الروس والأمريكيين على الدول الأوروبية. 
بينما تدعم إسرائيل تركيا في بعض المسائل، والضربات التي توجهها مقاتلاتها الجوية وكذلك القصف البري والبحري لبعض المنشآت التابعة للنظام السوري بحجة وجود الميليشيات الإيرانية ما هي إلا عملية تضعيف النظام السوري لصالح الجماعات المتطرفة المدعومة من تركيا، وتجمع الأتراك والإسرائيليين بعض المصالح في الشرق الأوسط، لا سيما وإن الدعم التركي لإسرائيل عملياً كبير جداً، ولعل أعظمها تفتيت سوريا لصالح المشروع الإسرائيلي في تصغير الدول التي تجاورها، وكذلك توجيه الأتراك للجماعات المتطرفة للإلتهاء بمشاريع بعيداً عن إسرائيل.
كما إن الروس غير قادرين على فتح أية جبهة ضد إسرائيل، لأن الوجود الروسي في سوريا جاء عملياً بمباركة إسرائيلية. والسيطرة الروسية على الحصص السورية من البحر المتوسط وكذلك حول قبرص والنفوذ التركية التي باتت شريكة للوجود الروسي، يغضب بطبيعة الحال الدول الأوروبية، من هنا جاءت التحركات الأوروبية في فتح ملف المدنيين والدفاع عنهم والضغط على روسيا من أجل ذلك حتى لا تدخل إلى أدلب دون أن تكون لها حصة وإن كان ذلك من خلال الوجود الأمريكي، لأن فتح طريق لأنبوب النفط والغاز من العراق إلى سوريا ( الأقاليم الكردية في الدولتين ) نحو البحر المتوسط سوف يضمن للدول الغربية الأريحية، وذلك سوف يؤثر بشكل كبير على مشترياتها من روسيا التي تسيطر على اكبر نسبة من مبيعات الغاز للدول الأوروبية، وهو ما دفع الأوروبيين إلى البحث عن مصادر أخرى في المحيط الأطلسي الذي يكلف إستخراج النفط الكثير من الإمكانيات، بالإضافة إلى الهيمنة السياسية التي توفرها السيطرة الإقتصادية، وإن حصلت أوروبا على مخرج جديد لحاجياتها من الغاز والنفط فإن الهيمنة الروسية سوف تنتهي على أوروبا، لهذا الروس حريصين على منع أي تواصل للكرد حلفاء أمريكا وأوروبا إلى البحر المتوسط، واليد الروسية الضاربة في البعث بهذا السيناريو هو الطرف التركي، وهنا ندرك مسألة تقاطع المصالح بين الروس والأتراك . 

روسيا تحاول بشتى الوسائل عدم خسارة الحنفية التي تتحكم من خلالها على أوروبا، أي البوابة الإقتصادية التي تقرر السياسات في الدول الغربية.

والأمريكيين ضمنوا وجودهم الطويل في مناطق الثروات السورية بالإتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، وسوف يحاولون العودة إلى أكبر مساحة ممكنة في شرق نهر الفرات " المنطقة الكردية "، وسوف تستمر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفها الأوروبيين في عملية تحجيم التوسع الروسي من خلال عدم خسارة تركيا التي حاولت التحول من الحاضنة الأمريكية إلى المحور الروسي، وذلك يضمن أيضاً تحجيم التوسع الإيراني الذي يثير حفيظة الدول العربية السنية وفي مقدمتها الخليج العربي، وتهدد أمنها وسيرورة المصالح الأمريكية في هذه المنطقة المهمة. لهذا فهي تحاول بشتى الوسائل إرضاء تركيا من طرف، وتحجيمها من طرف آخر، وكذلك محاصرة المصالح الروسية في مناطق محددة، إلى جانب تقليص الدور الإيراني بشكل كامل. وليس أمام الولايات المتحدة الأمريكية والأوروبيين في تحقيق ذلك إلا بالإبقاء على التنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية والمنطقة الكردية، لأنها المنطقة الوحيدة في سوريا عملياً تضمن المصالح الأمريكية الغربية والدول العربية السنية.

لهذا فإن مقاطعة عفرين سوف تدفع الثمن لكل هذه التناقضات والاختلافات الدولية، وليس غريباً أن يساعد هذه الظروف الاتراك في تمكين وجودهم داخل مناطق محددة في الشمال السوري، وسوف تقبل الولايات المتحدة الأمريكية بذلك حتى لا تخسر تركيا كلياً، وروسيا مجبرة على ذلك من أجل ضمان إستمرار علاقاتها مع تركيا، وقد تتبع عفرين ورأس العين وتل أبيض للأجندات التركية لسنوات كضمان لوقف الأتراك عن زعزعة الأمن في المنطقة، لأنها تملك كم كبير من الجماعات المتطرفة التي سوف تستخدمها تركيا لخلق بؤر مشاكل وقلاقل في الشرق الأوسط. 

السيناريو الأرجح ؟

حتى تستطيع الولايات الأمريكية في العودة بشكل قوي إلى المنطقة الكردية - قسم شرق الفرات، بعد فقدان الكثير من المكاسب نتيجة لتصرع سياسات ترامب والانسحابات والاتفاق مع الأتراك، كما فعلت روسيا.. يتطلب منها أولاً كسب ثقة الكرد الذين فقدوا الثقة بها، وهذه الثقة تتطلب إعتراف جزئي بالادارة الذاتية. وهي عملياً، أية الولايات المتحدة الأمريكية، لا تستطيع الإعتراف بشكل كامل، وبسبب يعود إلى علاقاتها مع تركيا، إلا أن الاعتراف الجزئي الذي نتحدث عنه يرتبط بقضية حماية هذه المنطقة من تهديدات النظام السوري، وعدم السماح للأتراك في غزو مناطق جديدة بـ روجافا، وذلك عبر اتفاقيات وضمانات، والبقاء التركي في عفرين وسري كانيه وتل ابيض امثلة على الحصول التركي على حصتها لمنع أي تطور كردي في سوريا.

الممكن والمحتمل عملياً هو أن تكون هناك حماية جزئية، وفي هذه المرحلة أصبحنا واثقفين إن النظام السوري لن يستطيع التقدم نحو المنطقة الكردية " الإدارة الذاتية "، وإن الأتراك بطريقة أو أخرى أو من خلال ضمانات أمريكية أو اتفاقيات مع الكرد سوف لن يحتلوا مناطق جديدة. هذا ممكن جداً..

وأتوقع تطورات سياسية في منطقة الأدارة الذاتية الكردية نحو هدوء تام سيكون الوضع فيه جيد إن لم تتغير المخططات الدول الكبرى والأتراك وخاصة الروس الذين بدورهم سيحاولون تطمين الكرد وإعطائهم الثقة كما تفعل امريكا.. وبذلك نحن أمام سباق للقوات الروسية والأمريكية لكسب ود الكرد في روجآفا ..

تحميل العدد على صيغة PDF
تحميل من الموقع الرسمي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان اسفل المشاركات

ضع إعلان متجاوب هنا

هيئة التحرير ( وجهة نظر )

مجلة " الفكر الحر "

أخبار وإستكشافات علمية

إصدارات الجيوستراتيجي

شبكة الجيوستراتيجي للدراسات GSNS

مشروع يختص بالتحليل السياسي والأبحاث والدراسات الإستراتيجية، وقراءة وإستشراف الاحداث، ويسعى إلى تعزيز فهم متوازن وواقعي للمصالح الإستراتيجية الكردية في الشرق الأوسط، إلى جانب المساهمة في نشر القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرايات.

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

GEO STRATEGIC NETWORK FOR STUDIES....... Aproject devoted to political analysis, research and strategic studies, and reading and anticipating events, and seeks to promote a balanced and realistic understanding of Kurdish strategic interests in the Middle East, in addition to contributing to the spread of democratic values, human rights and freedoms.

حمل تطبيقنا من Google Play

شاركنا النقاشات على Clubhouse

البحث في الموقع

زيارة الموقع هذا الشهر