Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

الصفحات

المواد الأخيرة

latest

نهاية الخليفة .. السقوط الحتمي لأسطورة "حزب العدالة والتنمية"

تحليل إستراتيجي لـ : إبراهيم مصطفى (كابان) مدير شبكة الجيوستراتيجي للدراسات - المدخل /  خطوط اللعب " الدائرة الأولى "/  إستغلال ال...

تحليل إستراتيجي لـ : إبراهيم مصطفى (كابان)
مدير شبكة الجيوستراتيجي للدراسات
- المدخل / خطوط اللعب " الدائرة الأولى "/ إستغلال النظام التركي للحدث السوري/ سياسة الهروب إلى الأمام / ما وراء القناع / نهاية أسطورة صفر مشاكل " العودة إلى المربع الأول "/ إستراتيجية المعارك الخارجية " القبضة الحديدة في الداخل "/ المنقذ القطري " أموال تحت الطلب .. ولكن؟ "/ الاستثمارات العسكرية التركية في الدول العربية/ جائحة كورونا وهشاشة الإقتصاد التركي/.

- المدخل
سياسة الحصول على كل شيء في خضم التطورات الدولية، وعدم فهم المصالح الإستراتيجية الغربية في سوريا، تدخل القوى الإقليمية في شرك الوقوع بهُوّة التناقضات، وبالتالي خوضها لصراع الحصول على حصة من الكعكة السورية على حساب الأمريكيين والروس في آناً واحد، والتلاعب على التناقضات والإختلافات بين كلا القوتين حول سيرورة الأزمة السورية ووجهتها النهاية، لن تمر دون تجرع تلك القوى الإقليمية من خانة "اليك"، ودفع الفواتير المكلفة التي سوف تزداد مع النتائج المتعددة للأزمة. ولعلَّ إقحام النظام التركي نفسه في الأزمة السورية بالشكل الذي يتناقض مع الأهداف الأمريكية – الروسية، والخروج عن دائرة دور الشرطي الخاص بالمصالح الغربية كما كان خلال العقود السبعة الماضية، لن يكون متوافقاً مع الإستراتيجيات الغربية التي تتعامل مع القوى الإقليمية المحورية جميعها دون تمييز، ووفق الفائدة والمصالح المشتركة، بمعنى لا يمكن للنظام التركي الخروج عن هذا العرف وتشكيل تهديد مباشر على مشغليه بالدرجة الأولى، لا سيما وإن الأطماع التي يسعى إليه النظام التركي في المنطقة العربية لا يتوافق مع الأهداف الأمريكية الغربية. 
خطوط اللعب " الدائرة الأولى "
في المصالح والمنافع السياسية نفهم إن البطاقة التي لم تعد تنفع تحترق، لأن تسارع المصالح والتجاذبات الجيوسياسية والإقتصادية ليست لها ثوابت بأستمرار في خضم التحولات والمتغيرات، ولأن عملية التفاعل والتطور تنتج عن أسواق جديدة، فإن الخروج عن العرف الدولي يكون أنحيازاً لمعاداته.
لقد ساهم الصراع بين التحالف الدولي والروس في سوريا على إيجاد الزمكان للتحركات التركية العسكرية داخل الأراضي السورية، وإحكام قبضتها على المجموعات المسلحة للمعارضة، مقابل تنفيذ عمليات التصفية للشخصيات والمجموعات المناوئة لها دخل هذه المجموعات، إذا أن ما يعرف بالجيش الحر شهد عدت تحولات دراماتيكية نحو أسلمتها، ودمجها في المجموعات المتطرفة " هيئة تحرير الشام – بقايا الداعش "، مما أنتجت الاستخبارات التركية معارضة مفصلة وفق المعايير التي تخدم الأمن القومي التركي. 
في الحين نفذت الاستخبارات التركية بالإتفاق مع الميليشيات الإيرانية المتحالفة مع النظام السوري على تنفيذ مخطط التهجير الكبير، بموجبها تم تهجير شريحة عربية سنية كبيرة من المناطق الداخلية السورية " حلب – حمص – دمشق وريفها – درعا .. الخ " إلى الحدود التركية، مقابل إفصاح المجال الكافي للميليشيات الإيرانية والعراقية وحزب الله اللبناني في القيام بعملية الإستيلاء على هذه القرى والأحياء، والبدء بحملات التشييع المجتمع العربي السني السوري، ومآثر تلك العمليات ظهرت في عدد كبير من أحياء العاصمة دمشق، وكذلك مناطق في دير الزور حلب وحمص، وتفريغ المناطق الساحلية من المكون السني. 
بينما جمعت الاستخبارات التركية هؤلاء على حدودها مع سوريا، وتم أستخدامهم لهدفين:
1- بناء سور من المدنيين والمسلحين السوريين لحماية الحدود التركية " وفق زعمها " من الكرد، وعلى حساب الأمن الوطني ووحدة الأراضي السورية.
2- تنظيم مجموعة مسلحة كبيرة بعد دمج جميع هؤلاء المسلحين فيها، وتوجيه دفتها وفوهة بنادقها بإتجاه محاربة قوات سوريا الديمقراطية. 
إستغلال النظام التركي للحدث السوري
سنحت ظروف الحرب الأهلية السورية والإختلافات بين قوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بعد تدخلها نهاية سبتمبر 2014 لدعم القوات الكردية " وحدات حماية الشعب " لحاربة منظمة " الداعش "، وروسيا بعد تدخلها عسكرياً نهاية سبتمبر 2015 لحماية نظام الاسد، وقيامها بتنفيذ القصف الجوي على المناطق التي سيطرت عليها المجاميع المسلحة للمعارضة"، على إستغلال النظام التركي للتناقضات الواقعة بين كلا الطرفين في سوريا، واللعب على وتر عقد صفقات تخصها لتمكين تلك القوى الكبرى في تحقيق أهدافها مقابل تأمين المطامع التركية بالسيطرة على مواقع حساسة في الشمال السوري، إذ أن عملية التحكم بالمعارضة السورية من قبل الإستخبارات التركية أجبرت القوتين على التعامل مع النظام التركي وفق إستراتيجية " قيام تركيا بمهمة الشرطي في إدارة هذه المجاميع، حيث الوسيط التركي في التواصل مع المجاميع المسلحة السورية سهلت هلى الولايات المتحدة الأمريكية التواصل التماس البري، فيما الفائدة الروسية كانت مباشر في عقد صفقات خاصة مع نظام أردوغان لسحب المجموعات المسلحة للمعارضة السورية من المناطق الدخلية إلى الحدود مع تركيا، وترك مسيرهم بيد الاستخبارات التركية التي أستخدمتهم لغايات تتعلق بالمخططات التركية ضد الكرد في سوريا، مقابل صرف بندقية تلك المجاميع عن محاربة النظام السوري، الذي كاد أن يسقط بعد توسع رقعة سيطرة الداعش وكذلك المجموعات المسلحة للمعارضة السورية، وسيطرة القوات الكردية على مساحات شاسعة من شمال وشرق سوريا.
أدرك النظام التركي تماماً إن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تدعم القوات الكردية في التوسع غرباً، وتحرير المناطق غربي نهر الفرات من براثن الداعش، وبما إن تلك النقطة بين نهر الفرات ومنطقة عفرين كانت حساسة بالنسبة للأتراك، بسبب اتفاقيات الحلقة الضيقة لرأس النظام التركي مع منظمة الداعش، فإن التوسع الكردي غرباً شكل معضلة للطرف التركي، لا سيما بعد تحرير منطقة منبج بالكامل، مقابل التحرك الكردي من طرف عفرين بإتجاه مناطق الشهباء وتل رفعت، ومن ثم مسافة بسيطة للتواصل البري بين المنطقة الكردية شرق الفرات مع عفرين. وهو ما دفع بالنظام التركي إلى التحرك الفوري ومحاولة الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم التدخل بالإتفاق مع الداعش على مدن جرابلس والباب وإعزاز، ودمج عدد كبير من عناصر الداعش في المجاميع المسلحة للمعارضة والموالية لتركيا، وبالتالي قطع الطريق على الاتصال البري بين منطقة عفرين ومنبج. 
في هذه الاثناء تحول النظام التركي إلى تطبيق خطبة ( ب ) في التحول من الحاضنة الأمريكية ضمن الأزمة السورية، إلى الإتفاق مع الطرف الروسي الذي عمل على إنقاذ نظام بشار الاسد، وهو ما حققته تركيا بعد فرض الخروج والتهجير على المجاميع المسلحة للمعارضة السورية وعوائلهم وشريحة واسعة من العرب السنة إلى الحدود مع تركيا، ولم تكن الميليشيات الإيرانية بعيدة عن هذه الاتفاقيات، إذ أن هذه العملية تمت بإتفاق كل الأطراف، والهدف منه تركيا هو جمع عدد كبير من السوريين العرب السنة في المناطق الحدودية، ومن ثم تنفيذ احتلال على بعض المناطق الكردية بغية توطين هؤلاء السوريين العرب فيها، مقابل ترك المناطق السنة الداخلية للميليشيات الإيرانية وحزب الله والنظام السوري، وبالتالي عودة النظام للسيطرة على مساحات شاسعة من سوريا، وإجبار المعارضة على توجيه حربها ضد الكرد في سوريا، وبذلك تحقق تركيا مكاسب كبيرة، وأعظمها " خلق شرخ كبير بين الشعبين – العرب -الكرد "، ليضمن بذلك النظام التركي بناء قوة سنية عربية على الحدود بغية محاربة الكرد من طرف، وإستخدامهم لأهداف خارج المنطقة أيضاً، ونموذج إرسالهم إلى ليبيا وأذربيجان، وربما مواقع أخرى، نماذج واضحة للأهداف التركية العسكرية.
عمدت روسيا في الأنزياح التركي الجديد إلى خلق شرخ بين دول الناتو، فعقدت مع الاتراك اتفاقيات الصواريخ التي تتناقض مع إستراتيجية حلف الناتو، حيث فتح الروس المجال أمام غزو تركي على منطقة عفرين مقابل تعميق تلك العلاقة مع موسكو، ويكون ذلك شرارة أكبر بين دول التحالف حيال التصرفات التركية، ودفعها بالمحصلة إلى الابتعاد عن الغرب، وبالتالي تتمكن موسكو من كسر السد الذي شكله الناتو أمام الروس من البوابة التركية.
من المؤكد إن تلك السياسات الروسية لم تمر بسلام في ظل الضلوع التركي المستميت في المحور الغربي طيلة قرن كامل، وبالتالي لن يخلق هناك أنسجام متكامل مع الأتراك على حساب العلاقات التركية – الأمريكية. وهذا يعني إن العلاقات بين الطرفين بمعزل عن القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، غير ممكن على المدى الإستراتيجي، لأن تركيا لا تستطيع الخروج عن العبائة الأمريكية، ولا يمكن لها الصمود أمام عقوباتها. بمجرد منشور على الوسائل الإجتماعية أستطاع الرئيس الأمريكي السابق " دونالد ترامب " من تدمير الليرة التركية، وما يمر به الإقتصاد التركي اليوم من هبوط كبير وتدمير شامل مثال على الهشاشة الواضحة امام أي تحرك غربي ضدها. 
سياسة الهروب إلى الأمام 
دأب رأس النظام التركي على إستراتيجية التحشيد للمعارك خارج الحدود، والهدف كان واضح " التستر على التقلبات الإقتصادية والأمنية الداخلية "، وصناعة أمجاد من خلال التلاعب بورقة المشاعر القوموية والدينية، حيث الشريك القوموي لهذا النظام أستثمر أيضاً في عملية توجيه دفة النظام نحو تكريس سياساته العنيفة والمنغلقة داخل الشارع التركي، مما فعّل المنظومة الثقافية " الإسلاماوية - القوموية "، التي هي في الواقع نقض كامل للمدنية والعلمانية التي تأسست الجمهورية التركية عليها، وبالتالي فقدت تركيا التوازن الطبقي على المستوى السياسي والثقافي، ودخلت في نفق الإنفصام السياسي من التناقضات التي سوف تؤدي بدورها نحو تشرذم كبير داخل المؤسسات التركية، لا سيما بعد مسريحة الإنقلاب أب 2016 بموجبها نفذ أردوغان عمليات التصفية بحق الخصوم داخل حزبه والمؤسسة العسكرية والأمنية، وتجرأ نحو إجراء تغييرات دستورية كبيرة تتناقض حتى مع الدستور العلماني والنمط السياسة التركية طيلة قرن كامل. ويمكن ملاحظة ذلك اليوم بتأرجح الشارع التركي نحو حالة الإنغلاق السياسي، وصراعات عميقة، وإنقطاع كبير مع المجتمع الإقليمي والدوليةـ وهذا يعني تركيا مقبلة على إحتكاك سلبي ونتائج غير جيدة على المستوى السياسي والإقتصادي.
ما وراء القناع 
التبجح قد يكون سبباً رئيسياً في إفشال أي مشروع سياسي وحتى مجتمعي، لطالما القائمين عليه غير صادقين مع المجتمع بالدرجة الأولى، ولديهم غايات يضمرونها بمعزل عن ما يظهرونها من خطاب وسياسات، ومع الممارسة العملية لإدارة السلطة تظهر تلك الغايات للعلن، وتفضح. 
وهو ما عليه الآن حكومة حزب العدالة والتنمية التركي، حيث تحالفت مع أكثر التيارات عنصريةً ومعاداة للحلول الواقعية للأزمات التركية، وفي مقدمتها القضية الكردية، وهذا واضح من خلال التراجع الكبير الذي أبداه النظام التركي بعد 2013 في الملف الكردي والحوار مع منظومة حزب العمال الكردستاني، لا سيما بعد دخول حزب العدالة والتنمية في عملية التزاوج الجيو أمني وسياسي مع الحركة القوموية التركية التي ترفض الحلول كافة مع الكرد، إلى جانب تغليب الطموح الشخصية لأردوغان التي بدورها ساهمت في إدخاله معتكر غير مناسب مع التحولات الدولية التي تجاوزت حقبة السلطة العثمانية وتقف أمام أية طموح مشابهة للعامل التركي الذي ساهم في تدمير المنطقة، وتهديد الغرب قبل الشرق.
تعد الأطماع الشخصية لرأس النظام التركي نقاط إرتكازية في النظر إلى تطور التحركات التركية نحو القيام بدور تخريبي في عدة مواقع ساخنة، وإن كانت جميع هذه الأدوار التي لعبها أردوغان إنما بفعل قوى دولية أستفادت منه، إلا أن القلق الذي شكله نظام أردوغان في شرق المتوسط والأزمة الليبية، والصراع بين آذربيجان وأرمينيا، والتدخل العسكري في الخليج العربي وإقامة قواعد عسكرية في قطر، وكذلك دعم حركة أخوان المسلمين في مصر، ولعب الدور المخرب في العراق من خلال إقامة قواعد عسكرية واسعة داخل إقليم كردستان، أو التدخل العسكري في سوريا وإستخدام السوريين بعملية التغيير الديموغرافي لصالح إيران داخل المناطق الداخلية السورية مقابل تهجير العرب السنة إلى المناطق الحدودية من سوريا وزجهم في صراع مع كرد سوريا، إلى جانب تهجير الكرد من مناطق شاسعة " عفرين - قباسيين - سري كانيه/ رأس العين، كري سبي/ تل أبيض، وإقامة مستوطنات عربية سنة في هذه المناطق. 
لقد أستثمر النظام التركي في ثورات الربيع العربي، ووجه دفتها إلى الإسلام السياسي الذي أعطي الذريعة الكافية للعسكر في تلك الدول من الإطاحة بمشروع الثورة، وتمكين السلطة العسكرية أكثر من السابق. 
نهاية أسطورة صفر مشاكل " العودة إلى المربع الأول "
حينما أطلق وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو إستراتيجية صفر مشاكل في السياسة الخارجية والملفات الداخلية عام 2013، كانت القوى الغربية تأمل بتغيير حقيقي في سياسات النظام التركي الداخلية والخارجية، لا سيما وإن تجربة صعود أردوغان وحزبه " الإسلام المعتدل " كانت بمباركة غربية، لإظهار وجه جديد للإسلام السياسي المتناغم مع الثقافة الغربية. إلا أن التراجع الذي أبداه أردوغان بعد 2016 والدخول في مواجهات مجدداً مع حزب العمال الكردستاني من طرف، والضغط على الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأووربية في الملف السوري، وتخيير هذه القوى بين دعم القوات الكردية في سوريا أو السماح ودعم الحملات التركية العسكرية، أظهرت مدى العلاقة الواضحة بين المتطرفين في سوريا والنظام التركي، وكذلك الأهداف التركية الواضحة في محاربة الإرهاب وليست الجماعة المتطرفة كالداعش وغيرها، والتي تحالفت مع النظام التركي.
" نقاط فاصلة غيرت مجرى السياسات التركية من صفر مشاكل إلى مئة مشكلة دون حلول، في ظل إستمرار تعند أردوغان ونظامه"
لقد غير أردوغان إستراتيجية السياسات التركية نحو الصعود في زيادة الازمات مع الاتحاد الأوروبي، بعد إطلاق التهديدات بإرسال النازحين السوريين وبينهم متطرفين إلى الدول الغربية، وكان ذلك فاصلاً مهماً في التقارب التركي - الروسي، حيث أستغل النظام الروسي التخبط التركي وتأرجحها بين العلاقة مع الغرب أو الدخول في صراع معها بسبب الملف الكردي السوري. 
العروض الروسية المغرضة للأتراك، مقابل عمق هوة الخلافات بين النظام التركي والغرب، أنتج عن تسرع واضح في السياسات التركية، فالتلاعب على هذه التناقضات فتحت المجال أمام أردوغان في التوجه نحو الدخول بقوة في الأزمة الليبية، مقابل مفتح المجال أمام الروس في التوسع بين أذربيجان وأرمينيا، ولم يكتفي أردوغان بهذه التحركات وإنما شكل خطر مباشر على المصالح الأوروبية من بوابة الحديث عن أحقية تركيا بالتنقيب عن الغاز والنفط في شرق المتوسط، وإطلاق تهديدات ضد اليونان والقبرص، بالإضافة إلى فتح الباب أمام اللاجئين السوريين والعناصر المتطرفة في التوجه إلى الدول الغربية، وإرسال الالاف منهم إلى الحدود اليونانية - البلغارية، بغية ممارسة التهديد والضغوط على الاتحاد الأوروبي، وتضمين صمتها حيال التحركات التركية في ليبيا وسوريا وشرق المتوسط. 
لقد أثار النظام التركي لغطاً كبيراً في العلاقات التركية مع أوروبا، ليزيد على ذلك تهديد أمن دول حلف الناتو، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، بعد شراء منظومة الصواريخ الروسية، والدخول معها في مناقصات تهدد أمن ومصالح الدول الغربية في الشرق الوسط وأوروبا.
السياسات التركية المتسرعة دفعت إلى تراجع الثقة بها من قبل دول حلف الناتو، وبالتالي لم تركيا الشريك الاستراتيجي الأول، حيث أتخذت الولايات المتحدة جملة من العقوبات على النظام التركي، إبتداءً بوقف عمليات التسليح المتعلقة بالطائرات الأمريكية الحديثة، وكذلك توجه فرنسا وبعض الدول الأوروبية الأخرى إلى إتخاذ تدابير ورفع لهجة حادة بإتجاه النظام التركي، لدرجة الصدام العسكري الخفيف في المتوسط. مقابل توجه البرلمان الأوروبي نحو إقرار المزيد من الضغوطات والعقوبات إتجاه تركيا.
التحرك التركي بإتجاه الأزمة الأذربيجانية - الأرمينية ما هي إلا لإفصاع المجال أمام الهيمنة الروسية للتوسع في تلك النقطة الإستراتيجيةـ إذ أن ذلك شكل أيضاً معضلة خطيرة بالنسبة للمصالح الغربية.
لم يكتفي النظام التركي بتعميق هذه الخلافات مع القوى الغربية، بل أفتعل الأزمات الكبيرة مع الدول الخليج العربي، ومصر، وكانت الضربة القاضية التي ألحقت بالنظام التركي حينما قاطعت المملكة العربية السعودية والإمارات علاقاتهما مع النظام التركي بسبب السياسات التركية السيئة في قضايات تتعلق بأمن دول الخليج، لاسيما الأزمة القطرية، بالتزامن مع السياسات المصرية التي أتخذت بدورها القطيعة الكبرى بسبب التدخل التركي في دعم حركة أخوان المسلمين المتطرفة. 
شكلت هذه الخلافات والتناقضات حصاراً كبيراً حول السياسات الخارجية للنظام التركي، فأصبح مقيداً تماماً، وتحجمت خياراته ضمن سياقات سياسية وإقتصادية ضيقة جداً، وتحركاتها أصبحت مقيدة بفعل المصالح الروسية والأمريكية، ولا يمكن العودة إلى المجتمع الإقليمي والدولي دون تقديم المقابل، ويهذا يتطلب منها التنازلات، وبالتالي شكلت هذه الظروف ضربة قاضية للاقتصاد التركي.
إستراتيجية المعارك الخارجية " القبضة الحديدة في الداخل "
قد تكون إستراتيجية نقل الأزمات الداخلية لخارج الحدود مفيدة لإستمرارية سياسات السيطرة على مفاصل الدولة، وهو ما أعتقده أردوغان نفسه لإجراء تغييرات كبيرة داخل الدستور والدولة لصالح تثبيت إستمراريته، وتكريس سيطرة حزبه، والتخلص من قوة المعارضة وكذلك النافذين المختلفين معه داخل الجيش، ولم يستثني ذلك بعض المختلفين معه داخل حزبه، إذ أن المختلف معه من الكرد والمعارضة التركية وكذلك ضباط الجيش وداخل المؤسسة الأمنية والشرطية، وصولاً إلى رجال الإقتصاد والدولة العميقة. 
أخرج أردوغان برلمان وفق معاييره، وسن سلطات رئاسية توهبه أكثر قدرة في السيطرة، ومكن حزبه لبسط سيطرته على مفاصل الدولة بالكامل، من خلال إستغلال الغالبية من أصوات البرلمان.
وخلال هذه العملية، وبسبب العلاقات التركية الخارجية السيئة، والسياسات التي أخلفت كل هذه الإشكاليات، والأزمات التي أجتاح الإقتصاد التركي، ألتجأ أردوغان إلى ثلاث حيل أعتبرها إستراتيجية لتجاوز الأزمة:
1- أستثمار المشارع الدينية من خلال الحديث حول إعادة أمجاد السلطة العثمانية وسطوتها على المنطقة.
2- توظيف المشاعر القومية من خلال رفع مستوى الحرب ضد الكرد وحزب العمال الكردستاني داخل تركيا وفي سوريا والعراق، وهيئ لذلك عقد صفقات مع الحركة القوموية التركية التي تدعوا إلى محاربة الكرد. 
3- إستخدام السطوة الأمنية داخل تركيا، وإعادة لغة الترهيب والإعتقال والتصفية لمن يختلف أو يعارض.
هذه العوامل الثلاثة ساهمت في تكريس عمليات التصفية لمجموعة كبيرة من المعارضين والسياسيين وعلى رأسهم الناشطين والقيادات الكردية التي نافست أردوغان خلال الفترات الماضية وفي مقدمتهم الرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطية الكردي "صلاح الدين ديمرتاش" وعدد كبير من برلماني الحزب.
وبالتالي ركز النظام التركي على تقويض الديمقراطية والحريات في الداخل، كان يدير عمليات الاحتلال للشمال السوري، والتوسعة في القواعد العسكرية بإقليم كردستان العراق، وإرسال الجيش ومجموعات المرتزقة السورية إلى ليبيا، وكلما أشتدت عليه الازمات الداخلية " الإقتصادية والسياسية "، كان يعلن عن عملية عسكرية جديدة في الشمال السوري ضد الكرد.
المنقذ القطري " أموال تحت الطلب .. ولكن؟ "
عملية تشغيل حركة أخوان المسلمين في المنطقة العربية جمعت الكثير من القوى الإقليمية أو فرقتها، إلا أن حجم الأستخدام التركي لها منحتها ميزة التحكم بالمشغلين الخرين، لا سيما الطرف القطري الذي كان إستثماره في هذه الحركة حصراً من خلال الطرف التركي، بحكم التدخل التركي العسكري لدعم هذه الحركة في ليبيا وسوريا زادت من الأطماع القطرية وفتح شهيتها في إستعراض القوى بمواجهة السياسات الإماراتية – السعودية.
في سوريا نفذت الاستخبارات التركية عملية التصفية للمجموعات السياسية والعسكرية السورية المعارضة والمقربة من المملكة العربية السعودية والإمارات، لصالح جبهة النصرة المدعوم من قطر، والجماعات التركمانية المسلحة، بالاضافة إلى مجاميع حركة أخوان المسلمين. وكان ذلك سبيلاً لأن تكون قطر الداعم الإرتكاز للمشاريع التركية في سوريا، وبنفس المستوى في ليبيا، وإن كانت القوى العربية دعمت الجيش الليبي بقيادة حفتر، كانت الاختيارات القطرية بعكسها تماماً، حيث أختارت الجماعات الأخوانية في طرابلس، وبذلك حصل تجاذب بين التحركات التركية – القطرية –الإيرانية، فجمعتهم الدعم المشتركة لحركة أخوان المسلمين، وأنعكس ذلك في الاستثمار التركي – القطري في منطقة غزة، ودعم حركة حماس، وهو ما يشاركهم بها النظام الإيراني أيضاً، وفي سوريا حيث دخلت تركيا في مناقصات مع النظامين الإيراني والسوري برعاية روسيا، حتى أفلست المعارضة الثورية السورية من محتواها، فتحولت إلى مجموعات مرتزقة تحت الطلب التركي – القطري. 
إلا أن العلاقات التركية – القطرية لن تكون عميقة جداً أمام التناقض الحاصل بين المصالح الغربية والتسرع التركي، وكذلك الدور المحدد لقطر في الخليج العربي أمام القوى الإرتكازية كالمملكة العربية السعودية والإمارات، وعربياً الدور المصري المتوافق معهما في مواجهة التحركات القطرية، لهذا شاهدنا التوجه القطري الإجباري إلى الحاضنة العربية بعد الضلوع في المخططات التركية التخريبة في المنطقة العربية، ولذلك شاهدنا التراجع القطري عن دعم الأخوان المسلمين في مصر وكذلك عن عزعزة الاستقرار في الخليج العربي، وتحديد مواقفها من إيران، على الأقل نسبياً، وكذلك التراجع عن توظيف طاقاتها وإمكانياتها في خدمة المخططات التركية الرامية إلى تفكيك الدول العربية.
وعلينا إدراك هذه الحقيقة، مهما كانت العلاقات التركية - القطرية عميقة، ووجود الشراكة الإستراتيجية، والتوافقات حول عدد كبير من القضايا المتعلقة بدعم حركة أخوان المسلمين في ليبيا ومصر ومنظمة القاعدة في سوريا، وحركة الطالبان في أفغانستان، وغيرها، إلا أن حجم الكوارث التي تسببت فيها السياسات الخارجية التركية في معادات الدول الخليج العربي، لا يمكن التغطية عليها وتجاوزها بسهولة، لأن طبيعة الاستثمار السياسي التركي في قطر لم ينجح في سَوق الخليج إلى بؤرة الصراع الداخلي، فالإقتصاد التركي المنهار لا يمكن ترقيعه بأموال قطرية، لا سيما وإن المزاج العام لدى حلفاء الخليج الغربيين ليس مساعداً لقطر في تجاوز القوى الإقليمية كالمملكة العربية السعودية والأمارات، ومصر، وأية محاولات جادة من قبل نظام حمد، لإنقاذ أردوغان، ستنجم في إبعاد قطر كلياً عن الحاضنة العربية، لذا قطر مجبرة على العودة للحاضنة العربية والغربية.
مستقبل الاستثمارات العسكرية والإستخباراتية التركية في الدول العربية
من المؤكد إن التداخلات التركية العسكري في ليبيا وسوريا والعراق لم تكن أعتباطياً، وإنما هناك مصالح اقتصادية كثيرة تخص الدائرة الضيقة لأردوغان، وبمجرد سقوطه لن تكون لهذه الإستثمارات معنى إستراتيجي، لأن الإعتماد الأساسي في تنمية هذه المصالح متعلقة بالمد الإيدولوجي لفكر وقناعات أردوغان وحزب العدالة والتنمية، وخروجه من دفة الحكم في تركيا يعني إنهاء الطريقة والإستراتيجية الخاصة بها في التعامل مع تلك الجماعات والمنظمات، وهذا يعني إن التعامل والدعم التركي اليوم لحركة الأخوان المسلمين ومنظمة القاعدة في المنطقة العربية مؤقت، مع سقوط حكومة العدالة والتنمية تنتهي تلك العلاقات، ومثال تخلص الدائرة الضيقة لأردوغان من جماعة أخوان المسلمين المصرية كجزء من التضحية بها لعودة العلاقات مع الدول العربية، سوف يتكرر في ليبيا وسوريا وغيرها، وبالتالي لا مستقبل لأدوات النظام التركي في المنطقة العربية.
خلال السنوات الثلاثة التي سيطر فيها الداعش على أجزاء من سوريا والعراق، عقدت فيها الدائرة الضيقة المحيطة برأس النظام، إتفاقيات كثيرة مع المنظمة الإرهابية، وأعاد ذلك الكثير من الأموال والنفط للنظام التركي، ومعظم الأدوات والأليات والمصانع السورية من الشمال والشرق أنتقلت بفعل هذه العلاقة إلى تركيا، ونمى ذلك التعاون الإقتصادي والعسكري بين الداعش والنظام التركي لمحاربة الكرد في سوريا، وأخلفت الداعش المجموعات المسلحة للمعارضة السورية، والمصنفة على قائمة الإرهاب، أو المتهمة بالإرتزاق، هذه المجاميع وفرت بدورها للنظام التركي بعض المصالح الإقتصادية، حيث تدير شبكات المخدرات والاستيلاء على الممتلكات والمزارع وغيرها من الاعمال الإبتزازية التي تعيد لبعض الشخصيات النافذة والجنرالات مكاسب كثيرة، مقابل المجموعات التي تحكم طرابلس الليبية، والتي قدمت الكثير من الاموال والذهب بغية تأمين التغطية العسكرية التركية لها في حروبها الداخلية.
يستحوذ النظام التركي على أجزاء كبيرة من نفط إقليم كردستان، ومنافذ كبيرة للنفط العراقي أيضاً، وخلال إستعادة الكرد لمدينة كركوك ومنابع النفط في الانحاء كانت تتجه ملايين البراميل يومياً إلى ميناء جيهان التركية، وهناك مشاريع تطوير للمنشآة الجديدة، وبالتالي هذه الثروة التي تتخذ عليها تركيا أموال طائلة ونصيب من النفط، حيث لا مخرج ولا منفذ لإقليم كردستان سوى تركيا. 
جائحة كورونا وهشاشة الإقتصاد التركي
قد لا يظهر كثيراً المستوى الأدنى لما وصل إليه الإقتصاد التركي في هذه المرحلة، لأن الإعتراض أو التطرق إلى هذه الكارثة من قبل الناشطين والإعلاميين والمعارضة التركية قد تعرضهم إلى الإعتقال وأقصى أنواع العقوبات أمام المحاكم الصورية التي تديرها الدائرة الضيقة لرأس النظام.
لقد أخلفت الجائحة كارثة إقتصادية لا يمكن التعافي منها بسهولة، ودون ضخ السوق التركية بأموال طائلة، أو تأمين إمكانيات إقتصادية هائلة لا يمكن تجاوزها في الوقت الحالي، بحكم إن عملية تأزيم المشاكل والنزعات مع المجتمع الإقليمي والدولي تقف دون حيلولة من إيجاد سبل دعم وإيجاد طوق النجاة للأزمة الإقتصادية التركية، لقد دمر النظام التركي منظومة العلاقات الخارجية، وهذا يعني لا يمكن التأمل من أي منقذ خارجي يغير مجرى ما تسير إليه الأزمة الإقتصادية التركية، وعملية إعادتها إلى عهودها السابقة ليس بأقل من تجاوز أزمة كورونا على المستوى العالمي، وإعادة العلاقات الخارجية التركية إلى مستوى جيد، وهذا أيضاً غير ممكن في ظل كل هذه الإشكاليات التي تسبب فيها النظام التركي خلال السنوات الستة الماضية، وبالتالي ليس من السهل تأمين القدرة المالية لضخها في السوق التركية حتى يتمكن من إعادة عجلة الليرة التركية إلى الصعود، وكل ما يمكن فعله اليوم هو أن يحافظ النظام التركي على بقاء الوضع على ما هو عليه، إلى حين السقوط الحتمي لنظام أردوغان أمام المزاج العام الشعبي الذي بدأ بطرق المسمار الأول في نعش حزب العدالة والتنمية عندما سقطت في الانتخابات البلدية في أستنبول وأنقرة نهاية شهر مارس/ أذار 2019 ، وسوف ينتهي كلياً مع الانتخابات العامة القادمة خلال عام 2023، أو ربما قبل ذلك إذا أستمر السقوط الإقتصادي أكثر، وهناك توجه شعبي وحزبي تركي نحو ذلك.

ليست هناك تعليقات