أستشراف الأحداث: فريق الجيوستراتيجي للدراسات
يشهد الشرق الأوسط في العقدين الأخيرين تحولات عميقة تتجاوز الإطار التقليدي للصراعات بين الدول، لتدخل في فضاء أكثر تعقيدًا تتداخل فيه شبكات النفوذ المالية والاستخباراتية والإعلامية مع أدوات القوة الصلبة والناعمة. وفي هذا السياق، برزت في بعض الأوساط التحليلية نقاشات تتعلق بدور المعلومات الحساسة والملفات الدولية المغلقة في تشكيل أنماط جديدة من النفوذ السياسي. ومن بين هذه النقاشات، تظهر فرضيات مرتبطة بإمكانية توظيف ملفات دولية شديدة الحساسية — مثل ملف جيفري إبستين — ضمن سياقات الصراع غير المباشر بين الدول، سواء عبر أدوات الابتزاز السياسي أو عبر إعادة توجيه مسارات النفوذ داخل مراكز القرار الدولية.
ضمن هذا الإطار التحليلي، يتم التطرق إلى العلاقة المفترضة بين تركيا وبعض الشخصيات المرتبطة بدوائر النفوذ المالي والسياسي في الولايات المتحدة، ومنهم توم باراك، ليس بوصفها علاقة مباشرة أو مثبتة بالضرورة، بل كجزء من تصور أوسع لطبيعة تشابك المصالح بين شبكات المال والسياسة والاستخبارات. فالدول الصاعدة إقليميًا، ومنها تركيا، باتت تدرك أن السيطرة على مسارات المعلومات الحساسة قد توازي في أهميتها السيطرة على الجغرافيا أو الموارد الطبيعية. وفي حال صحة بعض هذه الفرضيات، فإن ذلك يعكس انتقالًا في طبيعة أدوات الصراع الدولي من المواجهة العسكرية المباشرة إلى صراعات النفوذ المركبة التي تعتمد على المعلومات والضغط غير المباشر وإعادة تشكيل مسارات القرار داخل الدول.
على المستوى الإقليمي المباشر، يشكل الملف الكردي في سوريا أحد أهم مفاصل الصراع الجيوسياسي في المشرق. إذ ترى أنقرة أن أي تشكل لكيان كردي مستقر على حدودها الجنوبية يمثل تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، ليس فقط من منظور أمني تقليدي، بل أيضًا من منظور يتعلق بإعادة تشكيل الهوية السياسية والجيوسياسية للمنطقة الحدودية الممتدة من شمال العراق إلى شمال سوريا. ومن هذا المنطلق، طورت تركيا مقاربة متعددة المستويات تقوم على الدمج بين العمل العسكري المباشر، وإدارة التوازنات المحلية عبر الفاعلين غير الدولتيين، والتأثير الاستخباراتي داخل البنية السياسية والعسكرية السورية.
ولا يقتصر هذا المسار على البعد الأمني، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البنية الديمغرافية والاقتصادية في بعض مناطق الشمال السوري، بما يضمن خلق فضاء جيوسياسي مرن يخدم المصالح التركية على المدى الطويل. ويعكس هذا التوجه تحولًا في العقيدة الاستراتيجية التركية من نموذج "الدفاع الحدودي" إلى نموذج "إدارة المجال الحيوي الخارجي"، وهو تحول يتقاطع مع تجارب قوى إقليمية أخرى سعت إلى خلق مناطق نفوذ شبه مستقرة خارج حدودها الرسمية.
في المقابل، تسعى قوى إقليمية أخرى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، إلى إعادة التموضع داخل المشهد السوري، خاصة بعد تراجع زخم بعض المشاريع الإقليمية التي سادت في العقد الماضي. وتعتمد الرياض في هذا المسار على أدوات الاقتصاد السياسي، ومحاولات بناء شبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة السورية، إضافة إلى توسيع الحضور الدبلوماسي والاقتصادي. غير أن فعالية هذه الاستراتيجية تبقى محكومة بعوامل بنيوية، أهمها تشابك النفوذ الروسي والإيراني داخل بنية الدولة السورية، إضافة إلى وجود شبكات نفوذ أمنية واقتصادية عابرة للحدود يصعب تفكيكها في المدى القصير.
أما العلاقة بين تركيا وكل من السعودية ومصر، فهي تمثل نموذجًا معقدًا للتنافس البنيوي المغلف بتفاهمات تكتيكية مؤقتة. إذ يحمل هذا التنافس أبعادًا أيديولوجية تتعلق بطبيعة النظام الإقليمي، ودور الإسلام السياسي، وحدود النفوذ في المجال العربي. ورغم فترات التهدئة وإعادة تطبيع العلاقات، فإن البنية العميقة لهذا التنافس لا تزال قائمة، ويمكن أن تعود إلى الواجهة عند أي تحول استراتيجي مفاجئ، سواء نتيجة تغيرات في موازين القوى الدولية، أو نتيجة تصاعد التوتر في ملفات مثل إيران أو شرق المتوسط.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة التقارب السعودي–التركي الأخير باعتباره محاولة لإدارة المخاطر الجيوسياسية أكثر من كونه تحولًا استراتيجيًا جذريًا. إذ تدرك كل من أنقرة والرياض أن البيئة الإقليمية الحالية تتسم بدرجة عالية من السيولة الاستراتيجية، ما يجعل الصدام المباشر مكلفًا وغير مضمون النتائج. وبالتالي، تسعى الدولتان إلى بناء مساحات تعاون تكتيكي دون التخلي عن أدوات التنافس البنيوي طويلة الأمد.
على المستوى الدولي، تواجه تركيا تحديًا استراتيجيًا معقدًا يتمثل في إدارة علاقتها مع الولايات المتحدة ضمن إطار الشراكة التنافسية، وفي الوقت ذاته الحفاظ على مستوى من التنسيق مع إسرائيل في إطار ترتيبات الأمن الإقليمي. ويعكس هذا التوازن محاولة تركية للحفاظ على استقلالية القرار الاستراتيجي، دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع منظومة القوة الغربية. غير أن هذا المسار يفرض على أنقرة هامش مناورة محدودًا، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد التركي جزئيًا على منظومات التمويل الغربية، وعلى التوازنات داخل النظام الاقتصادي الدولي.
وفي الإطار الأوسع، يكشف المشهد الإقليمي عن تحول نوعي في طبيعة الصراع الدولي والإقليمي. فلم تعد السيطرة على الأرض وحدها كافية لضمان النفوذ، بل باتت السيطرة على تدفقات المعلومات، وشبكات التمويل، ومنصات التأثير الإعلامي، والعلاقات داخل مراكز القرار العالمية، عناصر حاسمة في تشكيل موازين القوة. ويعني ذلك أن الصراع في الشرق الأوسط يتحول تدريجيًا من صراع جيوغرافي تقليدي إلى صراع شبكي متعدد المستويات، يتداخل فيه المحلي مع الإقليمي مع الدولي ضمن منظومة واحدة معقدة.
إن فهم هذه التحولات يتطلب تجاوز المقاربات التقليدية التي تركز على الدولة بوصفها الفاعل الوحيد، والانتقال إلى تحليل أعمق يأخذ في الاعتبار دور شبكات النفوذ غير الرسمية، والاقتصاد السياسي للصراعات، وتطور أدوات الحرب غير التقليدية. وفي هذا السياق، يصبح تحليل العلاقة بين المعلومات والنفوذ السياسي أحد المفاتيح الأساسية لفهم شكل النظام الإقليمي في المرحلة القادمة.
في المحصلة، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تتسم بتراجع الحروب الكلاسيكية الشاملة، مقابل تصاعد الحروب الرمادية التي تُدار عبر المعلومات، والاقتصاد، والاستخبارات، وشبكات النفوذ العابرة للدول. وفي هذه البيئة، ستنجح الدول التي تستطيع إدارة هذه الأدوات المركبة في تثبيت مواقعها ضمن النظام الإقليمي الجديد، بينما ستواجه الدول التي تعتمد فقط على أدوات القوة التقليدية تحديات متزايدة في الحفاظ على نفوذها ومجالاتها الحيوية.
ضمن هذا الإطار التحليلي، يتم التطرق إلى العلاقة المفترضة بين تركيا وبعض الشخصيات المرتبطة بدوائر النفوذ المالي والسياسي في الولايات المتحدة، ومنهم توم باراك، ليس بوصفها علاقة مباشرة أو مثبتة بالضرورة، بل كجزء من تصور أوسع لطبيعة تشابك المصالح بين شبكات المال والسياسة والاستخبارات. فالدول الصاعدة إقليميًا، ومنها تركيا، باتت تدرك أن السيطرة على مسارات المعلومات الحساسة قد توازي في أهميتها السيطرة على الجغرافيا أو الموارد الطبيعية. وفي حال صحة بعض هذه الفرضيات، فإن ذلك يعكس انتقالًا في طبيعة أدوات الصراع الدولي من المواجهة العسكرية المباشرة إلى صراعات النفوذ المركبة التي تعتمد على المعلومات والضغط غير المباشر وإعادة تشكيل مسارات القرار داخل الدول.
على المستوى الإقليمي المباشر، يشكل الملف الكردي في سوريا أحد أهم مفاصل الصراع الجيوسياسي في المشرق. إذ ترى أنقرة أن أي تشكل لكيان كردي مستقر على حدودها الجنوبية يمثل تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، ليس فقط من منظور أمني تقليدي، بل أيضًا من منظور يتعلق بإعادة تشكيل الهوية السياسية والجيوسياسية للمنطقة الحدودية الممتدة من شمال العراق إلى شمال سوريا. ومن هذا المنطلق، طورت تركيا مقاربة متعددة المستويات تقوم على الدمج بين العمل العسكري المباشر، وإدارة التوازنات المحلية عبر الفاعلين غير الدولتيين، والتأثير الاستخباراتي داخل البنية السياسية والعسكرية السورية.
ولا يقتصر هذا المسار على البعد الأمني، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البنية الديمغرافية والاقتصادية في بعض مناطق الشمال السوري، بما يضمن خلق فضاء جيوسياسي مرن يخدم المصالح التركية على المدى الطويل. ويعكس هذا التوجه تحولًا في العقيدة الاستراتيجية التركية من نموذج "الدفاع الحدودي" إلى نموذج "إدارة المجال الحيوي الخارجي"، وهو تحول يتقاطع مع تجارب قوى إقليمية أخرى سعت إلى خلق مناطق نفوذ شبه مستقرة خارج حدودها الرسمية.
في المقابل، تسعى قوى إقليمية أخرى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، إلى إعادة التموضع داخل المشهد السوري، خاصة بعد تراجع زخم بعض المشاريع الإقليمية التي سادت في العقد الماضي. وتعتمد الرياض في هذا المسار على أدوات الاقتصاد السياسي، ومحاولات بناء شبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة السورية، إضافة إلى توسيع الحضور الدبلوماسي والاقتصادي. غير أن فعالية هذه الاستراتيجية تبقى محكومة بعوامل بنيوية، أهمها تشابك النفوذ الروسي والإيراني داخل بنية الدولة السورية، إضافة إلى وجود شبكات نفوذ أمنية واقتصادية عابرة للحدود يصعب تفكيكها في المدى القصير.
أما العلاقة بين تركيا وكل من السعودية ومصر، فهي تمثل نموذجًا معقدًا للتنافس البنيوي المغلف بتفاهمات تكتيكية مؤقتة. إذ يحمل هذا التنافس أبعادًا أيديولوجية تتعلق بطبيعة النظام الإقليمي، ودور الإسلام السياسي، وحدود النفوذ في المجال العربي. ورغم فترات التهدئة وإعادة تطبيع العلاقات، فإن البنية العميقة لهذا التنافس لا تزال قائمة، ويمكن أن تعود إلى الواجهة عند أي تحول استراتيجي مفاجئ، سواء نتيجة تغيرات في موازين القوى الدولية، أو نتيجة تصاعد التوتر في ملفات مثل إيران أو شرق المتوسط.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة التقارب السعودي–التركي الأخير باعتباره محاولة لإدارة المخاطر الجيوسياسية أكثر من كونه تحولًا استراتيجيًا جذريًا. إذ تدرك كل من أنقرة والرياض أن البيئة الإقليمية الحالية تتسم بدرجة عالية من السيولة الاستراتيجية، ما يجعل الصدام المباشر مكلفًا وغير مضمون النتائج. وبالتالي، تسعى الدولتان إلى بناء مساحات تعاون تكتيكي دون التخلي عن أدوات التنافس البنيوي طويلة الأمد.
على المستوى الدولي، تواجه تركيا تحديًا استراتيجيًا معقدًا يتمثل في إدارة علاقتها مع الولايات المتحدة ضمن إطار الشراكة التنافسية، وفي الوقت ذاته الحفاظ على مستوى من التنسيق مع إسرائيل في إطار ترتيبات الأمن الإقليمي. ويعكس هذا التوازن محاولة تركية للحفاظ على استقلالية القرار الاستراتيجي، دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع منظومة القوة الغربية. غير أن هذا المسار يفرض على أنقرة هامش مناورة محدودًا، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد التركي جزئيًا على منظومات التمويل الغربية، وعلى التوازنات داخل النظام الاقتصادي الدولي.
وفي الإطار الأوسع، يكشف المشهد الإقليمي عن تحول نوعي في طبيعة الصراع الدولي والإقليمي. فلم تعد السيطرة على الأرض وحدها كافية لضمان النفوذ، بل باتت السيطرة على تدفقات المعلومات، وشبكات التمويل، ومنصات التأثير الإعلامي، والعلاقات داخل مراكز القرار العالمية، عناصر حاسمة في تشكيل موازين القوة. ويعني ذلك أن الصراع في الشرق الأوسط يتحول تدريجيًا من صراع جيوغرافي تقليدي إلى صراع شبكي متعدد المستويات، يتداخل فيه المحلي مع الإقليمي مع الدولي ضمن منظومة واحدة معقدة.
إن فهم هذه التحولات يتطلب تجاوز المقاربات التقليدية التي تركز على الدولة بوصفها الفاعل الوحيد، والانتقال إلى تحليل أعمق يأخذ في الاعتبار دور شبكات النفوذ غير الرسمية، والاقتصاد السياسي للصراعات، وتطور أدوات الحرب غير التقليدية. وفي هذا السياق، يصبح تحليل العلاقة بين المعلومات والنفوذ السياسي أحد المفاتيح الأساسية لفهم شكل النظام الإقليمي في المرحلة القادمة.
في المحصلة، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تتسم بتراجع الحروب الكلاسيكية الشاملة، مقابل تصاعد الحروب الرمادية التي تُدار عبر المعلومات، والاقتصاد، والاستخبارات، وشبكات النفوذ العابرة للدول. وفي هذه البيئة، ستنجح الدول التي تستطيع إدارة هذه الأدوات المركبة في تثبيت مواقعها ضمن النظام الإقليمي الجديد، بينما ستواجه الدول التي تعتمد فقط على أدوات القوة التقليدية تحديات متزايدة في الحفاظ على نفوذها ومجالاتها الحيوية.

