الترتيبات الإدارية بين دمشق والإدارة الذاتية ( قراءة استراتيجية في مستقبل القضية الكردية في سوريا )

آدمن الموقع
0
 
قراءة إستراتيجية لـ إبراهيم كابان
تشهد الساحة السورية في المرحلة الراهنة تحولات سياسية وإدارية متسارعة تعكس محاولات إعادة ترتيب المشهد الداخلي بعد أكثر من عقد من الحرب والتفكك المؤسسي. وفي قلب هذه التحولات يبرز الحديث المتزايد عن ترتيبات إدارية محتملة بين دمشق والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وهي ترتيبات تثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية الكردية والسورية عموماً. فبينما يرى البعض فيها خطوة براغماتية لاحتواء الضغوط الإقليمية والدولية وإيجاد صيغة لإدارة الواقع القائم، يخشى آخرون أن تتحول هذه الترتيبات إلى مسار يقود تدريجياً إلى تقليص المكاسب السياسية التي تحققت للكرد خلال سنوات الحرب، وربما إلى إعادة دمج المناطق الكردية ضمن بنية الدولة المركزية دون ضمانات سياسية حقيقية. 
لفهم هذه المسألة بعمق، لا بد من وضعها ضمن إطارها الاستراتيجي الأوسع، إذ إن القضية لا تتعلق فقط بإجراءات إدارية أو تنظيمية بين سلطة محلية وحكومة مركزية، بل ترتبط مباشرة بمستقبل التوازنات السياسية في سوريا، وبمكانة الكرد داخل الدولة السورية القادمة، وكذلك بطبيعة النظام السياسي الذي قد يتشكل بعد انتهاء مرحلة الصراع المفتوح.

منذ عام 2012، حين انسحبت مؤسسات الدولة السورية من أجزاء واسعة من المناطق الكردية، نشأت تجربة الإدارة الذاتية كصيغة لإدارة تلك المناطق في ظل الفراغ السياسي والأمني. ومع مرور السنوات، تطورت هذه التجربة من إدارة محلية محدودة إلى كيان إداري وسياسي يمتلك مؤسسات مدنية وعسكرية وأمنية، إضافة إلى علاقات مع قوى دولية فاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي دعمت القوات الكردية في الحرب ضد تنظيم داعش.

لكن هذه التجربة، رغم ما حققته من استقرار نسبي في مناطقها مقارنة ببقية الجغرافيا السورية، بقيت محاطة بمجموعة من التحديات الاستراتيجية الكبرى. أول هذه التحديات هو الرفض التركي المطلق لأي كيان سياسي كردي على حدودها الجنوبية، وهو رفض تُرجم إلى عمليات عسكرية متكررة ومحاولات مستمرة لإضعاف الإدارة الذاتية سياسياً وعسكرياً. أما التحدي الثاني فيتمثل في موقف دمشق التي لم تعترف رسمياً بالإدارة الذاتية، لكنها في الوقت نفسه أبقت قنوات التواصل مفتوحة معها، ضمن معادلة معقدة تجمع بين التنافس والتنسيق المرحلي. أما التحدي الثالث فيتعلق بالموقف الدولي، حيث لا توجد حتى الآن رؤية دولية واضحة لمستقبل شمال وشرق سوريا ضمن أي تسوية سياسية شاملة للأزمة السورية.

في ظل هذه المعادلات، يمكن فهم الحديث عن ترتيبات إدارية بين دمشق والإدارة الذاتية كجزء من عملية إعادة تشكيل المشهد السوري، وليس كحدث منفصل. فدمشق، التي تسعى تدريجياً إلى استعادة حضورها في مختلف مناطق البلاد، تدرك أن استعادة السيطرة المباشرة على مناطق شمال وشرق سوريا ليست مسألة سهلة في ظل وجود قوات محلية قوية ودعم دولي جزئي لها. ولذلك قد تميل إلى صيغة تعتمد على إعادة إدماج هذه المناطق إدارياً واقتصادياً ضمن مؤسسات الدولة، مع إبقاء بعض الخصوصيات المحلية لفترة انتقالية.

من منظور دمشق، تمثل هذه الصيغة خطوة نحو إعادة ترسيخ مركزية الدولة السورية، حتى لو جاءت في البداية ضمن إطار إداري مرن. أما من منظور الإدارة الذاتية، فقد يُنظر إلى هذه الترتيبات كخيار اضطراري يهدف إلى تقليل الضغوط العسكرية والسياسية، خصوصاً في ظل التهديدات التركية المستمرة، والتغيرات المحتملة في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة.

غير أن جوهر الإشكالية لا يكمن في طبيعة الترتيبات الإدارية بحد ذاتها، بل في المسار السياسي الذي قد تنتجه على المدى المتوسط والبعيد. فإذا كانت هذه الترتيبات مجرد مرحلة انتقالية نحو صيغة دستورية تعترف بالتعددية القومية واللامركزية السياسية في سوريا، فقد تشكل خطوة واقعية ضمن عملية بناء نظام سياسي جديد أكثر توازناً. أما إذا تحولت إلى أداة لإعادة إنتاج المركزية التقليدية التي حكمت سوريا لعقود، فإنها قد تؤدي فعلياً إلى تقليص مساحة الفعل السياسي الكردي داخل الدولة السورية.

تتضاعف أهمية هذا النقاش في ظل حالة الانقسام السياسي الكردي التي لا تزال قائمة بين القوى المختلفة، وهو انقسام يضعف القدرة التفاوضية للكرد في أي حوار مع دمشق أو مع الأطراف الدولية. فالتجارب التاريخية في المنطقة تشير إلى أن قوة أي مشروع سياسي لا تعتمد فقط على قدرته العسكرية أو الإدارية، بل أيضاً على درجة التوافق الداخلي بين القوى التي تمثله.

ومن زاوية استراتيجية أوسع، يمكن القول إن مستقبل القضية الكردية في سوريا لا يتحدد فقط عبر العلاقة مع دمشق، بل أيضاً من خلال موقعها داخل التوازنات الإقليمية. فتركيا، وإيران، والعراق، وحتى بعض الدول العربية، تراقب أي تطور يتعلق بالكرد في سوريا باعتباره جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بالمسألة الكردية في الشرق الأوسط. ولهذا السبب غالباً ما تتداخل العوامل الإقليمية مع المسارات المحلية، ما يجعل أي تسوية داخلية أكثر تعقيداً. 
في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن المشهد الدولي نفسه يشهد تغيرات عميقة، حيث يتراجع الاهتمام العالمي بالملف السوري مقارنة بالسنوات الأولى للحرب. وهذا التراجع قد يدفع الأطراف المحلية إلى البحث عن حلول مرحلية أو تفاهمات تكتيكية لتجنب الانزلاق إلى مواجهات جديدة، حتى لو لم تكن تلك الحلول قادرة على معالجة جذور الأزمة.

انطلاقاً من ذلك، يبدو السؤال حول ما إذا كانت الترتيبات الإدارية بين دمشق والإدارة الذاتية تشكل “المسمار الأخير في نعش القضية الكردية” سؤالاً مبالغاً في حدته، لكنه يعكس في الوقت نفسه حالة القلق الموجودة داخل الشارع الكردي. فالقضايا القومية الكبرى لا تنتهي عادة بقرار إداري أو اتفاق مرحلي، لكنها قد تتعرض للضعف إذا لم تُدعَم برؤية سياسية واضحة ومشروع وطني جامع. 
وبناءً على ذلك، فإن مستقبل القضية الكردية في سوريا سيبقى مرتبطاً بثلاثة عوامل أساسية: قدرة الكرد على توحيد موقفهم السياسي، وطبيعة التحولات الإقليمية والدولية المحيطة بالملف السوري، وأخيراً شكل النظام السياسي الذي قد ينشأ في سوريا بعد انتهاء مرحلة الصراع. 
فإذا تمكن الكرد من تحويل أي ترتيبات إدارية مؤقتة إلى منصة لبناء صيغة سياسية أكثر استدامة، فقد تشكل تلك الترتيبات بداية لمسار جديد يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف داخل الدولة السورية. أما إذا جرت هذه الترتيبات في ظل غياب رؤية استراتيجية موحدة، فقد تتحول بالفعل إلى خطوة إضافية في مسار إعادة إنتاج النظام المركزي القديم. 
 
وفي كل الأحوال، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً أن القضية الكردية في سوريا ليست مجرد مسألة إدارية أو محلية، بل جزء من معادلة سياسية إقليمية أوسع، ستظل مفتوحة على احتمالات متعددة بقدر ما تبقى المنطقة نفسها في حالة تحوّل دائم.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!