النكسة الكردية في سوريا: قراءة في الأسباب والتحولات الإقليمية

آدمن الموقع
0
 
هيئة تحرير الجيوستراتيجي
إن ما حصل في سوريا من نكسة كردية لا يمكن النظر إليه بوصفه حدثاً عابراً أو نتيجة ظرفية مرتبطة بمرحلة سياسية محددة، بل يحتاج منا إلى قراءة معمقة وشاملة لفهم المسببات الرئيسية التي أدت إلى هذه الحالة، سواء على مستوى العوامل الداخلية المرتبطة بالبنية السياسية والعسكرية للقوى الكردية، أو على مستوى العوامل الإقليمية والدولية التي لعبت دوراً محورياً في صياغة المشهد الحالي. فالمسألة لا تتعلق فقط بتراجع نفوذ طرف أو تغير في موازين القوى العسكرية، بل ترتبط بسلسلة طويلة من التفاعلات السياسية والاستراتيجية التي وضعت الكورد في سوريا أمام واقع جديد ومعقد.

لقد فرضت مجموعة من الظروف السياسية والعسكرية على قوات سوريا الديمقراطية الدخول في مسار من الضغوط المتزايدة، سواء من خلال الترتيبات الإقليمية التي جرت بين القوى الكبرى المؤثرة في الملف السوري، أو من خلال تفاهمات غير معلنة بين أطراف إقليمية فاعلة. ففي الوقت الذي كانت فيه هذه القوات تمثل قوة عسكرية رئيسية في شمال وشرق سوريا، وتتمتع بحضور ميداني واضح نتيجة دورها في الحرب ضد تنظيم داعش، بدأت ملامح التحولات تظهر تدريجياً مع تغير أولويات القوى الدولية، وخصوصاً الولايات المتحدة التي أعادت ترتيب استراتيجيتها في المنطقة.

وقد أصبح واضحاً مع مرور الوقت أن جزءاً من المشروع الدولي المطروح لإعادة ترتيب الوضع السوري يقوم على إعادة بناء سوريا ضمن إطار الدولة المركزية الموحدة، حتى وإن تم ذلك عبر قوى سياسية ذات خلفيات إيديولوجية متشددة أو متطرفة. وهذا التوجه وضع الكورد أمام معادلة معقدة، إذ وجدوا أنفسهم بين خيارين كلاهما صعب: إما الاستمرار في مشروعهم السياسي ضمن الإدارة الذاتية مع ما يحمله ذلك من مخاطر الصدام مع القوى الإقليمية، أو القبول بعملية اندماج سياسي وعسكري ضمن منظومة الدولة السورية الجديدة بشروط قد لا تلبي تطلعاتهم القومية والسياسية.

من جهة أخرى، لا يمكن فهم ما جرى دون التوقف عند طبيعة المشروع السياسي الذي طرحته القوى الكردية المنضوية تحت مظلة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا. فبالرغم من أن هذا المشروع قدم نفسه بوصفه نموذجاً للحكم المحلي والإدارة الديمقراطية متعددة القوميات، إلا أن ارتباطاته التنظيمية والسياسية مع حزب العمال الكردستاني شكلت أحد أهم العوامل التي أثرت بشكل مباشر في علاقاته الإقليمية والدولية. فقد استغلت تركيا هذه العلاقة بشكل واسع لتقديم المشروع الكردي في سوريا على أنه امتداد مباشر لحزب العمال، وهو ما منح أنقرة ذريعة سياسية وأمنية لتبرير تدخلاتها العسكرية المتكررة في شمال سوريا.

ولم تكن الاستراتيجية التركية في التعامل مع الملف الكردي في سوريا مجرد رد فعل أمني، بل جاءت ضمن رؤية جيوسياسية أوسع تهدف إلى منع تشكل أي كيان سياسي كردي على حدودها الجنوبية. فتركيا تنظر إلى أي تجربة حكم ذاتي كردية في المنطقة باعتبارها تهديداً استراتيجياً طويل المدى قد يشجع النزعة القومية الكردية داخل حدودها. ولذلك عملت أنقرة عبر أدوات متعددة—عسكرية وسياسية ودبلوماسية—على تقويض هذا المشروع وإضعافه تدريجياً.

وقد نجحت السياسة التركية، عبر مزيج من الضغوط العسكرية والمناورات السياسية، في تحقيق قدر كبير من أهدافها. فالتدخلات العسكرية التركية في عفرين وسري كانيه وتل أبيض، إضافة إلى الضغوط المستمرة على الحدود، ساهمت في تقليص المساحة الجغرافية والسياسية التي كانت تسيطر عليها الإدارة الذاتية. كما أن استثمار أنقرة لعلاقاتها الدولية، خصوصاً مع الولايات المتحدة وروسيا، سمح لها بفرض معادلات جديدة حدّت من قدرة القوى الكردية على المناورة السياسية.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الكورد في سوريا كانوا في مرحلة ما يشكلون معضلة حقيقية للسياسات التركية في المنطقة، نظراً لامتلاكهم قوة عسكرية منظمة وامتداداً جغرافياً واسعاً ونوعاً من الشرعية الدولية نتيجة دورهم في مكافحة الإرهاب. غير أن الحنكة السياسية التركية، إلى جانب شبكة معقدة من التفاهمات الإقليمية والدولية، نجحت في تحجيم هذه القدرة الكردية بشكل تدريجي. ومع مرور الوقت، تحول هذا التحجيم إلى عملية ضغط متواصلة انتهت بوضع القوى الكردية أمام واقع سياسي جديد تتحكم فيه أطراف إقليمية ودولية بشكل كبير.

إن القراءة الصحيحة لأبعاد ما يحدث اليوم في شمال وشرق سوريا تتطلب فهماً عميقاً لهذه المسببات، بعيداً عن التفسيرات السطحية أو الخطابات العاطفية. فعملية الاندماج القسري التي يجري الحديث عنها حالياً ليست مجرد خطوة سياسية عادية، بل تمثل نتيجة لمسار طويل من التحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية. كما أن ما يمكن وصفه بالانهيار العسكري النسبي الذي تعرضت له قوات سوريا الديمقراطية لا يعود بالضرورة إلى ضعف في القدرة القتالية أو نقص في العناصر البشرية، بل يرتبط في المقام الأول بتغير البيئة السياسية والاستراتيجية التي كانت تسمح لهذه القوات بالحفاظ على توازنها.

فالقوة العسكرية، مهما بلغت من التنظيم والقدرة، تبقى مرتبطة في نهاية المطاف بالسياق السياسي الذي تعمل ضمنه. وعندما تتغير المعادلات الدولية والإقليمية، تصبح حتى القوى العسكرية الأكثر تنظيماً عرضة للتراجع إذا فقدت الغطاء السياسي أو الدعم الدولي الذي كان يشكل جزءاً أساسياً من قوتها. وهذا ما حدث إلى حد كبير في الحالة الكردية السورية، حيث تراجعت الأولوية الدولية لدعم هذا المشروع مقابل أولويات أخرى تتعلق بإعادة ترتيب المشهد السوري ككل.

إن المرحلة الراهنة تفرض على القوى الكردية، وعلى النخب السياسية والفكرية الكردية بشكل عام، القيام بمراجعة نقدية عميقة للتجربة الماضية، ليس بهدف جلد الذات أو تحميل طرف معين المسؤولية، بل من أجل فهم الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت، واستيعاب طبيعة التوازنات الإقليمية والدولية التي تحكم المنطقة. فبدون هذه المراجعة الجدية، قد تتكرر الأخطاء ذاتها في المستقبل، مما قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في الدور السياسي الكردي داخل سوريا.

وفي النهاية، فإن القضية الكردية في سوريا لا تزال جزءاً من معادلة إقليمية معقدة تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية بشكل كبير. ولذلك فإن مستقبل هذه القضية لن يتحدد فقط بقدرة الكورد على التنظيم السياسي والعسكري، بل أيضاً بمدى قدرتهم على قراءة التحولات الكبرى في المنطقة والتعامل معها بواقعية سياسية واستراتيجية أكثر عمقاً.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!