أستشراف الأحداث: فريق الجيوستراتيجي للدراسات
لا يمكن فهم المسار الحالي للحوار بين الولايات المتحدة وإيران بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن إعادة تموضع القوى الإقليمية في الشرق الأوسط. فهذه المفاوضات لم تعد مجرد محاولة لإحياء تفاهمات تقنية حول الملف النووي، بل أصبحت ساحة اختبار لإرادات سياسية متناقضة تسعى كل منها إلى فرض تعريفها الخاص للاستقرار، ولمفهوم الردع، ولحدود النفوذ المشروع. من هنا، فإن التعثر الذي نشهده ليس حالة طارئة، بل هو تعبير عن مأزق استراتيجي أعمق، يتمثل في استحالة الجمع بين مشروعين متضادين ضمن إطار تسوية تقليدية.
تتعامل واشنطن مع الحوار باعتباره أداة لضبط سلوك إيران وإدماجها في منظومة إقليمية أكثر قابلية للضبط، بينما تنظر طهران إلى التفاوض بوصفه وسيلة لتثبيت اعتراف ضمني بدورها كقوة إقليمية مستقلة لا تخضع لشروط الهيمنة الغربية. هذا التباين في تعريف الهدف النهائي للمفاوضات يجعل كل تقدم جزئي عرضة للانهيار، لأن كل طرف يقرأه ضمن سياق مختلف تماماً عن الآخر. وبذلك، تتحول العملية التفاوضية إلى مساحة لإدارة التناقض بدل حله، وإلى آلية لإعادة إنتاج الصراع بشكل أقل كلفة، لا لإنهائه.
لا يمكن فهم المسار الحالي للحوار بين الولايات المتحدة وإيران بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن إعادة تموضع القوى الإقليمية في الشرق الأوسط. فهذه المفاوضات لم تعد مجرد محاولة لإحياء تفاهمات تقنية حول الملف النووي، بل أصبحت ساحة اختبار لإرادات سياسية متناقضة تسعى كل منها إلى فرض تعريفها الخاص للاستقرار، ولمفهوم الردع، ولحدود النفوذ المشروع. من هنا، فإن التعثر الذي نشهده ليس حالة طارئة، بل هو تعبير عن مأزق استراتيجي أعمق، يتمثل في استحالة الجمع بين مشروعين متضادين ضمن إطار تسوية تقليدية.
تتعامل واشنطن مع الحوار باعتباره أداة لضبط سلوك إيران وإدماجها في منظومة إقليمية أكثر قابلية للضبط، بينما تنظر طهران إلى التفاوض بوصفه وسيلة لتثبيت اعتراف ضمني بدورها كقوة إقليمية مستقلة لا تخضع لشروط الهيمنة الغربية. هذا التباين في تعريف الهدف النهائي للمفاوضات يجعل كل تقدم جزئي عرضة للانهيار، لأن كل طرف يقرأه ضمن سياق مختلف تماماً عن الآخر. وبذلك، تتحول العملية التفاوضية إلى مساحة لإدارة التناقض بدل حله، وإلى آلية لإعادة إنتاج الصراع بشكل أقل كلفة، لا لإنهائه.
حدود النجاح وإشكالية الاتفاق الشامل
إن الحديث عن إمكانية نجاح هذه الحوارات ينبغي أن يُفصل بين مستويين مختلفين: مستوى الاتفاقات الجزئية القابلة للتحقق، ومستوى التسوية الشاملة التي تعيد صياغة العلاقة بين الطرفين. ففي المستوى الأول، تبدو فرص النجاح قائمة، لأن الطرفين يمتلكان مصلحة مشتركة في تجنب الانفجار الكبير، وفي الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار يسمح لكل منهما بإدارة أولوياته الأخرى. غير أن هذا النوع من النجاح يظل محدود الأثر، لأنه لا يعالج جذور الأزمة، بل يؤجلها.
أما على مستوى التسوية الشاملة، فإن احتمالات النجاح تبدو ضعيفة في المدى المنظور، نظراً لتعقيد البنية الداخلية لكل من الطرفين. ففي الداخل الإيراني، يرتبط أي تنازل جوهري بمخاطر تهدد توازنات النظام السياسية والأمنية، حيث يُنظر إلى الصمود في مواجهة الضغوط الخارجية كجزء من شرعية الدولة نفسها. وفي المقابل، تواجه الإدارة الأمريكية قيوداً داخلية وخارجية تجعل من الصعب تقديم تنازلات كبيرة دون تحقيق مكاسب ملموسة يمكن تسويقها سياسياً.
إلى جانب ذلك، تلعب البيئة الدولية دوراً حاسماً في تقليص فرص النجاح. فتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وخصوصاً في ظل التوترات مع كل من روسيا والصين، يدفع الولايات المتحدة إلى التعامل مع الملف الإيراني ضمن إطار أوسع من مجرد أزمة إقليمية. وفي هذا السياق، يصبح أي اتفاق مع طهران جزءاً من معادلة دولية أكبر، ما يزيد من تعقيد شروطه ويجعل تحقيقه أكثر صعوبة.
السيناريوهات المحتملة وإدارة التوازن الهش
إذا ما انتقلنا إلى استشراف المستقبل، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار نمط “الاحتواء المتبادل”، حيث لا يسعى أي من الطرفين إلى حسم الصراع، بل إلى إدارته ضمن حدود تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. في هذا الإطار، ستستمر الحوارات بشكل متقطع، عبر وسطاء إقليميين أو دوليين، مع بروز تفاهمات جزئية ومؤقتة تهدف إلى خفض التصعيد في لحظات التوتر. هذا السيناريو يعكس إدراكاً متبادلاً بأن كلفة الحرب ستكون مرتفعة إلى درجة غير مقبولة، لكنه في الوقت ذاته لا يفتح الطريق أمام سلام مستدام.
السيناريو الثاني يتمثل في تصعيد تدريجي محسوب، حيث تُستخدم أدوات الضغط الاقتصادية والعسكرية لإعادة تشكيل شروط التفاوض. هذا المسار لا يعني بالضرورة اندلاع حرب مباشرة، لكنه يزيد من احتمالات الخطأ الاستراتيجي، ويجعل البيئة الإقليمية أكثر هشاشة. وفي ظل هذا السيناريو، تتحول مناطق النفوذ غير المباشر إلى ساحات اختبار للقوة، وتصبح الحوارات قناة خلفية لتفادي الانفجار، لا لتحقيق التسوية.
أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً، فيتمثل في حدوث اختراق مفاجئ يقود إلى اتفاق أوسع. مثل هذا التحول قد ينجم عن تغيرات داخلية في أحد الطرفين، أو عن ضغط دولي مركّز، أو حتى عن تطورات ميدانية تفرض إعادة حسابات جذرية. غير أن تحقق هذا السيناريو يتطلب توافر شروط معقدة، منها استعداد سياسي لتقديم تنازلات مؤلمة، وقدرة على إعادة تعريف الأولويات الاستراتيجية، وهو ما لا يبدو متاحاً حالياً.
ما بعد المفاوضات: نحو مرحلة صراع مُدار
إن الأهم من مسألة نجاح أو فشل الحوارات هو إدراك أنها أصبحت جزءاً من بنية الصراع نفسه. فالمفاوضات لم تعد مساراً منفصلاً عن التنافس، بل تحولت إلى أداة من أدواته، تُستخدم لضبط الإيقاع وتحديد سقوف التصعيد. وفي هذا السياق، يمكن القول إن المنطقة تتجه نحو مرحلة “الصراع المُدار”، حيث يستمر التوتر دون أن ينفجر، ويتواصل التفاوض دون أن يصل إلى حل.
هذا النمط من التفاعلات يعكس تحوّلاً أعمق في طبيعة العلاقات الدولية، حيث لم يعد الهدف هو إنهاء الصراعات، بل التحكم بها ومنعها من الخروج عن السيطرة. وفي حالة الولايات المتحدة وإيران، يبدو أن هذا النموذج هو الأكثر واقعية في المدى المنظور، لأنه ينسجم مع حسابات الطرفين ومع طبيعة البيئة الإقليمية والدولية.
في المحصلة، لا تبدو الحوارات مرشحة لتحقيق نجاح حاسم، لكنها أيضاً ليست مرشحة للفشل الكامل. إنها ستستمر بوصفها آلية لإدارة التوتر، وكأداة لإعادة إنتاج التوازن الهش بين الطرفين. ومن هنا، فإن مستقبلها لا يُقاس بقدرتها على إنهاء الصراع، بل بقدرتها على منع تحوله إلى مواجهة مفتوحة، وهو هدف بحد ذاته يعكس حجم التعقيد الذي يطبع هذه العلاقة.

