كورد سوريا بين التاريخ والجغرافيا السياسية: قراءة نقدية في تقرير" هل كورد سوريا سكان أصليون لسوريا كأكراد العراق وتركيا؟ "

آدمن الموقع
0
إعداد فريق الجيوستراتيجي للدراسات 
مدخل معرفي
يثير التقرير المنشور تحت عنوان هل كورد سوريا سكان أصليون لسوريا ككورد العراق وتركيا؟" نشره مركز يسمي نفسه المركز السويدي للمعلومات-SCI إشكالية معرفية ومنهجية تتجاوز النقاش السياسي الراهن إلى جوهر فهم تاريخ المنطقة نفسها. فالتقرير ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن كورد سوريا يختلفون عن كورد العراق وتركيا وإيران من حيث الانتماء التاريخي للأرض، وأن وجود القسم الأكبر منهم في الجزيرة السورية هو نتاج هجرات حديثة تعود إلى القرن العشرين. غير أن هذه الفرضية، رغم ما تبدو عليه من حياد أكاديمي، تقوم على قراءة انتقائية للتاريخ، وتستند إلى إسقاط الحدود السياسية الحديثة على واقع جغرافي وديموغرافي كان موحداً لقرون طويلة قبل ظهور الدولة السورية الحديثة. 
إن السؤال الحقيقي ليس: «من أين جاء كورد سوريا؟»، بل «كيف تشكلت الحدود التي فصلت الشعب الكوردي إلى أربعة أجزاء؟». فقبل اتفاقية سايكس ـ بيكو، وقبل معاهدة لوزان عام 1923، لم تكن هناك حدود دولية تفصل بين نصيبين والقامشلي، أو بين ماردين والدرباسية، أو بين جزيرة ابن عمر والجزيرة السورية. كانت هذه المناطق جزءاً من فضاء جغرافي واجتماعي واقتصادي واحد، عاش فيه السكان الكورد وتحركوا داخله بحرية طبيعية كما تحرك العرب بين البادية السورية والعراقية، أو كما تنقلت العشائر بين بلاد الشام والأناضول عبر قرون طويلة. 
ومن هنا فإن تصوير انتقال الكورد إلى جنوب الحدود الجديدة باعتباره «هجرة إلى أرض ليست كوردية تاريخياً» يتجاهل حقيقة أن الحدود هي التي عبرت المجتمع الكوردي، لا العكس. فالقامشلي والدرباسية وعامودا لم تنشأ في فراغ سكاني، ولم تكن منفصلة حضارياً أو اجتماعياً عن محيطها الكوردي الممتد شمالاً، بل جاءت الحدود الدولية الحديثة لتقسم منطقة متصلة تاريخياً وثقافياً إلى دولتين مختلفتين. 
كما أن التقرير يقع في تناقض واضح حين يعترف بأن كورد عفرين وجبل الكورد موجودون في المنطقة منذ قرون طويلة، ثم يحاول في الوقت ذاته بناء استنتاج عام ينفي الأصالة التاريخية للوجود الكوردي في سوريا. فوجود الكورد في عفرين وجبل الكورد والعديد من مناطق شمال سوريا موثق قبل نشوء الجمهورية التركية وقبل ولادة الدولة السورية الحديثة نفسها، الأمر الذي يجعل الحديث عن «وجود كوردي حديث» تعميماً غير دقيق يتجاهل حقائق تاريخية ثابتة. 
إن مفهوم السكان الأصليين لا يُقاس بحدود الدول القومية الحديثة، بل بالاستمرارية التاريخية والثقافية والارتباط الجغرافي بالمكان. ولو تم تطبيق المنهج نفسه الذي يعتمده التقرير على شعوب كثيرة في الشرق الأوسط، لأصبحت غالبية الهويات القومية موضع تشكيك، لأن الحدود الحالية للمنطقة هي نتاج تسويات سياسية حديثة وليست انعكاساً دقيقاً للتاريخ الاجتماعي والثقافي للشعوب. 
وعليه، فإن النقاش حول حقوق الكورد في سوريا لا ينبغي أن ينطلق من محاولة نفي جذورهم التاريخية أو تصويرهم كجماعة وافدة، بل من الاعتراف بحقيقة أنهم مكوّن أصيل من مكونات البلاد، شأنهم شأن العرب والسريان والآشوريين والأرمن والتركمان وغيرهم، وأن سوريا الحديثة لا يمكن أن تُبنى على إنكار تاريخ أي مكون من مكوناتها، بل على الاعتراف المتبادل والشراكة السياسية الكاملة بين جميع أبنائها. 

الخلط بين الهجرة ونفي الوجود التاريخي

تقوم الفرضية المركزية للتقرير على اعتبار أن وصول أعداد كبيرة من الكورد إلى الجزيرة السورية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين يعني أن الوجود الكوردي في المنطقة حديث العهد، وبالتالي يختلف جوهرياً عن الوجود الكوردي في العراق وتركيا وإيران. غير أن هذا الاستنتاج يطرح إشكالية منهجية واضحة تتمثل في الخلط بين وقوع هجرة سكانية وبين نفي وجود سابق للمجموعة نفسها. 
فمن الناحية الأكاديمية، لا يكفي إثبات حدوث هجرة لإثبات غياب السكان السابقين. إذ إن انتقال آلاف الكورد إلى الجزيرة السورية خلال مرحلة معينة من القرن العشرين لا يعني بالضرورة أن المنطقة كانت خالية من الكورد قبل ذلك التاريخ، كما أن ازدياد الكثافة السكانية لمكون معين لا يلغي جذوره التاريخية السابقة في المكان. 
وتؤكد دراسات أكاديمية متخصصة، من بينها أعمال جوردي تيجيل ومارتن فان برونسين وديفيد ماكدوول، أن المجتمع الكوردي في الجزيرة السورية تشكل نتيجة تفاعل عوامل تاريخية متعددة، من بينها وجود كوردي سابق للحدود الحديثة، إضافة إلى موجات اللجوء التي أعقبت انهيار الدولة العثمانية وسياسات التتريك في الجمهورية التركية. وبالتالي فإن تصوير المجتمع الكوردي في سوريا بوصفه نتاج هجرة حديثة فقط يمثل تبسيطاً مفرطاً لواقع تاريخي أكثر تعقيداً. 
كما أن التقرير لا يقدم وثائق عثمانية أو إحصاءات سكانية أو دراسات أكاديمية محكمة تثبت أن الجزيرة السورية كانت خالية من الكورد قبل عشرينيات القرن الماضي. وفي غياب مثل هذه الأدلة، يبقى الاستنتاج القائل بأن الكورد ليسوا من السكان التاريخيين لشمال سوريا استنتاجاً غير مثبت علمياً، ويتجاوز ما تسمح به المعطيات التي عرضها التقرير نفسه. 
وعليه، فإن النقاش الأكاديمي السليم لا ينبغي أن ينطلق من سؤال: «هل جاءت موجات لجوء كوردية إلى الجزيرة السورية؟»، لأن ذلك حقيقة تاريخية معروفة، بل من سؤال أكثر دقة: «هل كانت الجزيرة السورية خالية من الكورد قبل تلك الموجات؟». وهنا تكمن النقطة التي لم يستطع التقرير إثباتها، رغم أنها تشكل الأساس الذي بُنيت عليه معظم استنتاجاته اللاحقة.

الجزيرة السورية قبل عام 1923
هل كانت أرضاً بلا كورد؟

من أبرز الإشكاليات في التقرير أنه يتعامل مع الوجود الكوردي في الجزيرة السورية وكأنه بدأ مع موجات اللجوء القادمة من تركيا بعد عام 1925، بينما تشير المصادر التاريخية إلى صورة أكثر تعقيداً بكثير. فالهجرات التي حدثت خلال العقود الأولى من القرن العشرين هي حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها، لكنها لم تأتِ إلى أرض خالية من الكورد، بل إلى منطقة كانت تضم بالفعل تجمعات وعشائر كوردية مستقرة منذ قرون. 
فالجزيرة السورية لم تكن وحدة سياسية مستقلة عن محيطها الكوردي شمالاً وشرقاً، بل كانت جزءاً من فضاء جغرافي مفتوح امتد تاريخياً بين دياربكر وماردين ونصيبين وطور عابدين وسنجار والموصل. وقد عاشت في هذا الفضاء شعوب ومكونات متعددة، من عرب وكورد وسريان وآشوريين وأرمن وغيرهم، دون وجود الحدود السياسية الحالية التي فُرضت لاحقاً بعد انهيار الدولة العثمانية. 
وتشير الوثائق العثمانية وسجلات الرحالة الأوروبيين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى وجود عشائر كوردية كبيرة في مناطق تمتد داخل ما يعرف اليوم بالجزيرة السورية. ومن بين هذه العشائر قبائل الملية والرشوان والدقورية وغيرها من المجموعات الكوردية التي كانت تتحرك وتستقر في مناطق واسعة على جانبي الحدود الحالية. ولم تكن هذه القبائل تُعتبر وافدة أو غريبة عن المنطقة، بل كانت جزءاً من بنيتها السكانية والاجتماعية. 
كما أن العديد من المواقع الجغرافية والأسماء المحلية في الجزيرة تحمل دلالات كوردية واضحة تعود إلى فترات تسبق تأسيس الدولة السورية الحديثة. وتؤكد دراسات ديموغرافية متعددة أن الكثافة الكوردية التي ظهرت في مدن مثل عامودا والدرباسية والقامشلي لم تكن نتيجة حدث واحد أو موجة هجرة واحدة، وإنما نتاج تراكم تاريخي طويل تعزز لاحقاً بوصول آلاف اللاجئين الكورد الفارين من سياسات التتريك والقمع في الجمهورية التركية الناشئة. 
والأهم من ذلك أن الهجرات الكوردية التي حدثت بعد عام 1925 لم تكن انتقالاً من وطن قومي إلى وطن أجنبي، بل كانت حركة داخل المجال التاريخي نفسه الذي عاش فيه الكورد لقرون طويلة. فالقامشلي ونصيبين لم تكونا عالمين منفصلين، وماردين والدرباسية لم تفصل بينهما حدود طبيعية أو حضارية، وإنما جاءت الحدود الدولية الحديثة لتقسم مجتمعاً قائماً أصلاً إلى قسمين مختلفين. 
ومن هنا فإن الاستناد إلى هجرات القرن العشرين لنفي الأصالة التاريخية للكورد في الجزيرة السورية يمثل قراءة مجتزأة للتاريخ، لأنه يركز على مرحلة محددة ويتجاهل القرون التي سبقتها. فوجود موجات لجوء كوردية من تركيا لا ينفي وجوداً كوردياً أقدم، تماماً كما أن هجرات عربية أو أرمنية أو سريانية إلى المنطقة عبر مراحل مختلفة من التاريخ لا تلغي أصالة وجود تلك المكونات أو ارتباطها التاريخي بالأرض. 
إن القراءة الأكاديمية المتوازنة تقتضي الاعتراف بحقيقتين متلازمتين: الأولى أن الجزيرة السورية كانت وما زالت منطقة متعددة القوميات والثقافات، والثانية أن الكورد يشكلون أحد المكونات التاريخية الراسخة فيها، وليسوا مجرد جماعة استقرت فيها خلال القرن العشرين كما يحاول التقرير الإيحاء .

معيار مزدوج في قراءة التاريخ 
لماذا يُعدّ الكورد أصليين في ماردين ودياربكر وليسوا أصليين في القامشلي وعامودا؟

تكمن إحدى أبرز نقاط الضعف المنهجية في التقرير في اعتماده معيارين مختلفين للحكم على الوجود الكوردي تبعاً للحدود السياسية المعاصرة، لا للحقائق التاريخية والجغرافية. فهو يعترف بأصالة الوجود الكوردي في ماردين ودياربكر ونصيبين وشرناق داخل تركيا الحالية، لكنه يتردد في منح الوصف ذاته للكورد في القامشلي وعامودا والدرباسية ورأس العين داخل سوريا، رغم أن هذه المناطق كانت حتى مطلع القرن العشرين جزءاً من فضاء جغرافي واجتماعي واحد. 
فإذا كان الكورد يُعدّون سكاناً أصليين في نصيبين، فما الذي يجعل الكورد في القامشلي أقل أصالة؟ علماً أن المسافة بين المدينتين لا تتجاوز بضعة كيلومترات، وأن الحدود السياسية التي تفصل بينهما اليوم لم تكن موجودة طوال معظم التاريخ. وإذا كان الكورد في ماردين جزءاً من التاريخ الكوردي الممتد في المنطقة، فلماذا يتحول الامتداد السكاني نفسه إلى حالة مختلفة بمجرد عبوره الخط الذي رسمته القوى الدولية بعد الحرب العالمية الأولى؟ 
إن هذا المنطق يؤدي إلى نتائج غير علمية، لأنه يجعل مفهوم الأصالة التاريخية تابعاً للحدود السياسية الحديثة، بينما يفترض أن يكون قائماً على الاستمرارية السكانية والثقافية والجغرافية. فالشعوب لا تتغير هويتها القومية بسبب رسم خط حدودي جديد، كما أن ارتباطها التاريخي بالأرض لا يبدأ أو ينتهي بقرار سياسي صادر عن دولة حديثة. 
والأكثر من ذلك أن التقرير نفسه يقر بأن غالبية كورد سوريا ينحدرون من مناطق ماردين ونصيبين ودياربكر وأورفا، وهي مناطق يعتبرها جزءاً من المجال الكوردي التاريخي. وهذا الاعتراف يقود إلى نتيجة منطقية معاكسة تماماً للاستنتاج الذي يحاول الوصول إليه؛ إذ يؤكد أن سكان جانبي الحدود ينتمون إلى البنية البشرية والاجتماعية ذاتها، وأن الانقسام السياسي لم يلغِ وحدة المجال التاريخي الذي عاش فيه الكورد عبر قرون طويلة. 
إن السؤال ليس متى رُسمت الحدود، بل كيف كانت المنطقة قبل رسمها. وعندما نعود إلى تلك المرحلة نجد أن سكان المناطق الممتدة من ماردين إلى القامشلي، ومن نصيبين إلى عامودا والدرباسية، كانوا جزءاً من نسيج اجتماعي متصل، تجمعهم اللغة والعادات والعلاقات العشائرية والاقتصادية. وبالتالي فإن تحويل جزء من هذا النسيج إلى «سكان أصليين» والجزء الآخر إلى «مهاجرين حديثين» لا يستند إلى قاعدة تاريخية متماسكة. 
ومن هنا تبدو المقارنة التي يقدمها التقرير بين كورد سوريا وكورد العراق أو تركيا أو إيران مقارنة مضللة في جوهرها، لأنها تنطلق من الحدود السياسية الحالية بدلاً من الانطلاق من الحقائق التاريخية التي سبقت نشوء هذه الدول. فالكورد في سوريا ليسوا شعباً منفصلاً عن الكورد في تركيا أو العراق أو إيران، بل هم جزء من الشعب الكوردي ذاته الذي قسمت أرضه ومجتمعاته بين أربع دول نتيجة ترتيبات دولية معروفة بعد انهيار الدولة العثمانية.

بين الأصالة التاريخية وحقوق الشعوب
إشكالية المفهوم في التقرير

يبدو أن التقرير يربط بصورة غير مباشرة بين «الأصالة التاريخية» و«مشروعية الحقوق السياسية»، وهي مقاربة تثير إشكالات معرفية وقانونية عديدة. فحتى لو افترضنا جدلاً صحة بعض استنتاجاته الديموغرافية، فإن ذلك لا يؤدي تلقائياً إلى النتائج السياسية التي يحاول الإيحاء بها. 
ففي القانون الدولي المعاصر لا تُقاس حقوق الشعوب والجماعات القومية بتاريخ استقرارها في منطقة معينة فقط، وإنما بوجودها الفعلي، واستمراريتها الثقافية، وحقها في الحفاظ على لغتها وهويتها والمشاركة المتساوية في إدارة الشأن العام. ولذلك فإن حقوق الكورد في سوريا لا تستمد مشروعيتها من كونهم أغلبية هنا أو أقلية هناك، ولا من تاريخ وصول أسرة أو عشيرة معينة إلى منطقة ما، بل من كونهم مكوناً تاريخياً راسخاً وملايين المواطنين الذين عاشوا على هذه الأرض عبر أجيال متعاقبة وأسهموا في بناء المجتمع السوري الحديث. 
كما أن التاريخ السوري نفسه لا يمكن اختزاله في قومية واحدة أو رواية واحدة. فسوريا الحديثة تشكلت من تفاعل مكونات متعددة، عربية وكوردية وسريانية وآشورية وأرمنية وتركمانية وشركسية وغيرها. وبالتالي فإن البحث عن «مالك أصلي وحيد» للأرض يتناقض مع طبيعة التاريخ السوري نفسه، الذي قام على التعدد والتداخل والتفاعل المستمر بين الشعوب والثقافات. 
ومن المفارقات أن التقرير يعترف مراراً بالطابع المتعدد للجزيرة السورية، لكنه يستخدم هذا التعدد لتقليص العمق التاريخي للوجود الكوردي، بينما يفترض أن يقود المنهج نفسه إلى الاعتراف المتساوي بجميع المكونات بوصفها شركاء في التاريخ والمستقبل. فالتعددية لا تنفي وجود الكورد، كما لا تنفي وجود العرب أو السريان أو الآشوريين، بل تؤكد أن المنطقة كانت فضاءً مشتركاً ساهم الجميع في صنع هويته الحضارية. 
إن القضية الكوردية في سوريا ليست مطالبة بإلغاء الآخرين أو احتكار الأرض أو التاريخ، بل هي مطالبة بالاعتراف المتبادل والشراكة العادلة والحقوق المتساوية. ولذلك فإن أي مقاربة أكاديمية جادة يجب أن تنطلق من فهم تعقيد التاريخ السوري، لا من محاولة استخدام التاريخ أداة لإضعاف شرعية مكون أساسي من مكونات البلاد.

الكورد في سوريا 
جزء من شعب تاريخي لا جالية وافدة

في نهاية المطاف، تكمن الإشكالية الأساسية في التقرير في أنه يتعامل مع الكورد في سوريا وكأنهم حالة منفصلة عن التاريخ الكوردي العام، أو كأنهم جماعة انتقلت من مكان إلى آخر داخل فضاء جغرافي جديد لا تربطها به جذور سابقة. غير أن الوقائع التاريخية تشير إلى عكس ذلك تماماً. 
فالكورد في سوريا ليسوا جالية مهاجرة قدمت من قارة أخرى، ولا مجتمعاً تشكل نتيجة مشروع استيطاني حديث، ولا أقلية نُقلت إلى المنطقة بفعل سياسات استعمارية كما حدث في حالات أخرى حول العالم. إنهم جزء من شعب تاريخي عاش عبر قرون طويلة في منطقة جغرافية متصلة امتدت من جبال زاغروس شرقاً إلى جبال طوروس غرباً، ومن تخوم أذربيجان جنوب القوقاز إلى أعالي بلاد الرافدين والجزيرة العليا. 
لقد جاءت الدولة الحديثة لتفرض حدوداً سياسية جديدة فوق هذا الواقع التاريخي، فقُسمت المدن والقرى والعشائر والعائلات بين دول متعددة. وهكذا وجد قسم من الكورد أنفسهم مواطنين في تركيا، وقسم آخر في العراق، وآخر في إيران، وآخر في سوريا. لكن هذا التقسيم السياسي لم يلغِ الحقيقة التاريخية الأعمق، وهي أن هؤلاء جميعاً ينتمون إلى شعب واحد تشكل وجوده في المنطقة قبل ظهور هذه الدول الحديثة بقرون طويلة. 
ومن الخطأ المنهجي اعتبار أن وجود الكورد في سوريا بدأ مع وصول بعض اللاجئين الفارين من سياسات القمع التركية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. فهذه الأحداث تمثل مرحلة مهمة من التاريخ الكوردي المعاصر، لكنها لا تختصر تاريخ الكورد في سوريا، ولا تفسر وحدها تشكل المجتمعات الكوردية في الجزيرة وعفرين وكوباني وسائر مناطق الوجود الكوردي. 
إن القضية الحقيقية ليست إثبات ما إذا كان الكورد موجودين في سوريا منذ مئة عام أو ألف عام، بل بناء دولة حديثة تعترف بجميع مكوناتها على أساس المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة. فالأمم لا تُبنى على إنكار تاريخ بعضها البعض، ولا على إعادة تصنيف الشعوب وفق اعتبارات سياسية معاصرة، بل على الاعتراف المتبادل والاحترام المتكافئ للحقوق والكرامة الإنسانية. 

ما الذي تجاهله التقرير؟

يمكن اختصار الخلل الرئيسي في التقرير بتجاهله ثلاث حقائق تاريخية ومنهجية أساسية:

أولاً، أن الحدود السورية ـ التركية الحالية حدود حديثة جداً قياساً بعمر الوجود الكوردي في المنطقة، وأنها قسّمت مجتمعاً قائماً بالفعل ولم تُنشئه. 
ثانياً، أن الجزيرة السورية لم تكن أرضاً خالية من الكورد قبل موجات اللجوء في القرن العشرين، بل ضمت وجوداً كوردياً وعشائرياً موثقاً سبق تأسيس الجمهورية التركية والدولة السورية الحديثة. 
ثالثاً، أن مفهوم الأصالة التاريخية لا يُقاس بحدود سايكس ـ بيكو أو لوزان، بل بالاستمرارية السكانية والثقافية والجغرافية عبر الزمن. 
وعلى هذا الأساس، فإن أي قراءة أكاديمية متوازنة للتاريخ السوري لا يمكن أن تنتهي إلى اعتبار الكورد جماعة وافدة أو طارئة على البلاد، بل إلى الاعتراف بهم بوصفهم أحد المكونات التاريخية الرئيسية لسوريا، وشريكاً أصيلاً في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. 

إن إثبات لجوء آلاف الكورد إلى الجزيرة السورية خلال القرن العشرين لا يثبت أن الكورد غرباء عن المنطقة، تماماً كما أن هجرة آلاف العرب أو الأرمن أو السريان إلى منطقة ما عبر التاريخ لا تنفي وجود أبناء قوميتهم فيها قبل تلك الهجرة. فالتاريخ لا يُكتب من خلال حركة سكانية واحدة، بل من خلال تراكمات طويلة من الاستقرار والتفاعل والامتداد الجغرافي عبر القرون. 

 
المراجع العامة للمعلومات: 
  1. ديفيد ماكدويل (David McDowall)
    تاريخ حديث للكورد (A Modern History of the Kurds)
    يُعد من أبرز المراجع الغربية حول التاريخ الكوردي الحديث، ويتناول تطور القضية الكوردية، وتأثير انهيار الدولة العثمانية، وتقسيم المناطق الكوردية بين الدول الحديثة، إضافة إلى علاقة الحدود السياسية الجديدة بالمجتمعات الكوردية.
  2. مارتن فان بروينسن (Martin van Bruinessen)
    آغا، شيخ، ودولة: البنية الاجتماعية والسياسية لكوردستان (Agha, Shaikh and State)
    دراسة مهمة حول البنية العشائرية والاجتماعية الكوردية، وتوضح أن حركة العشائر والمجتمعات الكوردية تاريخياً لم تكن مرتبطة بالحدود الحديثة، بل كانت تتحرك ضمن فضاء جغرافي واجتماعي واسع.
  3. جوردي تيجيل (Jordi Tejel)
    كورد سوريا: التاريخ والسياسة والمجتمع (Syria's Kurds: History, Politics and Society)
    من أهم الدراسات الأكاديمية حول تاريخ كورد سوريا، ويتناول تشكل المجتمع الكوردي السوري، والعلاقة بين الوجود التاريخي والهجرات التي حدثت خلال القرن العشرين.
  4. وديع جوايدَه (Wadie Jwaideh)
    الحركة القومية الكوردية: نشأتها وتطورها (The Kurdish National Movement: Its Origins and Development)
    مرجع أساسي لدراسة تطور الهوية الكوردية والحركات السياسية الكوردية في الشرق الأوسط.
  5. باسيل نيكيتين (Basile Nikitine)
    الكورد (Les Kurdes)
    من الدراسات الأوروبية الكلاسيكية التي تناولت تاريخ الكورد وجغرافيتهم وبنيتهم الاجتماعية والثقافية.
  6. فلاديمير مينورسكي (Vladimir Minorsky)
    الكورد وكوردستان (Kurds, Kurdistan)
    مرجع تاريخي وجغرافي مهم حول انتشار الكورد وتاريخهم في المنطقة.
  7. فيليب خوري (Philip S. Khoury)
    سوريا والانتداب الفرنسي (Syria and the French Mandate)
    دراسة مهمة حول نشوء الدولة السورية الحديثة، وسياسات الانتداب الفرنسي، والتحولات الإدارية والسكانية خلال تلك المرحلة.
  8. إليزابيث بيكار (Elizabeth Picard)
    المسألة الكوردية في سوريا (La question kurde en Syrie)
    دراسة متخصصة في تاريخ الكورد في سوريا، وتطور علاقتهم بالدولة السورية والهوية السياسية.
  9. نورمان لويس (Norman Lewis)
    البدو والمستوطنون في سوريا والأردن (Nomads and Settlers in Syria and Jordan)
    يتناول الحركات السكانية والعشائرية في بلاد الشام، وطبيعة المجتمعات المتحركة في مناطق الجزيرة السورية ومحيطها.
  10. وثائق الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي (1920–1946)
    وثائق الانتداب الفرنسي في سوريا
    تتضمن تقارير إدارية وسياسية وسكانية حول مناطق شمال وشرق سوريا خلال فترة الانتداب الفرنسي، وتُستخدم لفهم واقع المنطقة قبل وبعد رسم الحدود الحديثة.


إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!