إعداد المادة: فريق الجيوستراتيجي للدراسات
لا يمكن النظر إلى قرار الولايات المتحدة إعادة انتشار قواتها أو تقليص وجودها العسكري في العراق، بما يشمل إقليم كوردستان، باعتباره قراراً عسكرياً بحتاً أو مجرد تنفيذ لاتفاق أمني مع الحكومة العراقية. فمثل هذه القرارات، خصوصاً عندما تصدر عن قوة عظمى تمتلك حضوراً مؤثراً في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، لا تُقاس فقط بعدد الجنود الذين يغادرون قاعدة عسكرية، بل بما تتركه من آثار على توازنات القوى، وعلى إدراك الأطراف الإقليمية لمستقبل النفوذ، وعلى حسابات الفاعلين المحليين الذين يعيدون قراءة المشهد وفقاً لمعادلات القوة الجديدة.
لقد اعتادت الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب الباردة، على إعادة توزيع قواتها بما يخدم أولوياتها العالمية، سواء نتيجة تغير طبيعة التهديدات، أو انتقال مركز اهتمامها نحو مناطق أخرى مثل منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أو بسبب إعادة تعريف مفهوم التدخل العسكري المباشر. غير أن هذه السياسة، مهما كانت مبرراتها الإستراتيجية، لا تُنتج النتائج ذاتها في جميع المناطق. ففي البيئات المستقرة قد يكون الانسحاب خطوة طبيعية تعكس نجاح المهمة أو اكتمال بناء المؤسسات المحلية، أما في المناطق التي ما تزال تعيش صراعات مفتوحة وتنافساً إقليمياً حاداً، فإن أي تراجع في الوجود العسكري لقوة ضامنة للتوازنات قد يتحول إلى متغير جيواستراتيجي يعيد رسم سلوك جميع اللاعبين.
ينطبق هذا الواقع بصورة كبيرة على إقليم كوردستان، الذي يحتل موقعاً فريداً في المعادلة العراقية والإقليمية. فمن جهة، يتمتع الإقليم بوضع دستوري معترف به ضمن النظام الاتحادي العراقي، وتربطه بالحكومة الاتحادية شبكة معقدة من العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية. ومن جهة أخرى، يقع في قلب واحدة من أكثر البيئات الإقليمية حساسية، حيث تتقاطع المصالح التركية والإيرانية والأمريكية، وتتشابك الملفات الأمنية مع الحسابات القومية، الأمر الذي يجعل أي تغيير في ميزان القوى حوله موضع اهتمام مباشر من القوى الإقليمية والدولية.
من هنا، فإن القلق الكوردي من احتمال سحب القوات الأمريكية لا ينبغي تفسيره على أنه تعبير عن رغبة في بقاء القوات الأجنبية بصورة دائمة، ولا على أنه تشكيك بقدرة مؤسسات الإقليم على إدارة أمنها، بل هو في جوهره قراءة سياسية لطبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة. فالسياسة لا تُبنى على الأمنيات، وإنما على تقدير المخاطر، والمخاطر الحالية تشير إلى أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية لم تستقر معالمها بعد، وأن موازين القوى ما تزال في حالة سيولة غير مسبوقة منذ سنوات.
فالحرب الإسرائيلية–الإيرانية، والتحولات المتسارعة في سوريا، واستمرار التنافس التركي–الإيراني على مناطق النفوذ، وإعادة تموضع الولايات المتحدة في المنطقة، جميعها عوامل تجعل البيئة الأمنية المحيطة بإقليم كوردستان أكثر هشاشة مما كانت عليه قبل سنوات. وفي مثل هذه الظروف، يصبح توقيت أي انسحاب عسكري أكثر أهمية من قرار الانسحاب نفسه، لأن المشكلة لا تكمن في المبدأ، بل في البيئة التي سيُنفذ فيها.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الفراغات الأمنية لا تبقى فارغة، وأن تراجع نفوذ قوة كبرى يدفع القوى المنافسة إلى محاولة توسيع نفوذها. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسحب قواتها من إقليم كوردستان، بل ما هي طبيعة البيئة التي ستخلفها وراءها، ومن هي القوى التي ستسعى إلى ملء ذلك الفراغ، وكيف سينعكس ذلك على مستقبل الإقليم واستقراره.
إن هذا السؤال يكتسب أهمية مضاعفة إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن القضية الكوردية لم تكن يوماً قضية داخلية عراقية فقط، وإنما ظلت جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي التركي، والنفوذ الإيراني، والسياسات الأمريكية، والمصالح الدولية في العراق وسوريا. ولهذا السبب فإن أي تغيير في مستوى الانخراط الأمريكي لا يمكن عزله عن هذه الشبكة المعقدة من المصالح، ولا يمكن تقييمه بمعايير أمنية ضيقة، لأن نتائجه ستنعكس على مجمل التوازنات الإقليمية.
إن الهدف من هذه الدراسة ليس الاعتراض على مبدأ إعادة انتشار القوات الأمريكية أو الدعوة إلى بقاء دائم للقوات الأجنبية، وإنما محاولة قراءة هذا التطور من منظور جيواستراتيجي يأخذ في الاعتبار طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة، وحجم المخاطر التي ما تزال تحيط بإقليم كوردستان، وإمكانية أن يؤدي الانسحاب، إذا تم في توقيت غير مناسب، إلى خلق فراغ سياسي وأمني تستفيد منه القوى التي ترى في أي ضعف يصيب التجربة الكوردية فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى بما يخدم مشاريعها الإقليمية.
ولهذا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتركز حول سؤال الانسحاب أو البقاء، وإنما حول سؤال أكثر أهمية وعمقاً: هل أصبحت البيئة الإقليمية المحيطة بإقليم كوردستان مستقرة بما يكفي لتقليل مستوى الردع الذي وفره الوجود الأمريكي خلال العقدين الماضيين، أم أن المنطقة ما تزال في مرحلة تجعل من التريث خياراً أكثر انسجاماً مع منطق إدارة المخاطر؟
التوقيت... العامل الأكثر حساسية في القرار الأمريكي
لا تكمن الإشكالية الحقيقية في احتمال سحب القوات الأمريكية من إقليم كوردستان، بل في توقيت هذا القرار والبيئة الإستراتيجية التي سيُنفذ فيها. فالانسحاب العسكري ليس حدثاً مستقلاً عن محيطه السياسي، وإنما هو رسالة تقرأها جميع الأطراف وفقاً لمصالحها وحساباتها. وما قد تراه واشنطن إعادة تنظيم لانتشار قواتها، قد تراه قوى إقليمية أخرى فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى، وهو ما يجعل عامل التوقيت أكثر أهمية من القرار نفسه.
فالشرق الأوسط لا يعيش اليوم مرحلة استقرار تسمح بتقليص عوامل الردع، بل يمر بمرحلة إعادة ترتيب شاملة لموازين النفوذ. فالحرب بين إسرائيل وإيران، والتغيرات المستمرة في المشهد السوري، ومحاولات تركيا توسيع نطاق نفوذها الأمني خارج حدودها، جميعها تؤكد أن المنطقة ما تزال تعيش حالة من السيولة الإستراتيجية. وفي مثل هذه البيئات، يصبح أي تغير في حضور قوة دولية بحجم الولايات المتحدة عاملاً مؤثراً في حسابات جميع اللاعبين، حتى وإن لم يكن ذلك هو المقصود من القرار الأمريكي.
ومن منظور العلاقات الدولية، فإن الانسحاب العسكري لا يُقاس بعدد الجنود الذين يغادرون، بل بالأثر النفسي والسياسي الذي يتركه لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء. فوجود القوات الأمريكية خلال السنوات الماضية لم يكن يعني فقط المشاركة في مواجهة تنظيم داعش، وإنما شكّل أيضاً عامل توازن غير مباشر حال دون اندفاع بعض القوى الإقليمية نحو خطوات أكثر جرأة داخل العراق وإقليم كوردستان. ولذلك، فإن أي تقليص لهذا الوجود سيُفسَّر، سواء كان ذلك صحيحاً أم لا، على أنه تراجع في مستوى الردع الأمريكي، وهو ما يدفع القوى المنافسة إلى اختبار حدود الواقع الجديد.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة ملزمة بالبقاء إلى أجل غير مسمى، فلكل دولة أولوياتها ومصالحها الإستراتيجية، ومن الطبيعي أن تعيد واشنطن توزيع قواتها بما يتناسب مع رؤيتها العالمية. لكن من الطبيعي أيضاً أن يأخذ هذا القرار في الاعتبار خصوصية الساحة التي سيُطبق فيها. فالعراق، وإقليم كوردستان على وجه الخصوص، لا يزالان جزءاً من بيئة أمنية معقدة، تتداخل فيها الصراعات الداخلية مع التنافس الإقليمي، وهو ما يجعل أي فراغ، مهما كان محدوداً، عرضة للاستثمار من قبل أطراف تسعى إلى تعزيز نفوذها.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى التريث لا تعني رفض الانسحاب، بل تعني ربطه بمدى نضوج البيئة الأمنية المحيطة بالإقليم. فإذا كانت الظروف تشير إلى تراجع مستوى التهديدات، ونجاح المؤسسات الأمنية العراقية والكوردستانية في بناء منظومة ردع مستقلة، فإن إعادة الانتشار تصبح خطوة منطقية. أما إذا كانت المنطقة ما تزال تشهد صراعاً مفتوحاً على النفوذ، فإن التعجيل بالانسحاب قد يؤدي إلى نتائج معاكسة للأهداف التي تسعى إليها واشنطن نفسها، إذ قد يفتح المجال أمام قوى أخرى لملء الفراغ وإعادة إنتاج حالة عدم الاستقرار.
لهذا، فإن القضية ليست قضية بقاء قوات أو مغادرتها، وإنما قضية إدارة مرحلة انتقالية بطريقة تمنع اختلال التوازنات. فالسياسات الناجحة لا تُبنى على سرعة اتخاذ القرار، بل على اختيار اللحظة المناسبة لتنفيذه، وهي لحظة يبدو أن المنطقة لم تبلغها بعد.
الإقليم ليس في مواجهة بغداد... لكن التهديد يأتي من الخارج
من الخطأ اختزال المخاوف الكوردية في احتمال اندلاع مواجهة مع الحكومة الاتحادية في بغداد، لأن طبيعة العلاقة بين الطرفين تختلف اليوم بصورة جوهرية عما كانت عليه في العقود السابقة. فإقليم كوردستان يتمتع بوضع دستوري معترف به ضمن الدولة العراقية، والخلافات القائمة بين أربيل وبغداد، رغم تكرارها، تدور في معظمها حول الملفات المالية والإدارية وصلاحيات إدارة الموارد، وليس حول شرعية وجود الإقليم أو حقه في ممارسة صلاحياته الدستورية.
كما أن الواقع السياسي العراقي لا يوفر بيئة تسمح بمغامرة عسكرية ضد الإقليم. فالعراق يواجه تحديات داخلية كبيرة، من إصلاح مؤسسات الدولة إلى معالجة الأزمات الاقتصادية وتعزيز الاستقرار الأمني، الأمر الذي يجعل خيار التصعيد العسكري بعيداً عن حسابات أغلب القوى السياسية. إضافة إلى ذلك، فإن أي مواجهة داخلية ستنعكس سلباً على جميع الأطراف، وستهدد ما تحقق من استقرار نسبي منذ هزيمة تنظيم داعش، وهو ما يدركه صناع القرار في بغداد وأربيل معاً.
لكن استقرار العلاقة مع بغداد لا يعني أن البيئة المحيطة بالإقليم أصبحت آمنة. فالتحدي الحقيقي يأتي من خارج الحدود العراقية، حيث تنظر كل من تركيا وإيران إلى القضية الكوردية من منظور يتجاوز العراق نفسه. فأنقرة تربط تحركاتها العسكرية باعتبارات أمنها القومي، بينما ترى طهران أن أي تطور في الواقع الكوردي قد ينعكس على ملفاتها الداخلية والإقليمية. ولهذا، فإن كلتا الدولتين تتابعان بدقة أي تغير في مستوى الحضور الأمريكي، وتحاولان إعادة صياغة سياساتهما وفق ميزان القوى الجديد.
ومن هذا المنطلق، فإن القلق الكوردي لا يرتبط بمخاوف من بغداد، بقدر ما يرتبط بإمكانية أن يؤدي أي تراجع في التوازن الدولي إلى زيادة هامش الحركة أمام القوى الإقليمية. فكلما ضعفت عوامل الردع، ازدادت احتمالات استخدام أدوات الضغط السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، وهو ما يجعل الحفاظ على التوازن الإقليمي ضرورة لا تقل أهمية عن الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
إن مستقبل إقليم كوردستان لن يتحدد فقط بطبيعة علاقته مع بغداد، بل بقدرته على التعامل مع بيئة إقليمية معقدة، تتغير فيها التحالفات بسرعة، وتبقى فيها القضية الكوردية جزءاً من حسابات الأمن القومي للدول المجاورة. ولهذا، فإن أي قراءة لموضوع الانسحاب الأمريكي يجب أن تنطلق من هذه الحقيقة، لا من افتراض أن التحديات تنتهي عند حدود العلاقة بين أربيل وبغداد.
الفراغ الإستراتيجي لا يبقى فارغاً
تُظهر التجارب التاريخية أن الفراغات الأمنية والسياسية لا تستمر لفترات طويلة، فحين تتراجع قوة دولية أو تنسحب من منطقة ذات أهمية جيوستراتيجية، فإن قوى أخرى تبدأ مباشرة بمحاولة ملء المساحة التي تركتها، سواء عبر النفوذ السياسي أو الحضور العسكري أو الأدوات الاقتصادية. وهذه القاعدة تنطبق بصورة واضحة على الشرق الأوسط، حيث لم تكن مناطق النفوذ تُترك دون منافسة، بل كانت دائماً تتحول إلى ساحات صراع بين القوى التي تسعى إلى تعزيز مواقعها.
وفي حالة إقليم كوردستان، فإن تقليص الوجود الأمريكي لا يعني بالضرورة نهاية التهديدات أو انخفاض مستوى التدخلات الخارجية، بل قد يؤدي إلى انتقال المعادلة من وجود قوة دولية ذات قدرة ردعية واضحة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتنافس فيها القوى الإقليمية على التأثير في مستقبل المنطقة. فالمشكلة ليست فقط في القوة التي تغادر، وإنما في القوى التي ترى في هذا التراجع فرصة لإعادة ترتيب الأوراق وفق مصالحها الخاصة.
لقد أثبتت المرحلة التي أعقبت عام 2003 أن العراق أصبح أحد ميادين التنافس الإقليمي والدولي، وأن ضعف الدولة المركزية لفترات معينة فتح المجال أمام قوى مختلفة لتوسيع نفوذها. ورغم أن إقليم كوردستان استطاع بناء مؤسسات سياسية وأمنية واقتصادية أكثر استقراراً مقارنة بالعديد من المناطق العراقية، إلا أنه بقي محاطاً ببيئة إقليمية حساسة، تجعل أي تغير في ميزان القوى عاملاً مؤثراً في حساباته الأمنية.
إن الوجود الأمريكي خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد وجود عسكري مرتبط بمهمة محددة ضد تنظيم داعش، بل كان يمثل جزءاً من منظومة توازن أوسع. فقد ساهم وجود واشنطن في خلق نوع من الردع غير المباشر، ومنع بعض الأطراف من الذهاب بعيداً في ممارسة الضغوط على الإقليم. وعندما يتراجع هذا العامل، فإن السؤال الأساسي يصبح: هل تمتلك القوى المحلية القدرة الكافية على منع تحول الإقليم إلى مساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي؟
هنا تظهر أهمية بناء القوة الذاتية للإقليم، لأن الاعتماد على أي قوة خارجية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء مؤسسات قوية قادرة على حماية المصالح الوطنية. فالدول والمجتمعات التي تمتلك مؤسسات سياسية وأمنية متماسكة تكون أقل عرضة للتأثيرات الخارجية، بينما تصبح الانقسامات الداخلية نقطة ضعف تستغلها القوى المنافسة.
ومن هذه الزاوية، فإن مرحلة ما بعد الوجود الأمريكي يجب ألا تُقرأ فقط باعتبارها تحدياً، بل أيضاً باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي الكوردي، وتعزيز المؤسسات، وإنهاء الملفات التي طالما شكلت نقاط ضعف، وفي مقدمتها مسألة توحيد القرار الأمني والعسكري. فكلما كان الموقف الداخلي أكثر تماسكاً، قلت قدرة القوى الخارجية على فرض أجنداتها أو استغلال التباينات الداخلية.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل حقيقة أن البيئة الإقليمية الحالية لا تزال مليئة بالمخاطر. فتركيا وإيران، باعتبارهما قوتين إقليميتين مؤثرتين، تمتلكان أدوات واسعة للتأثير في العراق والمنطقة الكوردية تحديداً. ولكل منهما حساباته الخاصة تجاه أي تطور يتعلق بالمسألة الكوردية، ولذلك فإن أي تراجع في التوازن الدولي يجب أن يقابله ارتفاع في مستوى الوعي الإستراتيجي لدى القيادة الكوردية.
إن الخطر الأكبر لا يكمن في انسحاب قوة معينة بحد ذاته، بل في أن يتحول هذا الانسحاب إلى بداية مرحلة يصبح فيها القرار الأمني في المنطقة خاضعاً لتوازنات القوى الإقليمية فقط. فالتاريخ يؤكد أن المناطق التي تفقد مظلة التوازن الدولي تصبح أكثر عرضة لضغوط القوى المحيطة بها، خصوصاً عندما تكون جزءاً من ملفات قومية وجيوسياسية معقدة.
ولهذا فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى مقاربة مختلفة تقوم على الجمع بين ثلاثة مسارات متوازية: تعزيز العلاقة مع المجتمع الدولي، بناء مؤسسات داخلية أكثر قوة، وتطوير سياسة إقليمية متوازنة تمنع تحويل الإقليم إلى ساحة صراع بين الآخرين. فالأمن الحقيقي لا يأتي من وجود قوة خارجية فقط، كما لا يتحقق بالانغلاق عن العالم، وإنما من القدرة على بناء توازن ذكي يحفظ المصالح الوطنية وسط بيئة متغيرة.
تركيا وإيران... كيف تُقرأ لحظة الانسحاب؟
تُعد تركيا وإيران أكثر الأطراف الإقليمية اهتماماً بأي تحول يطرأ على الوجود الأمريكي في العراق وإقليم كوردستان، لأن كلاً منهما ينظر إلى الملف الكوردي من منظور إستراتيجي يرتبط بأمنه القومي ومكانته الإقليمية. ولذلك فإن أي تغير في مستوى الدور الأمريكي لا يُقرأ في أنقرة وطهران كمسألة عراقية داخلية فقط، بل كتحول يمكن أن يؤثر على موازين القوى في المنطقة بأكملها.
بالنسبة لتركيا، فإن إقليم كوردستان يمثل منطقة ذات أهمية أمنية مباشرة بسبب موقعه الجغرافي وتداخلاته مع الملف الكوردي داخل تركيا. ولهذا حافظت أنقرة خلال السنوات الماضية على حضور سياسي واقتصادي وأمني متزايد في العراق، ووسعت من نطاق تحركاتها العسكرية بحجة مواجهة تهديدات حزب العمال الكوردستاني. وفي حال شعرت تركيا بأن مستوى الردع الدولي يتراجع، فقد ترى في ذلك فرصة لتعزيز نفوذها أو توسيع هامش حركتها داخل المناطق الحدودية.
أما إيران، فإن رؤيتها تختلف من حيث الأدوات والأساليب، فهي تعتمد بدرجة كبيرة على النفوذ السياسي والعلاقات مع القوى العراقية والفصائل المسلحة، وتسعى إلى الحفاظ على موقعها المركزي في المعادلة العراقية. ومن منظور طهران، فإن أي تراجع للدور الأمريكي يمكن أن يفتح مجالاً أوسع لتعزيز نفوذها، ليس فقط في بغداد، بل في مجمل الساحة العراقية.
ومن هنا تأتي حساسية المرحلة، لأن إقليم كوردستان يجد نفسه بين مشروعين إقليميين كبيرين، لكل منهما حساباته الخاصة. ولذلك فإن الحفاظ على استقلالية القرار الكوردي يتطلب قراءة دقيقة لهذه التوازنات، وعدم السماح بأن يتحول الإقليم إلى ورقة في صراعات الآخرين.
إن التحدي الحقيقي أمام القيادة الكوردية ليس فقط حماية الحدود، وإنما إدارة شبكة معقدة من العلاقات الإقليمية والدولية بطريقة تحقق المصالح الكوردية وتحافظ على الاستقرار. فالقوة في المرحلة القادمة لن تكون فقط عسكرية، بل سياسية ودبلوماسية ومؤسساتية أيضاً.
البيشمركة وبناء القوة الذاتية... الضمانة الأساسية لمواجهة المرحلة القادمة
رغم أهمية التوازنات الدولية والإقليمية في حماية إقليم كوردستان، إلا أن التجارب التاريخية تؤكد أن أي شعب أو كيان سياسي لا يستطيع بناء أمنه على الاعتماد الكامل على الآخرين. فالدعم الخارجي قد يوفر مظلة مؤقتة، وقد يمنح مساحة للحركة السياسية، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على حماية المصالح الإستراتيجية للإقليم.
ومن هنا تبرز أهمية قضية توحيد قوات البيشمركة باعتبارها إحدى أهم الأولويات في المرحلة المقبلة. فوجود قوة عسكرية موحدة لا يمثل فقط مطلباً تنظيمياً أو عسكرياً، بل يشكل أساساً لبناء قرار أمني وسياسي مستقل. فكلما كانت المؤسسة العسكرية مرتبطة برؤية وطنية موحدة، ازدادت قدرة الإقليم على مواجهة الضغوط الخارجية، بينما تؤدي الانقسامات داخل المؤسسات الأمنية إلى إضعاف الموقف السياسي وفتح المجال أمام التدخلات الخارجية.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن القوى الإقليمية غالباً ما تستفيد من نقاط الضعف الداخلية لدى المجتمعات والدول، وأن الانقسامات السياسية أو الأمنية تتحول بسهولة إلى أدوات تستخدم للتأثير على القرار الوطني. ولذلك فإن توحيد البيشمركة لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط كاستجابة للتهديدات العسكرية، بل كمشروع إستراتيجي طويل الأمد يهدف إلى بناء مؤسسات قادرة على حماية التجربة الكوردية في العراق.
وفي الوقت ذاته، فإن مرحلة ما بعد الوجود الأمريكي تحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن في إقليم كوردستان. فالأمن لم يعد يعتمد فقط على القوة العسكرية، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بالقدرة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية على إدارة العلاقات مع المحيط. فالإقليم يحتاج إلى سياسة متوازنة تحافظ على علاقاته الدولية، وتمنع تحوله إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية، وتؤكد أن استقراره يمثل مصلحة عراقية وإقليمية ودولية.
إن التحدي الأكبر أمام إقليم كوردستان اليوم ليس فقط احتمال تغير مستوى الدعم الأمريكي، بل القدرة على تحويل هذه المرحلة إلى فرصة لتعزيز البناء الداخلي. فالقوة الحقيقية لا تأتي من وجود قوات أجنبية على الأرض، بل من وجود مجتمع متماسك، ومؤسسات فعالة، وقرار سياسي موحد، وقدرة على التعامل مع المتغيرات الدولية بواقعية وحكمة.
وفي النهاية، فإن سحب القوات الأمريكية من إقليم كوردستان، إذا تم ضمن تفاهمات بين واشنطن وبغداد، يبقى قراراً سيادياً يحق للطرفين اتخاذه، لكن نجاحه يعتمد على كيفية إدارة المرحلة الانتقالية التي ستليه. فالمشكلة ليست في الانسحاب بحد ذاته، وإنما في احتمال أن يؤدي إلى اختلال التوازنات في لحظة إقليمية حساسة.
ولهذا فإن المطلوب ليس مواجهة القرار الأمريكي، بل التعامل معه بقراءة إستراتيجية بعيدة المدى، تقوم على تعزيز الوحدة الداخلية، وتطوير المؤسسات الأمنية، وتوسيع العلاقات الدولية، وبناء قدرة ذاتية تجعل إقليم كوردستان قادراً على حماية مصالحه مهما تغيرت التحالفات والظروف.
ففي عالم السياسة، لا تبقى الحماية الخارجية ثابتة، ولا تستمر موازين القوى على حالها، لكن الشعوب التي تمتلك مؤسسات قوية وقراراً مستقلاً تكون أكثر قدرة على عبور التحولات الكبرى والحفاظ على موقعها في خارطة الإقليم.
بين متغيرات الإقليم وضرورة بناء القوة الذاتية
إن قضية سحب القوات الأمريكية من إقليم كوردستان لا يمكن اختزالها في مسألة عسكرية مرتبطة بوجود قوات أجنبية أو غيابها، بل هي جزء من تحولات أوسع تشهدها المنطقة، حيث تعاد صياغة موازين القوى وتتغير أولويات الدول الكبرى. ولهذا فإن التعامل مع هذا التطور يحتاج إلى رؤية تتجاوز ردود الفعل الآنية، وتنتقل نحو بناء إستراتيجية طويلة المدى تحافظ على مصالح الإقليم في بيئة إقليمية متغيرة.
فإقليم كوردستان يمتلك اليوم مقومات سياسية وقانونية ومؤسساتية تجعله طرفاً أساسياً في معادلة العراق والمنطقة، لكنه في الوقت ذاته يواجه تحديات نابعة من موقعه الجغرافي وحساسية القضية الكوردية في الحسابات الإقليمية. ولذلك فإن الحفاظ على مكتسباته لا يعتمد فقط على طبيعة العلاقات مع القوى الدولية، بل يعتمد بالدرجة الأولى على قوة مؤسساته الداخلية ووحدة قراره السياسي والأمني.
إن المرحلة القادمة تتطلب إدراكاً بأن التوازنات الدولية ليست ثابتة، وأن الدول والقوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها الإستراتيجية المتغيرة. ومن هنا فإن الضمانة الحقيقية لمستقبل إقليم كوردستان تكمن في بناء قدرة ذاتية متماسكة، تجمع بين قوة المؤسسات، وتوحيد البيشمركة، وتطوير الدبلوماسية، والحفاظ على علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي.
فالقضية الأساسية ليست رحيل قوة دولية أو بقاءها، وإنما قدرة الإقليم على إدارة التحولات من موقع الفاعل لا من موقع المتلقي. وفي عالم تحكمه المصالح وموازين القوة، فإن الشعوب التي تمتلك رؤية إستراتيجية ومؤسسات قوية هي الأكثر قدرة على حماية وجودها ومكانتها.
لا يمكن النظر إلى قرار الولايات المتحدة إعادة انتشار قواتها أو تقليص وجودها العسكري في العراق، بما يشمل إقليم كوردستان، باعتباره قراراً عسكرياً بحتاً أو مجرد تنفيذ لاتفاق أمني مع الحكومة العراقية. فمثل هذه القرارات، خصوصاً عندما تصدر عن قوة عظمى تمتلك حضوراً مؤثراً في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، لا تُقاس فقط بعدد الجنود الذين يغادرون قاعدة عسكرية، بل بما تتركه من آثار على توازنات القوى، وعلى إدراك الأطراف الإقليمية لمستقبل النفوذ، وعلى حسابات الفاعلين المحليين الذين يعيدون قراءة المشهد وفقاً لمعادلات القوة الجديدة.
لقد اعتادت الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب الباردة، على إعادة توزيع قواتها بما يخدم أولوياتها العالمية، سواء نتيجة تغير طبيعة التهديدات، أو انتقال مركز اهتمامها نحو مناطق أخرى مثل منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أو بسبب إعادة تعريف مفهوم التدخل العسكري المباشر. غير أن هذه السياسة، مهما كانت مبرراتها الإستراتيجية، لا تُنتج النتائج ذاتها في جميع المناطق. ففي البيئات المستقرة قد يكون الانسحاب خطوة طبيعية تعكس نجاح المهمة أو اكتمال بناء المؤسسات المحلية، أما في المناطق التي ما تزال تعيش صراعات مفتوحة وتنافساً إقليمياً حاداً، فإن أي تراجع في الوجود العسكري لقوة ضامنة للتوازنات قد يتحول إلى متغير جيواستراتيجي يعيد رسم سلوك جميع اللاعبين.
ينطبق هذا الواقع بصورة كبيرة على إقليم كوردستان، الذي يحتل موقعاً فريداً في المعادلة العراقية والإقليمية. فمن جهة، يتمتع الإقليم بوضع دستوري معترف به ضمن النظام الاتحادي العراقي، وتربطه بالحكومة الاتحادية شبكة معقدة من العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية. ومن جهة أخرى، يقع في قلب واحدة من أكثر البيئات الإقليمية حساسية، حيث تتقاطع المصالح التركية والإيرانية والأمريكية، وتتشابك الملفات الأمنية مع الحسابات القومية، الأمر الذي يجعل أي تغيير في ميزان القوى حوله موضع اهتمام مباشر من القوى الإقليمية والدولية.
من هنا، فإن القلق الكوردي من احتمال سحب القوات الأمريكية لا ينبغي تفسيره على أنه تعبير عن رغبة في بقاء القوات الأجنبية بصورة دائمة، ولا على أنه تشكيك بقدرة مؤسسات الإقليم على إدارة أمنها، بل هو في جوهره قراءة سياسية لطبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة. فالسياسة لا تُبنى على الأمنيات، وإنما على تقدير المخاطر، والمخاطر الحالية تشير إلى أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية لم تستقر معالمها بعد، وأن موازين القوى ما تزال في حالة سيولة غير مسبوقة منذ سنوات.
فالحرب الإسرائيلية–الإيرانية، والتحولات المتسارعة في سوريا، واستمرار التنافس التركي–الإيراني على مناطق النفوذ، وإعادة تموضع الولايات المتحدة في المنطقة، جميعها عوامل تجعل البيئة الأمنية المحيطة بإقليم كوردستان أكثر هشاشة مما كانت عليه قبل سنوات. وفي مثل هذه الظروف، يصبح توقيت أي انسحاب عسكري أكثر أهمية من قرار الانسحاب نفسه، لأن المشكلة لا تكمن في المبدأ، بل في البيئة التي سيُنفذ فيها.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الفراغات الأمنية لا تبقى فارغة، وأن تراجع نفوذ قوة كبرى يدفع القوى المنافسة إلى محاولة توسيع نفوذها. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسحب قواتها من إقليم كوردستان، بل ما هي طبيعة البيئة التي ستخلفها وراءها، ومن هي القوى التي ستسعى إلى ملء ذلك الفراغ، وكيف سينعكس ذلك على مستقبل الإقليم واستقراره.
إن هذا السؤال يكتسب أهمية مضاعفة إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن القضية الكوردية لم تكن يوماً قضية داخلية عراقية فقط، وإنما ظلت جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي التركي، والنفوذ الإيراني، والسياسات الأمريكية، والمصالح الدولية في العراق وسوريا. ولهذا السبب فإن أي تغيير في مستوى الانخراط الأمريكي لا يمكن عزله عن هذه الشبكة المعقدة من المصالح، ولا يمكن تقييمه بمعايير أمنية ضيقة، لأن نتائجه ستنعكس على مجمل التوازنات الإقليمية.
إن الهدف من هذه الدراسة ليس الاعتراض على مبدأ إعادة انتشار القوات الأمريكية أو الدعوة إلى بقاء دائم للقوات الأجنبية، وإنما محاولة قراءة هذا التطور من منظور جيواستراتيجي يأخذ في الاعتبار طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة، وحجم المخاطر التي ما تزال تحيط بإقليم كوردستان، وإمكانية أن يؤدي الانسحاب، إذا تم في توقيت غير مناسب، إلى خلق فراغ سياسي وأمني تستفيد منه القوى التي ترى في أي ضعف يصيب التجربة الكوردية فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى بما يخدم مشاريعها الإقليمية.
ولهذا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتركز حول سؤال الانسحاب أو البقاء، وإنما حول سؤال أكثر أهمية وعمقاً: هل أصبحت البيئة الإقليمية المحيطة بإقليم كوردستان مستقرة بما يكفي لتقليل مستوى الردع الذي وفره الوجود الأمريكي خلال العقدين الماضيين، أم أن المنطقة ما تزال في مرحلة تجعل من التريث خياراً أكثر انسجاماً مع منطق إدارة المخاطر؟
التوقيت... العامل الأكثر حساسية في القرار الأمريكي
لا تكمن الإشكالية الحقيقية في احتمال سحب القوات الأمريكية من إقليم كوردستان، بل في توقيت هذا القرار والبيئة الإستراتيجية التي سيُنفذ فيها. فالانسحاب العسكري ليس حدثاً مستقلاً عن محيطه السياسي، وإنما هو رسالة تقرأها جميع الأطراف وفقاً لمصالحها وحساباتها. وما قد تراه واشنطن إعادة تنظيم لانتشار قواتها، قد تراه قوى إقليمية أخرى فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى، وهو ما يجعل عامل التوقيت أكثر أهمية من القرار نفسه.
فالشرق الأوسط لا يعيش اليوم مرحلة استقرار تسمح بتقليص عوامل الردع، بل يمر بمرحلة إعادة ترتيب شاملة لموازين النفوذ. فالحرب بين إسرائيل وإيران، والتغيرات المستمرة في المشهد السوري، ومحاولات تركيا توسيع نطاق نفوذها الأمني خارج حدودها، جميعها تؤكد أن المنطقة ما تزال تعيش حالة من السيولة الإستراتيجية. وفي مثل هذه البيئات، يصبح أي تغير في حضور قوة دولية بحجم الولايات المتحدة عاملاً مؤثراً في حسابات جميع اللاعبين، حتى وإن لم يكن ذلك هو المقصود من القرار الأمريكي.
ومن منظور العلاقات الدولية، فإن الانسحاب العسكري لا يُقاس بعدد الجنود الذين يغادرون، بل بالأثر النفسي والسياسي الذي يتركه لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء. فوجود القوات الأمريكية خلال السنوات الماضية لم يكن يعني فقط المشاركة في مواجهة تنظيم داعش، وإنما شكّل أيضاً عامل توازن غير مباشر حال دون اندفاع بعض القوى الإقليمية نحو خطوات أكثر جرأة داخل العراق وإقليم كوردستان. ولذلك، فإن أي تقليص لهذا الوجود سيُفسَّر، سواء كان ذلك صحيحاً أم لا، على أنه تراجع في مستوى الردع الأمريكي، وهو ما يدفع القوى المنافسة إلى اختبار حدود الواقع الجديد.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة ملزمة بالبقاء إلى أجل غير مسمى، فلكل دولة أولوياتها ومصالحها الإستراتيجية، ومن الطبيعي أن تعيد واشنطن توزيع قواتها بما يتناسب مع رؤيتها العالمية. لكن من الطبيعي أيضاً أن يأخذ هذا القرار في الاعتبار خصوصية الساحة التي سيُطبق فيها. فالعراق، وإقليم كوردستان على وجه الخصوص، لا يزالان جزءاً من بيئة أمنية معقدة، تتداخل فيها الصراعات الداخلية مع التنافس الإقليمي، وهو ما يجعل أي فراغ، مهما كان محدوداً، عرضة للاستثمار من قبل أطراف تسعى إلى تعزيز نفوذها.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى التريث لا تعني رفض الانسحاب، بل تعني ربطه بمدى نضوج البيئة الأمنية المحيطة بالإقليم. فإذا كانت الظروف تشير إلى تراجع مستوى التهديدات، ونجاح المؤسسات الأمنية العراقية والكوردستانية في بناء منظومة ردع مستقلة، فإن إعادة الانتشار تصبح خطوة منطقية. أما إذا كانت المنطقة ما تزال تشهد صراعاً مفتوحاً على النفوذ، فإن التعجيل بالانسحاب قد يؤدي إلى نتائج معاكسة للأهداف التي تسعى إليها واشنطن نفسها، إذ قد يفتح المجال أمام قوى أخرى لملء الفراغ وإعادة إنتاج حالة عدم الاستقرار.
لهذا، فإن القضية ليست قضية بقاء قوات أو مغادرتها، وإنما قضية إدارة مرحلة انتقالية بطريقة تمنع اختلال التوازنات. فالسياسات الناجحة لا تُبنى على سرعة اتخاذ القرار، بل على اختيار اللحظة المناسبة لتنفيذه، وهي لحظة يبدو أن المنطقة لم تبلغها بعد.
الإقليم ليس في مواجهة بغداد... لكن التهديد يأتي من الخارج
من الخطأ اختزال المخاوف الكوردية في احتمال اندلاع مواجهة مع الحكومة الاتحادية في بغداد، لأن طبيعة العلاقة بين الطرفين تختلف اليوم بصورة جوهرية عما كانت عليه في العقود السابقة. فإقليم كوردستان يتمتع بوضع دستوري معترف به ضمن الدولة العراقية، والخلافات القائمة بين أربيل وبغداد، رغم تكرارها، تدور في معظمها حول الملفات المالية والإدارية وصلاحيات إدارة الموارد، وليس حول شرعية وجود الإقليم أو حقه في ممارسة صلاحياته الدستورية.
كما أن الواقع السياسي العراقي لا يوفر بيئة تسمح بمغامرة عسكرية ضد الإقليم. فالعراق يواجه تحديات داخلية كبيرة، من إصلاح مؤسسات الدولة إلى معالجة الأزمات الاقتصادية وتعزيز الاستقرار الأمني، الأمر الذي يجعل خيار التصعيد العسكري بعيداً عن حسابات أغلب القوى السياسية. إضافة إلى ذلك، فإن أي مواجهة داخلية ستنعكس سلباً على جميع الأطراف، وستهدد ما تحقق من استقرار نسبي منذ هزيمة تنظيم داعش، وهو ما يدركه صناع القرار في بغداد وأربيل معاً.
لكن استقرار العلاقة مع بغداد لا يعني أن البيئة المحيطة بالإقليم أصبحت آمنة. فالتحدي الحقيقي يأتي من خارج الحدود العراقية، حيث تنظر كل من تركيا وإيران إلى القضية الكوردية من منظور يتجاوز العراق نفسه. فأنقرة تربط تحركاتها العسكرية باعتبارات أمنها القومي، بينما ترى طهران أن أي تطور في الواقع الكوردي قد ينعكس على ملفاتها الداخلية والإقليمية. ولهذا، فإن كلتا الدولتين تتابعان بدقة أي تغير في مستوى الحضور الأمريكي، وتحاولان إعادة صياغة سياساتهما وفق ميزان القوى الجديد.
ومن هذا المنطلق، فإن القلق الكوردي لا يرتبط بمخاوف من بغداد، بقدر ما يرتبط بإمكانية أن يؤدي أي تراجع في التوازن الدولي إلى زيادة هامش الحركة أمام القوى الإقليمية. فكلما ضعفت عوامل الردع، ازدادت احتمالات استخدام أدوات الضغط السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، وهو ما يجعل الحفاظ على التوازن الإقليمي ضرورة لا تقل أهمية عن الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
إن مستقبل إقليم كوردستان لن يتحدد فقط بطبيعة علاقته مع بغداد، بل بقدرته على التعامل مع بيئة إقليمية معقدة، تتغير فيها التحالفات بسرعة، وتبقى فيها القضية الكوردية جزءاً من حسابات الأمن القومي للدول المجاورة. ولهذا، فإن أي قراءة لموضوع الانسحاب الأمريكي يجب أن تنطلق من هذه الحقيقة، لا من افتراض أن التحديات تنتهي عند حدود العلاقة بين أربيل وبغداد.
الفراغ الإستراتيجي لا يبقى فارغاً
تُظهر التجارب التاريخية أن الفراغات الأمنية والسياسية لا تستمر لفترات طويلة، فحين تتراجع قوة دولية أو تنسحب من منطقة ذات أهمية جيوستراتيجية، فإن قوى أخرى تبدأ مباشرة بمحاولة ملء المساحة التي تركتها، سواء عبر النفوذ السياسي أو الحضور العسكري أو الأدوات الاقتصادية. وهذه القاعدة تنطبق بصورة واضحة على الشرق الأوسط، حيث لم تكن مناطق النفوذ تُترك دون منافسة، بل كانت دائماً تتحول إلى ساحات صراع بين القوى التي تسعى إلى تعزيز مواقعها.
وفي حالة إقليم كوردستان، فإن تقليص الوجود الأمريكي لا يعني بالضرورة نهاية التهديدات أو انخفاض مستوى التدخلات الخارجية، بل قد يؤدي إلى انتقال المعادلة من وجود قوة دولية ذات قدرة ردعية واضحة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتنافس فيها القوى الإقليمية على التأثير في مستقبل المنطقة. فالمشكلة ليست فقط في القوة التي تغادر، وإنما في القوى التي ترى في هذا التراجع فرصة لإعادة ترتيب الأوراق وفق مصالحها الخاصة.
لقد أثبتت المرحلة التي أعقبت عام 2003 أن العراق أصبح أحد ميادين التنافس الإقليمي والدولي، وأن ضعف الدولة المركزية لفترات معينة فتح المجال أمام قوى مختلفة لتوسيع نفوذها. ورغم أن إقليم كوردستان استطاع بناء مؤسسات سياسية وأمنية واقتصادية أكثر استقراراً مقارنة بالعديد من المناطق العراقية، إلا أنه بقي محاطاً ببيئة إقليمية حساسة، تجعل أي تغير في ميزان القوى عاملاً مؤثراً في حساباته الأمنية.
إن الوجود الأمريكي خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد وجود عسكري مرتبط بمهمة محددة ضد تنظيم داعش، بل كان يمثل جزءاً من منظومة توازن أوسع. فقد ساهم وجود واشنطن في خلق نوع من الردع غير المباشر، ومنع بعض الأطراف من الذهاب بعيداً في ممارسة الضغوط على الإقليم. وعندما يتراجع هذا العامل، فإن السؤال الأساسي يصبح: هل تمتلك القوى المحلية القدرة الكافية على منع تحول الإقليم إلى مساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي؟
هنا تظهر أهمية بناء القوة الذاتية للإقليم، لأن الاعتماد على أي قوة خارجية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء مؤسسات قوية قادرة على حماية المصالح الوطنية. فالدول والمجتمعات التي تمتلك مؤسسات سياسية وأمنية متماسكة تكون أقل عرضة للتأثيرات الخارجية، بينما تصبح الانقسامات الداخلية نقطة ضعف تستغلها القوى المنافسة.
ومن هذه الزاوية، فإن مرحلة ما بعد الوجود الأمريكي يجب ألا تُقرأ فقط باعتبارها تحدياً، بل أيضاً باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي الكوردي، وتعزيز المؤسسات، وإنهاء الملفات التي طالما شكلت نقاط ضعف، وفي مقدمتها مسألة توحيد القرار الأمني والعسكري. فكلما كان الموقف الداخلي أكثر تماسكاً، قلت قدرة القوى الخارجية على فرض أجنداتها أو استغلال التباينات الداخلية.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل حقيقة أن البيئة الإقليمية الحالية لا تزال مليئة بالمخاطر. فتركيا وإيران، باعتبارهما قوتين إقليميتين مؤثرتين، تمتلكان أدوات واسعة للتأثير في العراق والمنطقة الكوردية تحديداً. ولكل منهما حساباته الخاصة تجاه أي تطور يتعلق بالمسألة الكوردية، ولذلك فإن أي تراجع في التوازن الدولي يجب أن يقابله ارتفاع في مستوى الوعي الإستراتيجي لدى القيادة الكوردية.
إن الخطر الأكبر لا يكمن في انسحاب قوة معينة بحد ذاته، بل في أن يتحول هذا الانسحاب إلى بداية مرحلة يصبح فيها القرار الأمني في المنطقة خاضعاً لتوازنات القوى الإقليمية فقط. فالتاريخ يؤكد أن المناطق التي تفقد مظلة التوازن الدولي تصبح أكثر عرضة لضغوط القوى المحيطة بها، خصوصاً عندما تكون جزءاً من ملفات قومية وجيوسياسية معقدة.
ولهذا فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى مقاربة مختلفة تقوم على الجمع بين ثلاثة مسارات متوازية: تعزيز العلاقة مع المجتمع الدولي، بناء مؤسسات داخلية أكثر قوة، وتطوير سياسة إقليمية متوازنة تمنع تحويل الإقليم إلى ساحة صراع بين الآخرين. فالأمن الحقيقي لا يأتي من وجود قوة خارجية فقط، كما لا يتحقق بالانغلاق عن العالم، وإنما من القدرة على بناء توازن ذكي يحفظ المصالح الوطنية وسط بيئة متغيرة.
تركيا وإيران... كيف تُقرأ لحظة الانسحاب؟
تُعد تركيا وإيران أكثر الأطراف الإقليمية اهتماماً بأي تحول يطرأ على الوجود الأمريكي في العراق وإقليم كوردستان، لأن كلاً منهما ينظر إلى الملف الكوردي من منظور إستراتيجي يرتبط بأمنه القومي ومكانته الإقليمية. ولذلك فإن أي تغير في مستوى الدور الأمريكي لا يُقرأ في أنقرة وطهران كمسألة عراقية داخلية فقط، بل كتحول يمكن أن يؤثر على موازين القوى في المنطقة بأكملها.
بالنسبة لتركيا، فإن إقليم كوردستان يمثل منطقة ذات أهمية أمنية مباشرة بسبب موقعه الجغرافي وتداخلاته مع الملف الكوردي داخل تركيا. ولهذا حافظت أنقرة خلال السنوات الماضية على حضور سياسي واقتصادي وأمني متزايد في العراق، ووسعت من نطاق تحركاتها العسكرية بحجة مواجهة تهديدات حزب العمال الكوردستاني. وفي حال شعرت تركيا بأن مستوى الردع الدولي يتراجع، فقد ترى في ذلك فرصة لتعزيز نفوذها أو توسيع هامش حركتها داخل المناطق الحدودية.
أما إيران، فإن رؤيتها تختلف من حيث الأدوات والأساليب، فهي تعتمد بدرجة كبيرة على النفوذ السياسي والعلاقات مع القوى العراقية والفصائل المسلحة، وتسعى إلى الحفاظ على موقعها المركزي في المعادلة العراقية. ومن منظور طهران، فإن أي تراجع للدور الأمريكي يمكن أن يفتح مجالاً أوسع لتعزيز نفوذها، ليس فقط في بغداد، بل في مجمل الساحة العراقية.
ومن هنا تأتي حساسية المرحلة، لأن إقليم كوردستان يجد نفسه بين مشروعين إقليميين كبيرين، لكل منهما حساباته الخاصة. ولذلك فإن الحفاظ على استقلالية القرار الكوردي يتطلب قراءة دقيقة لهذه التوازنات، وعدم السماح بأن يتحول الإقليم إلى ورقة في صراعات الآخرين.
إن التحدي الحقيقي أمام القيادة الكوردية ليس فقط حماية الحدود، وإنما إدارة شبكة معقدة من العلاقات الإقليمية والدولية بطريقة تحقق المصالح الكوردية وتحافظ على الاستقرار. فالقوة في المرحلة القادمة لن تكون فقط عسكرية، بل سياسية ودبلوماسية ومؤسساتية أيضاً.
البيشمركة وبناء القوة الذاتية... الضمانة الأساسية لمواجهة المرحلة القادمة
رغم أهمية التوازنات الدولية والإقليمية في حماية إقليم كوردستان، إلا أن التجارب التاريخية تؤكد أن أي شعب أو كيان سياسي لا يستطيع بناء أمنه على الاعتماد الكامل على الآخرين. فالدعم الخارجي قد يوفر مظلة مؤقتة، وقد يمنح مساحة للحركة السياسية، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على حماية المصالح الإستراتيجية للإقليم.
ومن هنا تبرز أهمية قضية توحيد قوات البيشمركة باعتبارها إحدى أهم الأولويات في المرحلة المقبلة. فوجود قوة عسكرية موحدة لا يمثل فقط مطلباً تنظيمياً أو عسكرياً، بل يشكل أساساً لبناء قرار أمني وسياسي مستقل. فكلما كانت المؤسسة العسكرية مرتبطة برؤية وطنية موحدة، ازدادت قدرة الإقليم على مواجهة الضغوط الخارجية، بينما تؤدي الانقسامات داخل المؤسسات الأمنية إلى إضعاف الموقف السياسي وفتح المجال أمام التدخلات الخارجية.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن القوى الإقليمية غالباً ما تستفيد من نقاط الضعف الداخلية لدى المجتمعات والدول، وأن الانقسامات السياسية أو الأمنية تتحول بسهولة إلى أدوات تستخدم للتأثير على القرار الوطني. ولذلك فإن توحيد البيشمركة لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط كاستجابة للتهديدات العسكرية، بل كمشروع إستراتيجي طويل الأمد يهدف إلى بناء مؤسسات قادرة على حماية التجربة الكوردية في العراق.
وفي الوقت ذاته، فإن مرحلة ما بعد الوجود الأمريكي تحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن في إقليم كوردستان. فالأمن لم يعد يعتمد فقط على القوة العسكرية، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بالقدرة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية على إدارة العلاقات مع المحيط. فالإقليم يحتاج إلى سياسة متوازنة تحافظ على علاقاته الدولية، وتمنع تحوله إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية، وتؤكد أن استقراره يمثل مصلحة عراقية وإقليمية ودولية.
إن التحدي الأكبر أمام إقليم كوردستان اليوم ليس فقط احتمال تغير مستوى الدعم الأمريكي، بل القدرة على تحويل هذه المرحلة إلى فرصة لتعزيز البناء الداخلي. فالقوة الحقيقية لا تأتي من وجود قوات أجنبية على الأرض، بل من وجود مجتمع متماسك، ومؤسسات فعالة، وقرار سياسي موحد، وقدرة على التعامل مع المتغيرات الدولية بواقعية وحكمة.
وفي النهاية، فإن سحب القوات الأمريكية من إقليم كوردستان، إذا تم ضمن تفاهمات بين واشنطن وبغداد، يبقى قراراً سيادياً يحق للطرفين اتخاذه، لكن نجاحه يعتمد على كيفية إدارة المرحلة الانتقالية التي ستليه. فالمشكلة ليست في الانسحاب بحد ذاته، وإنما في احتمال أن يؤدي إلى اختلال التوازنات في لحظة إقليمية حساسة.
ولهذا فإن المطلوب ليس مواجهة القرار الأمريكي، بل التعامل معه بقراءة إستراتيجية بعيدة المدى، تقوم على تعزيز الوحدة الداخلية، وتطوير المؤسسات الأمنية، وتوسيع العلاقات الدولية، وبناء قدرة ذاتية تجعل إقليم كوردستان قادراً على حماية مصالحه مهما تغيرت التحالفات والظروف.
ففي عالم السياسة، لا تبقى الحماية الخارجية ثابتة، ولا تستمر موازين القوى على حالها، لكن الشعوب التي تمتلك مؤسسات قوية وقراراً مستقلاً تكون أكثر قدرة على عبور التحولات الكبرى والحفاظ على موقعها في خارطة الإقليم.
بين متغيرات الإقليم وضرورة بناء القوة الذاتية
إن قضية سحب القوات الأمريكية من إقليم كوردستان لا يمكن اختزالها في مسألة عسكرية مرتبطة بوجود قوات أجنبية أو غيابها، بل هي جزء من تحولات أوسع تشهدها المنطقة، حيث تعاد صياغة موازين القوى وتتغير أولويات الدول الكبرى. ولهذا فإن التعامل مع هذا التطور يحتاج إلى رؤية تتجاوز ردود الفعل الآنية، وتنتقل نحو بناء إستراتيجية طويلة المدى تحافظ على مصالح الإقليم في بيئة إقليمية متغيرة.
فإقليم كوردستان يمتلك اليوم مقومات سياسية وقانونية ومؤسساتية تجعله طرفاً أساسياً في معادلة العراق والمنطقة، لكنه في الوقت ذاته يواجه تحديات نابعة من موقعه الجغرافي وحساسية القضية الكوردية في الحسابات الإقليمية. ولذلك فإن الحفاظ على مكتسباته لا يعتمد فقط على طبيعة العلاقات مع القوى الدولية، بل يعتمد بالدرجة الأولى على قوة مؤسساته الداخلية ووحدة قراره السياسي والأمني.
إن المرحلة القادمة تتطلب إدراكاً بأن التوازنات الدولية ليست ثابتة، وأن الدول والقوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها الإستراتيجية المتغيرة. ومن هنا فإن الضمانة الحقيقية لمستقبل إقليم كوردستان تكمن في بناء قدرة ذاتية متماسكة، تجمع بين قوة المؤسسات، وتوحيد البيشمركة، وتطوير الدبلوماسية، والحفاظ على علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي.
فالقضية الأساسية ليست رحيل قوة دولية أو بقاءها، وإنما قدرة الإقليم على إدارة التحولات من موقع الفاعل لا من موقع المتلقي. وفي عالم تحكمه المصالح وموازين القوة، فإن الشعوب التي تمتلك رؤية إستراتيجية ومؤسسات قوية هي الأكثر قدرة على حماية وجودها ومكانتها.


أمريكا تبيع كل شيء لأجل مصالحهم
ردحذف