تركيا تستلم الملف الكردي من الأمريكيين: التفصيل السوري لقسد نسخة من التفاهم التركي مع حزب العمال الكردستاني

آدمن الموقع
0
إعداد المادة: فريق الجيوستراتيجي للدراسات 
لم يعد الملف الكردي في سوريا يتحرك ضمن المعادلة التي تشكلت خلال سنوات الحرب على تنظيم داعش، عندما تحولت قوات سوريا الديمقراطية إلى الشريك المحلي الأهم للولايات المتحدة في مواجهة التنظيم، ونتيجة لذلك نشأت علاقة عسكرية وسياسية بين الطرفين أتاحت للقوى الكردية في شمال وشرق سوريا بناء مؤسسات عسكرية وإدارية واسعة ضمن حماية أمريكية لم تكن في أي وقت التزاما واضحا بإقامة كيان كردي مستقل أو نظام فيدرالي دائم، بل كانت في جوهرها علاقة مرتبطة بالحرب على داعش وبحاجة واشنطن إلى قوة محلية قادرة على السيطرة على الأرض ومواجهة التنظيم، ولذلك فإن انتهاء المرحلة الأساسية من الحرب وتغير الأولويات الأمريكية في المنطقة أدى بصورة تدريجية إلى تغير قيمة هذه العلاقة، وأصبح السؤال بالنسبة إلى واشنطن لا يتعلق بكيفية حماية البنية العسكرية الكردية المستقلة، وإنما بكيفية الحفاظ على نفوذها في سوريا ومنع عودة التنظيمات المتطرفة وإبعاد إيران عن الساحة السورية وبناء نظام سياسي يمكن التعامل معه من دون الحاجة إلى وجود عسكري أمريكي واسع ومستمر.
 
التحول الأمريكي وإعادة توزيع الأدوار

من هذه الزاوية يمكن قراءة استراتيجية إدارة دونالد ترامب في سوريا باعتبارها جزءا من توجه أمريكي أوسع يقوم على تخفيض تكلفة الانخراط المباشر في الشرق الأوسط، وليس بالضرورة الانسحاب من المنطقة أو التخلي عن مصالح الولايات المتحدة فيها، فالولايات المتحدة تدرك أن وجودها العسكري المباشر لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية بنفس المستوى الذي كان قائما خلال سنوات الحرب على داعش، ولذلك تبحث عن قوى إقليمية تستطيع أن تقوم بجزء من الوظائف الأمنية والسياسية التي كانت واشنطن تضطر إلى القيام بها بصورة مباشرة، وهنا تبرز تركيا باعتبارها الدولة الأكثر قدرة على أداء هذا الدور بحكم موقعها الجغرافي، وقوتها العسكرية، وعضويتها في حلف الناتو، وحدودها الطويلة مع سوريا والعراق، وعلاقاتها الواسعة مع القوى السورية، إضافة إلى قدرتها على التأثير المباشر في الملف الكردي، ولذلك فإن السياسة الأمريكية الجديدة يمكن أن تقوم على الاحتفاظ بالنفوذ الاستراتيجي مع تقليل الحضور العسكري المباشر، وترك مساحة أكبر لتركيا لإدارة الملفات الأمنية والسياسية التي تقع ضمن مجال نفوذها، وهو ما يعني أن واشنطن لا تخرج من سوريا بقدر ما تعيد توزيع أدوات حضورها فيها.
هذا التحول يفسر أيضا الميل الأمريكي المتزايد إلى دعم الدولة المركزية في سوريا، لأن واشنطن في المرحلة الحالية تبدو أكثر اهتماما بوجود دولة قادرة على ضبط الحدود والسيطرة على الأراضي ومنع عودة التنظيمات الجهادية واحتواء النفوذ الإيراني من اهتمامها باستمرار التقسيمات المحلية التي نشأت نتيجة الحرب، فالدولة المركزية بالنسبة إلى الولايات المتحدة توفر شريكا يمكن التعامل معه بصورة مباشرة، وتقلل من عدد القوى المحلية التي تحتاج واشنطن إلى إدارتها وحمايتها، كما تمنحها إمكانية التعامل مع دمشق باعتبارها مركز القرار الرسمي في البلاد، ولذلك فإن دمج القوات المحلية داخل مؤسسات الدولة يصبح في هذا السياق جزءا من عملية إعادة بناء الدولة وليس مجرد اتفاق عسكري محدود.
 
تسليم الملف الكردي إلى تركيا

هنا تحديدا يصبح الدور التركي أكثر أهمية، لأن تركيا كانت تنظر منذ بداية الحرب السورية إلى وجود قوة كردية مسلحة مرتبطة بحزب العمال الكردستاني على حدودها الجنوبية باعتباره تهديدا استراتيجيا طويل الأمد، ولذلك فإن إنهاء البنية العسكرية المستقلة لقوات سوريا الديمقراطية وتحويلها إلى جزء من مؤسسات الدولة السورية يمثل بالنسبة إلى أنقرة نتيجة كانت تسعى إليها منذ سنوات، لكنها لم تكن قادرة على تحقيقها بصورة كاملة بسبب وجود القوات الأمريكية والحماية السياسية التي كانت واشنطن توفرها لقوات سوريا الديمقراطية، ولذلك فإن المسار الذي وصل إلى دمج القوات الكردية داخل الدولة السورية يمكن قراءته باعتباره انتقالا من مرحلة كانت واشنطن تدير فيها الملف الكردي بصورة مباشرة إلى مرحلة تمنح فيها تركيا مساحة أكبر لإدارة هذا الملف ضمن تفاهمات مع دمشق وواشنطن، وهو ما يجعل القول بأن الملف الكردي قد تم تسليمه إلى الأتراك تعبيرا عن تحول في وظيفة تركيا داخل الاستراتيجية الأمريكية، وليس بالضرورة عن خروج أمريكي كامل من القضية الكردية.
فالولايات المتحدة لا تحتاج في المرحلة الجديدة إلى الحفاظ على قوة كردية مستقلة بالقوة نفسها التي احتاجتها إليها أثناء الحرب على داعش، بينما تحتاج تركيا إلى إنهاء هذه البنية العسكرية، وتحتاج دمشق إلى استعادة السيطرة على كامل أراضيها، ولذلك تلتقي مصالح الأطراف الثلاثة عند نقطة واحدة تتمثل في دمج القوى الكردية داخل مؤسسات الدولة السورية، لكن هذا التوافق لا يعني أن مصالح الأطراف متطابقة، لأن الولايات المتحدة تريد من الدولة السورية الجديدة أن تمنع عودة إيران والجماعات المتطرفة، وتركيا تريد منها في الوقت نفسه أن تمنع قيام كيان كردي عسكري مستقل، بينما يريد الكرد ضمان حقوقهم السياسية والثقافية والإدارية داخل الدولة الجديدة، ومن هنا تبدأ المرحلة الأصعب، لأن نجاح عملية الدمج عسكريا لا يعني بالضرورة نجاحها سياسيا.
 
الاتفاق السوري نموذج لما يجري في تركيا

الأكثر أهمية أن عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية يمكن النظر إليها ضمن سياق إقليمي أوسع يرتبط أيضا بالمسار التركي تجاه حزب العمال الكردستاني، إذ يبدو أن أنقرة تريد الانتقال من مرحلة الصراع العسكري المفتوح مع الحركة الكردية إلى مرحلة إنهاء البنية المسلحة وإعادة إدماج جزء من عناصرها داخل النظام السياسي والقانوني للدولة، وهو ما يجعل الاتفاقات التي يجري العمل عليها في سوريا ذات أهمية تتجاوز الحدود السورية، لأنها يمكن أن تصبح نموذجا لما تريد تركيا تحقيقه داخل أراضيها، بحيث تنتهي مرحلة التنظيمات المسلحة العابرة للحدود، وتنتقل القضية الكردية إلى المجال السياسي والمؤسساتي، وبذلك تستطيع تركيا أن تغلق واحدة من أهم نقاط الضعف التي يمكن للقوى الإقليمية استخدامها ضدها في المستقبل.
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط في الاستراتيجية التركية، فأنقرة لا تريد فقط إنهاء حزب العمال الكردستاني كقوة عسكرية، وإنما تريد إنهاء البيئة الإقليمية التي تسمح بوجود حركة كردية مسلحة تستطيع أن تمتد بين تركيا وسوريا والعراق، لأن استمرار هذه البيئة يعني أن القضية الكردية ستبقى قابلة للتدويل ويمكن لأي قوة إقليمية أو دولية أن تستخدمها في مواجهة تركيا، بينما يؤدي تحويل القضية إلى مسألة سياسية داخل الدولة إلى تقليل قدرة الخارج على استخدامها، ولهذا فإن تركيا قد تكون مستعدة في المرحلة المقبلة لتقديم بعض التنازلات السياسية والثقافية والقانونية للكرد مقابل إنهاء البنية العسكرية، لأن ما تبحث عنه في النهاية هو إغلاق الملف الأمني الذي ظل يشكل واحدة من أكبر القضايا التي تستنزف الدولة التركية منذ عقود.
 
إسرائيل والحسابات التركية 

هذه المسألة تكتسب أهمية أكبر إذا أخذنا في الاعتبار التحولات التي تجري في الشرق الأوسط والتنافس المتزايد بين تركيا وإسرائيل، لأن تركيا تنظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة صراع على النفوذ بعد تراجع إيران، وإسرائيل من جانبها تعمل على تثبيت نفوذها الأمني والعسكري في المنطقة، ولذلك فإن أنقرة لا تريد أن تترك أي ملف يمكن أن يتحول مستقبلا إلى أداة ضغط عليها، والملف الكردي هو أحد أكثر الملفات حساسية في هذا المجال، ليس لأن هناك بالضرورة مشروعا إسرائيليا معلنا لتقسيم تركيا أو استخدام الكرد ضدها، وإنما لأن وجود قوة كردية عسكرية مستقلة في منطقة تمتد جغرافيا بين سوريا والعراق وتركيا يمكن أن يتحول في ظروف الصراع الإقليمي إلى ورقة تستخدمها قوى مختلفة، ولهذا فإن تركيا تحاول معالجة المشكلة قبل أن تدخل مرحلة جديدة من الصراع مع إسرائيل أو غيرها من القوى الإقليمية.
ومن هذا المنظور يمكن فهم رغبة أنقرة في بناء علاقة جديدة مع الكرد تقوم على دمجهم داخل مؤسسات الدولة بدلا من بقائهم قوة مستقلة يمكن أن تصبح جزءا من الصراع الإقليمي، فالكرد داخل الدولة التركية أو الدولة السورية، إذا حصلوا على حقوق سياسية وقانونية واضحة، يمكن أن يصبحوا جزءا من استقرار المنطقة، بينما استمرار الصراع المسلح سيبقيهم في موقع الورقة التي يمكن لأي قوة خارجية أن تحاول استثمارها، ولذلك فإن تركيا تريد أن تمنع مستقبلا إمكانية قيام حزام كردي عسكري مستقل يمكن أن تستخدمه إسرائيل أو غيرها في مواجهة أنقرة، وفي المقابل تريد أن تضمن أن يبقى الكرد جزءا من النظام السياسي للدول التي يعيشون فيها وليس قوة جيوسياسية مستقلة تتحرك خارج سيطرة تلك الدول.
 
الضعف الإيراني والتطور التركي المريب!

كل هذه التحولات لا يمكن فهمها من دون النظر إلى التراجع الذي أصاب الدور الإيراني في المنطقة، لأن إيران كانت خلال السنوات الماضية القوة التي تمتلك شبكة نفوذ تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان، وكانت هذه الشبكة تمنحها قدرة كبيرة على التأثير في الصراعات الإقليمية، لكن تراجع القدرة الإيرانية على الحركة يفتح فراغا استراتيجيا لا يمكن أن يبقى من دون قوة تحاول ملأه، وهنا تظهر تركيا باعتبارها واحدة من القوى الأكثر استعدادا للاستفادة من هذا الفراغ، خصوصا أنها تمتلك الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية والجغرافية التي تسمح لها ببناء نفوذ واسع، ولذلك فإن صعود تركيا في المرحلة القادمة لا ينبغي فهمه فقط باعتباره انتصارا على المشروع الكردي أو نتيجة لتراجع الدور الأمريكي، وإنما باعتباره جزءا من إعادة توزيع واسعة للقوة في الشرق الأوسط بعد تراجع إيران.
وهذا تحديدا هو ما يجعل تركيا مهمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لأن واشنطن لا تريد بالضرورة أن تترك المنطقة أمام فراغ يمكن أن تستفيد منه روسيا أو إيران أو قوى أخرى، وفي الوقت نفسه لا تريد العودة إلى مرحلة الانتشار العسكري الواسع، وبالتالي فإن وجود قوة إقليمية مثل تركيا تستطيع القيام بدور أمني وسياسي واسع يوفر للولايات المتحدة خيارا أكثر كفاءة، بحيث تحصل أنقرة على مساحة أكبر للتحرك، بينما تحصل واشنطن على شريك إقليمي قادر على حماية جزء من المصالح الغربية، ومن هنا يمكن فهم عودة تركيا إلى دور يشبه في بعض جوانبه الدور الذي لعبته خلال العقود الماضية كشرطي لحلف الناتو، لكن مع اختلاف جوهري يتمثل في أن تركيا الحالية ليست تركيا القديمة، فهي أكثر استقلالية في قراراتها وأكثر طموحا في بناء نفوذها، ولذلك فإنها لن تعمل لمصلحة واشنطن فقط، بل ستستخدم الدعم الأمريكي والمظلة الغربية لتعزيز مشروعها الإقليمي الخاص.
 
المرحلة السياسية المختلفة للكرد

في مقابل هذا التحول، يجد الكرد أنفسهم أمام مرحلة مختلفة تماما عن المرحلة السابقة، لأن الاعتماد على القوة العسكرية والحماية الأمريكية لم يعد كافيا لضمان مستقبل سياسي مستقر، كما أن الرهان على استمرار الصراع بين القوى الإقليمية لم يعد استراتيجية يمكن الاعتماد عليها، ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الكرد هو تحويل القوة التي تراكمت خلال سنوات الحرب إلى قوة سياسية ومؤسساتية قادرة على حماية الحقوق داخل الدولة، وهذا يتطلب إعادة تعريف المشروع الكردي في سوريا بصورة تتناسب مع المرحلة الجديدة، بحيث لا يكون الهدف فقط الحفاظ على مؤسسات الإدارة الذاتية بصيغتها السابقة، وإنما ضمان وجود دستوري وقانوني وسياسي للكرد داخل سوريا الجديدة، مع الحفاظ على اللغة والثقافة والهوية والحقوق السياسية، وإيجاد صيغة للحكم المحلي تمنع عودة المركزية القسرية التي عانى منها الكرد لعقود.
وهنا يصبح استقلال القرار الكردي أهم من أي وقت مضى، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في المرحلة الجديدة ليس فقدان القوة العسكرية بحد ذاته، وإنما فقدان القدرة على اتخاذ القرار السياسي المستقل، فإذا أصبح الكرد مجرد طرف تابع لتركيا أو واشنطن أو دمشق أو أي قوة إقليمية أخرى، فإن عملية الدمج يمكن أن تتحول إلى عملية ذوبان سياسي، أما إذا استطاعوا بناء مشروع سياسي مستقل قادر على التفاوض مع الجميع، فإن الانتقال من القوة العسكرية إلى القوة السياسية يمكن أن يتحول إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء القضية الكردية على أسس أكثر استدامة.
 
إشكالية الإنقسام الكردي بين القوة وضعف الموقف 

ومن هنا تأتي أهمية مستقبل التيارات الكردية المختلفة، فالمرحلة المقبلة قد تشهد انتقالا من هيمنة القوى العسكرية إلى تعددية سياسية أوسع تشمل اليسار الكردي والتيارات القومية والحركات الإسلامية الكردية والقوى المدنية والشخصيات المستقلة، وهذا التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة إذا تحول إلى تعددية سياسية حقيقية، لكنه يمكن أن يصبح مصدر ضعف إذا تحول إلى صراع داخلي تستخدمه القوى الإقليمية لتفكيك القرار الكردي، ولذلك فإن المطلوب ليس توحيد الكرد على أساس تنظيم واحد أو أيديولوجية واحدة، وإنما بناء مساحة سياسية مشتركة تسمح بتعدد الاتجاهات مع الحفاظ على الحد الأدنى من المصالح الوطنية الكردية، لأن التعددية ليست المشكلة، بل المشكلة تبدأ عندما يفقد التعدد السياسي قدرته على إنتاج قرار مستقل.
وفي هذا السياق يمكن أن يصبح استقلال اليسار الكردي والحركات الإسلامية الكردية والتيارات الأخرى عن مشاريع القوى الإقليمية عاملا أساسيا في المرحلة المقبلة، لأن تركيا إذا نجحت في إنهاء الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني فقد تفتح المجال أمام إعادة تشكيل الحياة السياسية الكردية داخل تركيا وسوريا والعراق، وقد تحاول قوى إقليمية مختلفة التأثير في هذا المشهد، ولذلك فإن قدرة القوى الكردية على الحفاظ على استقلالها السياسي ستكون عاملا حاسما في تحديد ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستنتج تعددية كردية قوية أم انقسامات كردية جديدة.
 
الحقوق الكردية في الدولة المركزية السورية!

في النهاية، فإن نجاح المشروع الجديد في سوريا سيعتمد على طبيعة الدولة التي ستنشأ بعد هذه التحولات، لأن المركزية ليست بالضرورة مشكلة إذا كانت الدولة مركزية في مؤسساتها وسيادتها لكنها تعترف بالتعدد القومي والسياسي والثقافي، والمشكلة تبدأ عندما تتحول المركزية إلى احتكار سياسي وثقافي ينكر وجود المكونات المختلفة، ولذلك فإن الكرد يستطيعون قبول دولة سورية موحدة إذا كانت هذه الدولة دولة مواطنة تضمن حقوق جميع مكوناتها، أما إذا كانت الدولة المركزية الجديدة مجرد عودة إلى النموذج القديم الذي يفرض هوية واحدة على الجميع، فإن عملية الدمج لن تكون حلا نهائيا، وإنما ستؤجل الأزمة إلى مرحلة أخرى.
ولهذا فإن الاتفاقات العسكرية والأمنية الحالية يجب ألا تكون نهاية النقاش، بل بداية لمرحلة سياسية جديدة يتم فيها تحديد طبيعة العلاقة بين الدولة السورية والكرد بصورة دستورية وقانونية، لأن دمج القوات يمكن أن يحل مشكلة السلاح، لكنه لا يحل مشكلة الهوية والحقوق والتمثيل السياسي والإدارة المحلية واللغة والثقافة، وهذه الملفات ستبقى قائمة مهما تغيرت أسماء المؤسسات العسكرية، ولذلك فإن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة دمشق على بناء صيغة سياسية تستوعب الكرد داخل الدولة من دون أن تلغي خصوصيتهم، وفي قدرة الكرد في الوقت نفسه على تقديم مشروع سياسي واقعي يحافظ على حقوقهم من دون الدخول في صدام دائم مع الدولة.
 
المرحلة القادمة لن تكون نهاية النضال الكردي 

ما يجري اليوم في سوريا وتركيا يمثل في جوهره محاولة لإغلاق مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة وفتح مرحلة أخرى، فالولايات المتحدة تريد تقليل حضورها المباشر وإعادة توزيع أدوارها، وتركيا تريد التخلص من التهديد الذي مثلته الحركة الكردية المسلحة بالنسبة إلى أمنها القومي والاستعداد في الوقت نفسه للمرحلة التي ستلي تراجع إيران، ودمشق تريد إعادة بناء الدولة المركزية، بينما تحاول إسرائيل حماية مجالها الأمني وتوسيع نفوذها في البيئة الإقليمية الجديدة، وفي وسط هذه التحولات يجد الكرد أنفسهم أمام لحظة تاريخية لا يمكن التعامل معها بعقلية المرحلة السابقة، لأن الرهان على الحماية الخارجية لم يعد كافيا، والقوة العسكرية وحدها لم تعد قادرة على إنتاج حل سياسي، والصراعات الإقليمية التي كانت تمنح الكرد هامشا للحركة يمكن أن تنقلب في أي لحظة إلى أدوات لإعادة احتوائهم.
لذلك فإن تسليم الملف الكردي إلى تركيا، إذا استمر هذا الاتجاه، لا يعني انتهاء القضية الكردية، وإنما يعني انتقالها من موقع مختلف إلى موقع أكثر تعقيدا، فقد انتهت أو تقترب من النهاية مرحلة كان فيها الكرد قوة عسكرية محلية تحظى بدعم أمريكي مباشر، وبدأت مرحلة سيكون فيها عليهم أن يثبتوا قدرتهم على العمل السياسي داخل نظام إقليمي جديد، وفي هذه المرحلة ستكون تركيا واحدة من أهم اللاعبين الذين يجب على الكرد التعامل معهم، كما ستكون دمشق وواشنطن وأوروبا وإسرائيل والقوى العربية والإقليمية أطرافا مؤثرة في المشهد، لكن الأهم من كل ذلك هو أن الكرد يجب ألا يتحولوا مرة أخرى إلى مجرد ورقة في صراع الآخرين.
المعركة المقبلة إذن لن تكون معركة الحفاظ على السلاح بقدر ما ستكون معركة الحفاظ على القرار السياسي، ولن يكون السؤال الأساسي هو من يسيطر على الأرض، وإنما من يستطيع أن يحول وجوده الاجتماعي والسياسي إلى قوة مؤسساتية معترف بها، ومن يستطيع أن يدخل النظام الإقليمي الجديد من موقع الفاعل وليس من موقع الورقة، ولهذا فإن المرحلة التي بدأت مع نهاية الحرب على داعش تختلف جذريا عن المرحلة التي سبقتها، وإذا كان الكرد قد أثبتوا خلال السنوات الماضية قدرتهم على خوض الحرب، فإن التحدي الحقيقي الآن هو إثبات قدرتهم على خوض السياسة، وبناء التوازنات، وحماية حقوقهم، والحفاظ على استقلال قرارهم في زمن تتغير فيه موازين القوى بسرعة.
فالقضية الكردية لم تنته وإنما تغيرت أدواتها وموقعها داخل الصراع الإقليمي، والاتفاقات الحالية قد تكون نهاية لمرحلة عسكرية، لكنها لن تكون نهاية للسؤال الكردي، لأن السؤال سيعود بصورة مختلفة داخل الدساتير والمؤسسات والبرلمانات والحكومات والعلاقات الإقليمية، وهناك تحديدا ستتحدد نتيجة المرحلة الجديدة، فإما أن يتحول الكرد من قوة عسكرية محلية إلى قوة سياسية ومؤسساتية مستقلة، وإما أن يتحولوا إلى مجرد جزء من ترتيبات إقليمية صاغتها القوى الأخرى.
وهذا هو جوهر المرحلة القادمة، الولايات المتحدة تعيد توزيع أدوارها، وتركيا تتقدم إلى واجهة الأمن الإقليمي، وإيران تتراجع، وإسرائيل تستعد لصراع نفوذ جديد، وسوريا تعود إلى مركز المعادلة، أما الكرد فعليهم أن يقرروا بأنفسهم ما إذا كانوا يريدون أن يكونوا طرفا في صناعة النظام الجديد أم مجرد موضوع من موضوعاته.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!