الانسحاب الأمريكي من كوردستان: هل يدفع ترامب الكورد ثمن موقفهم من الحرب على إيران؟

آدمن الموقع
0
الانسحاب الأمريكي من كوردستان: هل يدفع ترامب الكورد ثمن موقفهم من الحرب على إيران؟
بين نهاية الوجود العسكري وإعادة صياغة المعادلة الأمنية

إعداد: فريق الجيوستراتيجي للدراسات
يدخل إقليم كوردستان مرحلة سياسية وأمنية مختلفة مع اقتراب اكتمال الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق في 30 أيلول/سبتمبر 2026، وهو انسحاب لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراء عسكري ينهي وجودا استمر بأشكال مختلفة منذ عام 2003، بل باعتباره تحولا في طبيعة المعادلة التي حكمت العلاقة بين واشنطن وبغداد وأربيل خلال السنوات الأخيرة. فالولايات المتحدة لا تغادر العراق في ظرف أمني عادي، وإنما في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، وبعد حرب مباشرة مع إيران، وفي وقت تعرض فيه إقليم كوردستان نفسه، بحسب وزارة البيشمركة، لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة خلال الأشهر الأخيرة.
وتزداد حساسية المشهد لأن الانسحاب الذي يجري تنفيذه الآن لم يبدأ بقرار مفاجئ من إدارة دونالد ترامب، بل يستند إلى تفاهم أمريكي ـ عراقي جرى التوصل إليه في عام 2024 لإنهاء مهمة التحالف العسكري في العراق، ثم جاء تنفيذ المرحلة النهائية في عهد إدارة ترامب. وقد أكد الرئيس الأمريكي في تموز/يوليو أن واشنطن لم تعد ترى ضرورة لبقاء قواتها العسكرية في العراق، فيما كانت القوات الأمريكية قد انسحبت تدريجيا من معظم المواقع العراقية، مع استمرار وجودها في إقليم كوردستان حتى المرحلة الأخيرة.
لكن ثمة فارقا بين السؤال عن أصل قرار الانسحاب والسؤال عن دلالة توقيته وآثاره السياسية. فالقرار له مسار سابق، بينما التوقيت يأتي بعد حرب أمريكية ـ إيرانية وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية. ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه على المشهد الكوردي: هل يمثل الانسحاب تنفيذا لاستراتيجية أمريكية أوسع لإعادة ترتيب الوجود العسكري في المنطقة، أم أن موقف إقليم كوردستان من الحرب على إيران دخل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في حسابات إدارة ترامب؟
هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بالاستنتاج وحده، ولا توجد حتى الآن أدلة علنية كافية تثبت أن واشنطن قررت الانسحاب من كوردستان لمعاقبة أربيل بسبب موقفها من الحرب. إلا أن طرح السؤال نفسه مشروع، لأن السياسة الدولية لا تتحرك فقط عبر القرارات المعلنة، وإنما أيضا عبر إعادة حساب المصالح وتغيير أدوات النفوذ وشروط الشراكات.
 
الأبعاد الاستراتيجية للانسحاب وتوقيت القرار

إذا نظرنا إلى الانسحاب من زاوية أمريكية أوسع، فإن واشنطن تبدو وكأنها تنتقل من نموذج الوجود العسكري المباشر إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على القدرة على التحرك من خارج العراق، مع الاحتفاظ بإمكانية التدخل عند ظهور تهديدات جديدة. وقد أوضحت القيادة المركزية الأمريكية أن انتهاء مهمة التحالف من العراق لا يعني نهاية التعاون مع القوات العراقية والبيشمركة وقوات إقليم كوردستان، وأن القوات الأمريكية الموجودة في أماكن أخرى من المنطقة ستبقى قادرة على الاستجابة للتهديدات الناشئة.
هذه النقطة مهمة لأنها تمنع اختزال السياسة الأمريكية في فكرة «الانسحاب الكامل من المنطقة». فالانسحاب من قاعدة أو دولة لا يعني بالضرورة الانسحاب من المجال الجيوسياسي الذي تتحرك فيه واشنطن. الولايات المتحدة تستطيع تقليص تكاليف وجودها العسكري المباشر، مع الإبقاء على أدوات الردع والاستخبارات والقوة الجوية والقدرة على إعادة الانتشار من قواعد إقليمية أخرى. وبالتالي فإن السؤال بالنسبة إلى كوردستان لا ينبغي أن يكون فقط: هل ستبقى القوات الأمريكية في أربيل؟ بل: هل ستبقى واشنطن قادرة ومستعدة لاستخدام قوتها عندما يتعرض الإقليم لتهديد استراتيجي؟
وهنا تظهر مشكلة التوقيت. فإقليم كوردستان لا يدخل مرحلة ما بعد الوجود الأمريكي في ظروف مستقرة. بل إن الانسحاب يأتي في أعقاب صراع أمريكي ـ إيراني مباشر، وفي وقت أصبحت فيه البنية الأمنية للعراق نفسها موضع اختبار. وفي هذا السياق، حذرت وزارة البيشمركة من أن مغادرة القوات الأمريكية من دون توفير منظومة دفاع جوي تمثل مصدر قلق، مؤكدة في الوقت نفسه أن حماية أجواء الإقليم، باعتبارها جزءا من الأجواء العراقية، تقع ضمن مسؤولية الحكومة الاتحادية في بغداد.
وبذلك فإن دلالة الانسحاب بالنسبة إلى كوردستان تتجاوز عدد الجنود الأمريكيين الموجودين على الأرض. القضية ترتبط بمنظومة الردع التي نشأت خلال السنوات الماضية، وبمدى قدرة الإقليم على التعامل مع تهديدات جوية وصاروخية ومسيّرات يمكن أن تأتي من جهات متعددة، في وقت لا يمتلك فيه الإقليم منظومة دفاع جوي مستقلة قادرة على سد جميع هذه الفجوات.
 
موقف الكورد من الحرب الأمريكية ـ الإيرانية

خلال الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، وجد إقليم كوردستان نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، ترتبط أربيل بعلاقة استراتيجية طويلة مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى يقع الإقليم جغرافيا في بيئة إقليمية تتقاطع فيها المصالح الإيرانية والتركية والعراقية والأمريكية. ولذلك فإن تحويل أراضي كوردستان إلى قاعدة مفتوحة للمواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران كان يمكن أن يضع الإقليم أمام تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية واسعة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم حرص القيادة الكوردية على تجنب الظهور باعتبارها طرفا مباشرا في الحرب. فالمعادلة بالنسبة إلى أربيل ليست مشابهة للمعادلة الأمريكية. واشنطن تستطيع إدارة الحرب من منظومة إقليمية أوسع، بينما كوردستان موجودة داخل جغرافيا محدودة ومحاطة بدول وقوى يمكنها ممارسة ضغط مباشر عليها.
غير أن هذا الخيار يفتح في المقابل سؤالا سياسيا حساسا: هل كانت واشنطن تنتظر من شركائها الكورد موقفا أكثر انخراطا في الحرب ضد إيران؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فهل اعتبرت الإدارة الأمريكية موقف أربيل نوعا من الحياد غير المرغوب فيه؟
لا توجد معطيات علنية كافية تسمح بتحويل هذه الفرضية إلى حقيقة. لكن من الضروري وضعها ضمن سياق العلاقة بين الطرفين، خصوصا أن الولايات المتحدة دعمت البيشمركة لسنوات في الحرب ضد تنظيم داعش، وأن هذه العلاقة الأمنية نشأت على أساس مصالح مشتركة وليست على أساس تحالف عاطفي أو التزام أمريكي غير مشروط بأمن الإقليم.
 
ترامب والكورد: من الشراكة الأمنية إلى حسابات المصالح

العلاقة بين ترامب والكورد لا يمكن فصلها عن طبيعة السياسة الخارجية التي تنتهجها إدارته. فالمعادلات التي تقوم عليها السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط باتت أكثر ارتباطا بحسابات التكلفة والعائد، وبقدرة الحلفاء المحليين على تحمل مسؤولياتهم الأمنية، وبمدى انسجامهم مع الأولويات الأمريكية.
ومن هذه الزاوية، فإن العلاقة مع كوردستان قد تدخل مرحلة مختلفة. فالولايات المتحدة ساعدت في بناء قدرات البيشمركة، وقدمت التدريب والمعلومات والدعم العسكري، لكن واشنطن في الوقت نفسه تريد أن تنتقل مسؤولية الأمن الداخلي العراقي، بما فيه مواجهة تنظيم داعش، بصورة أكبر إلى القوات العراقية والبيشمركة نفسها. وقد أكدت واشنطن أن القوات العراقية، بما فيها قوات البيشمركة وقوات أمن إقليم كوردستان، ستقود المعركة ضد التنظيم بعد انتهاء المهمة الأمريكية.
هذا التحول يحمل رسالة واضحة: الشراكة يمكن أن تستمر، لكن شكلها قد يتغير. فبدلا من أن تكون العلاقة قائمة على وجود أمريكي ميداني دائم، يمكن أن تتحول إلى تعاون أمني واستخباري وتسليحي واستشاري، مع إبقاء إمكانية التدخل الأمريكي من خارج العراق عندما تقتضي الضرورة.
وهنا يصبح موقف الكورد من الحرب على إيران جزءا من الصورة، لكنه ليس بالضرورة العامل الوحيد أو حتى العامل الحاسم. فالولايات المتحدة لديها أسباب استراتيجية أوسع للانسحاب، تتعلق بمستقبل المهمة العسكرية في العراق وبإعادة توزيع قواتها في المنطقة. ولذلك فإن ربط القرار حصرا بموقف أربيل من الحرب قد يكون تبسيطا لقرار أكبر من العلاقة الثنائية بين واشنطن وكوردستان.
 
هل كان موقف أربيل من الحرب سببا أم مجرد عامل ثانوي؟

هذا هو السؤال الأكثر حساسية في القضية كلها. إذا اعتبرنا أن قرار الانسحاب بدأ قبل الحرب، فإن فرضية أن ترامب اتخذ القرار كعقوبة مباشرة على موقف الكورد تصبح أضعف من الناحية الزمنية. فالولايات المتحدة والعراق توصلا إلى اتفاق في 2024 لإنهاء مهمة التحالف، وأكدت واشنطن وبغداد خلال 2026 أن موعد 30 أيلول/سبتمبر يمثل الموعد النهائي لتنفيذ الانسحاب. كما أن رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني أكد أن وجود القوات الأمريكية في أربيل يستند إلى الاتفاق الأمريكي ـ الاتحادي وليس إلى اتفاق منفصل بين واشنطن والإقليم.
لكن ضعف فرضية «العقوبة المباشرة» لا يلغي السؤال المتعلق بالتوقيت السياسي. فإدارة ترامب هي التي تنفذ المرحلة النهائية من الاتفاق، وهي التي تقرر في النهاية شكل العلاقة الأمنية المستقبلية مع أربيل. لذلك يمكن لموقف الكورد من الحرب أن يكون أحد العناصر التي تدخل في حسابات أوسع تتعلق بتقييم واشنطن للشراكة، حتى من دون أن يكون سببا مباشرا للانسحاب.
والفارق هنا جوهري. هناك فرق بين القول إن ترامب سحب القوات لمعاقبة الكورد، وبين القول إن موقف الكورد من الحرب قد يؤثر في كيفية إعادة صياغة العلاقة الأمنية الأمريكية معهم. الأول يحتاج إلى دليل مباشر، بينما الثاني يدخل في نطاق التحليل السياسي الممكن ما لم تظهر معلومات جديدة.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في مغادرة القوات الأمريكية وحدها، بل في الأشهر والسنوات المقبلة: هل ستستمر واشنطن في تسليح وتدريب البيشمركة؟ هل ستبقى ملتزمة بالتعاون الاستخباري؟ هل ستتدخل عند تعرض الإقليم لهجوم واسع؟ وهل ستعمل على تطوير قدرات دفاعية للإقليم أم ستترك الملف بالكامل لبغداد؟
الإجابات عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان الانسحاب مجرد انتقال في طبيعة الشراكة أم تراجعا استراتيجيا حقيقيا.
 
إيران وبغداد في مرحلة ما بعد الوجود الأمريكي

الطرف الذي يراقب الانسحاب الأمريكي بعناية هو إيران، لأن خروج القوات الأمريكية من العراق يزيل جزءا من الوجود العسكري الذي شكّل خلال السنوات الماضية عاملا من عوامل الردع أمام القوى المرتبطة بطهران. وقد وصفت تقارير حديثة الانسحاب بأنه تطور يمكن أن يزيد مساحة الحركة السياسية والأمنية للقوى المدعومة من إيران داخل العراق.
لكن مستقبل العلاقة بين بغداد وطهران لن يتحدد فقط بغياب القوات الأمريكية. فالدولة العراقية تحاول في الوقت نفسه تعزيز مفهوم السيادة وحصر السلاح بيد الدولة، بينما لا تزال قوى مسلحة مؤثرة خارج البنية العسكرية التقليدية للدولة. وهنا تكمن إحدى أكبر نقاط الاختبار: هل تستطيع بغداد أن تملأ الفراغ الذي يتركه الانسحاب الأمريكي، أم أن الفراغ سيتحول إلى مساحة تتنافس عليها القوى السياسية والأمنية المختلفة؟
بالنسبة إلى كوردستان، فإن هذه المسألة شديدة الأهمية. فالإقليم مرتبط دستوريا بالدولة العراقية، ووزارة البيشمركة نفسها أكدت استمرار التنسيق مع القوات العراقية، كما شددت على أن حماية المجال الجوي للإقليم مسؤولية اتحادية.
لكن الاعتماد على بغداد وحدها يفتح سؤالا آخر يتعلق بقدرة الحكومة الاتحادية على بناء منظومة أمن وطني متوازنة لا تتحول فيها العلاقة الأمنية إلى أداة ضغط سياسي على الإقليم. ولذلك فإن العلاقة بين أربيل وبغداد بعد الانسحاب الأمريكي ستحتاج إلى صيغة جديدة، خصوصا في ملفات الأمن والدفاع والمناطق المتنازع عليها.
 
ماذا يعني غياب المظلة الأمريكية عن أمن كوردستان؟

وجود القوات الأمريكية في كوردستان لم يكن مجرد وجود عسكري رمزي. فقد ارتبط خلال سنوات الحرب على داعش بالتدريب والدعم الاستخباري والعمليات المشتركة والمساندة الجوية واللوجستية. وبالتالي فإن غياب القوات الأمريكية المباشر يعني أن على الإقليم إعادة تقييم منظومة الأمن التي اعتمد عليها خلال المرحلة الماضية.
الأكثر حساسية هو ملف الدفاع الجوي. فوزارة البيشمركة قالت صراحة إن خروج القوات الأمريكية من دون توفير منظومة دفاعية يمثل مصدر قلق، خصوصا في ظل تعرض الإقليم خلال الحرب الأخيرة لهجمات واسعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وهذا يعني أن الخطر لا يكمن فقط في عودة تنظيم داعش أو في الصراع التقليدي بين القوات البرية، وإنما في تطور نمط الحرب في المنطقة نحو الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والاستهداف عن بعد. ومن دون تطوير قدرات دفاعية مناسبة، سيبقى الإقليم معرضا لضغوط أكبر من قوى تمتلك قدرات صاروخية وجوية متقدمة.
لذلك فإن مرحلة ما بعد الانسحاب تفرض على القرار الكوردي الانتقال من الاعتماد على «المظلة» إلى بناء منظومة أمن متعددة الطبقات، يكون فيها الدعم الدولي أحد عناصر القوة وليس مصدر القوة الوحيد.
 
البيشمركة أمام اختبار إعادة بناء القوة والدفاع

الانسحاب الأمريكي يضع قوات البيشمركة أمام اختبار تاريخي جديد. فقد أثبتت البيشمركة خلال الحرب ضد داعش قدرتها على الدفاع عن أراضي الإقليم والتعاون مع التحالف الدولي، لكن مرحلة ما بعد التحالف تتطلب أكثر من مجرد القدرة على القتال البري.
المطلوب هو تطوير مؤسسة عسكرية أكثر توحيدا وقدرة على العمل ضمن منظومة قيادة وسيطرة حديثة، مع تطوير قدرات الاستطلاع والمراقبة والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وحماية المنشآت الحيوية. وهذا يرتبط أيضا بمسألة توحيد قوات البيشمركة، التي ظلت لسنوات مرتبطة بدرجات مختلفة بالبنية السياسية للحزبين الكورديين الرئيسيين.
إن بناء مؤسسة عسكرية كوردية موحدة لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره مطلبا داخليا، بل باعتباره عنصرا أساسيا في أي استراتيجية دفاعية مستقبلية. فكلما كانت المؤسسة العسكرية أكثر وحدة وتنظيما، زادت قدرة الإقليم على التفاوض مع بغداد وواشنطن وأنقرة وطهران من موقع أكثر توازنا.
وهنا قد يكون الانسحاب الأمريكي فرصة لإعادة بناء مفهوم الأمن الكوردي على أسس مختلفة، إذا استطاعت القوى السياسية الكوردية تحويل الخطر إلى حافز للإصلاح بدلا من التعامل معه باعتباره مجرد فقدان للحماية الأمريكية.
 
هل تنتهي الشراكة الأمريكية ـ الكوردية أم تتغير طبيعتها؟

المؤشرات الحالية لا تسمح بالقول إن الشراكة الأمريكية ـ الكوردية انتهت. فقبل موعد الانسحاب، أكدت القيادة المركزية الأمريكية استمرار الالتزام بأمن إقليم كوردستان والعراق، وأشارت إلى أن القوات الأمريكية الموجودة في أماكن أخرى من المنطقة ستواصل العمل مع القوات العراقية والبيشمركة وقوات الإقليم عند ظهور تهديدات.
لكن الشراكة التي ستستمر بعد 30 أيلول/سبتمبر لن تكون بالضرورة شبيهة بالشراكة التي عرفها الإقليم خلال السنوات السابقة. فغياب القوات الأمريكية من الأرض يغير قواعد اللعبة، ويجعل قدرة واشنطن على الاستجابة مرتبطة بمواقعها الإقليمية الأخرى وبالقرار السياسي الأمريكي في لحظة الأزمة.
وهنا ينبغي على كوردستان ألا تقيس قوة العلاقة مع واشنطن بعدد الجنود الأمريكيين الموجودين في أربيل فقط. القوة الحقيقية للعلاقة ستظهر في مستوى التعاون الاستخباري والتسليحي والدبلوماسي، وفي استعداد واشنطن لاستخدام نفوذها عندما تتعرض المصالح الحيوية للإقليم للخطر.
 
كوردستان بين واشنطن وطهران وأنقرة وبغداد

إقليم كوردستان يقف اليوم أمام معادلة إقليمية أكثر تعقيدا من السابق. واشنطن تريد تقليل الوجود العسكري المباشر، بغداد تريد تعزيز سلطة الدولة الاتحادية، طهران تراقب تراجع الوجود الأمريكي باعتباره تحولا في ميزان القوى، بينما تواصل تركيا التعامل مع شمال العراق باعتباره جزءا أساسيا من أمنها القومي.
ولهذا فإن هامش الحركة الكوردي يصبح أكثر صعوبة. فلا تستطيع أربيل بناء استراتيجيتها على الولايات المتحدة وحدها، كما لا تستطيع تحويل بغداد إلى البديل الوحيد، ولا يمكنها تجاهل إيران أو تركيا بحكم الجغرافيا والاقتصاد والأمن.
المطلوب هو سياسة توازن دقيقة، تقوم على تعدد الشراكات وليس تعدد التبعية. فالعلاقة مع واشنطن ينبغي أن تستمر ضمن إطار المصالح المتبادلة، والعلاقة مع بغداد تحتاج إلى إعادة تنظيم على أساس دستوري، والعلاقة مع تركيا تحتاج إلى إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية بصورة تمنع تحول الإقليم إلى ساحة صراع، بينما تتطلب العلاقة مع إيران سياسة واقعية تحمي مصالح كوردستان وتمنع استخدامها كمنصة لاستهداف الأراضي الإيرانية أو تحويلها في الوقت نفسه إلى منطقة نفوذ إيراني.
 
التهديد التركي على إقليم كوردستان

لا يمكن تحليل مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي من دون التوقف عند تركيا، لأن أنقرة تمتلك حضورا عسكريا وأمنيا مباشرا في شمال العراق، وتتعامل مع وجود حزب العمال الكوردستاني باعتباره تهديدا لأمنها القومي. وفي المقابل، فإن استمرار العمليات التركية في مناطق من إقليم كوردستان يضع حكومة الإقليم أمام معادلة شديدة الحساسية بين مصالحها مع تركيا وبين قضية السيادة والأمن الداخلي.
لكن المشهد التركي نفسه شهد تطورا مهما في الأيام الأخيرة. فقد اتفقت أنقرة وبغداد في 23 أيلول/سبتمبر على نقل السيطرة تدريجيا على قاعدة باشيقا ـ زليكان إلى الحكومة العراقية، بالتزامن مع تفاهمات بشأن تعزيز سلطة الدولة العراقية في سنجار وإنهاء وجود جماعات مسلحة تصفها أنقرة بأنها غير قانونية. ومن المتوقع، وفق التقارير، أن تتم عملية تسليم القاعدة بحلول نهاية العام.
هذا التطور لا يعني انتهاء الوجود العسكري التركي في شمال العراق، لكنه يشير إلى احتمال انتقال جزء من الملف من الوجود العسكري التركي المباشر إلى صيغة تعاون أمني تركي ـ عراقي. وهذه الصيغة قد تكون ذات أهمية كبيرة لكوردستان، لأنها قد تعيد تشكيل التوازن بين أنقرة وبغداد وأربيل.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار وجود قواعد وعمليات تركية أخرى في شمال العراق يعني أن التهديد التركي سيبقى جزءا من الحسابات الأمنية الكوردية، خصوصا إذا لم تنجح المسارات السياسية المتعلقة بحزب العمال الكوردستاني في إنهاء الصراع بصورة نهائية.
 
كوردستان أمام مرحلة استراتيجية مختلفة
 
المشكلة التي تواجه كوردستان اليوم ليست في انسحاب قوة أجنبية فحسب، وإنما في انتهاء مرحلة كاملة من العلاقات الأمنية التي نشأت بعد ظهور تنظيم داعش عام 2014. خلال تلك المرحلة كان وجود التحالف الدولي عاملا رئيسيا في حماية التوازن الأمني، بينما كانت البيشمركة شريكا ميدانيا أساسيا في الحرب ضد التنظيم.
أما اليوم، فإن الولايات المتحدة تقول إن المهمة العسكرية للتحالف في العراق وصلت إلى نهايتها، وإن القوات العراقية والبيشمركة أصبحتا مطالبتين بتحمل مسؤولية أكبر عن الأمن. وفي الوقت نفسه، فإن البيئة الإقليمية لم تصبح أكثر استقرارا، بل شهدت خلال الفترة الأخيرة حربا أمريكية ـ إيرانية وهجمات واسعة على إقليم كوردستان.
وهذه المفارقة هي التي تجعل الانسحاب أكثر حساسية بالنسبة إلى الكورد: المسؤولية الأمنية تتزايد في الوقت الذي تتراجع فيه المظلة العسكرية المباشرة.
 
الخلاصة: مرحلة جديدة تتطلب استراتيجية كوردية مختلفة

إن السؤال حول ما إذا كان إقليم كوردستان يدفع ثمن موقفه من الحرب على إيران سيبقى مطروحا، لكن المعطيات الحالية لا تكفي لإثبات أن الانسحاب الأمريكي كان قرارا عقابيا موجها ضد الكورد. فالقرار يعود إلى تفاهم أمريكي ـ عراقي سابق، وقد جرى تحديد موعده قبل الحرب الأخيرة، كما أن واشنطن لا تزال تؤكد استمرار التعاون الأمني مع البيشمركة وقوات الإقليم.
لكن هذا لا يعني أن كوردستان تستطيع التعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها مجرد استمرار للماضي. فالانسحاب يفرض تحولا حقيقيا في طريقة إدارة الأمن والعلاقات الدولية. ولم تعد الحماية الأمريكية المباشرة مضمونة كما كانت، ولم تعد البيئة الإقليمية تسمح للإقليم بالاعتماد على طرف واحد مهما كانت قوة العلاقة معه.
لذلك فإن الأولوية الكوردية ينبغي أن تنتقل إلى بناء استراتيجية أمن قومي أكثر استقلالا وتوازنا، تبدأ بتوحيد مؤسسة البيشمركة وتطوير قدراتها الدفاعية، خصوصا في مجال الدفاع الجوي ومواجهة الطائرات المسيّرة، وتعيد تنظيم العلاقة الأمنية مع بغداد على أساس دستوري واضح، وتحافظ في الوقت نفسه على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن من دون تحويلها إلى بديل عن بناء القوة الذاتية.
كما أن المرحلة الجديدة تتطلب إدارة أكثر دقة للعلاقات مع تركيا وإيران، وعدم السماح بتحويل أراضي كوردستان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فالقوة الكوردية في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بقدرة البيشمركة على القتال، وإنما بقدرة القيادة السياسية على بناء شبكة علاقات دولية متوازنة تمنع العزلة، وتقلل مصادر الضغط، وتحافظ على مصالح كوردستان في مواجهة التحولات المتسارعة.
إن خروج القوات الأمريكية من كوردستان لا يعني بالضرورة خروج الولايات المتحدة من المعادلة الكوردية، كما أن بقاء التعاون الأمريكي لا يعني استمرار المظلة الأمنية السابقة. ما يحدث هو انتقال من مرحلة الحضور العسكري المباشر إلى مرحلة اختبار الشراكة من دون ذلك الحضور.
وفي هذه النقطة تحديدا يكمن التحدي الحقيقي أمام الكورد: ليس السؤال فقط عما إذا كانت واشنطن ستبقى إلى جانبهم، وإنما هل تستطيع كوردستان أن تعيد بناء موقعها الاستراتيجي بحيث تصبح الشراكة مع واشنطن إضافة إلى قوتها، لا بديلا عنها؟

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!