إستراتيجية غادي آيزنكوت في التعامل مع ملفات التي عمل عليها نتنياهو في حال فوزه بالانتخابات

آدمن الموقع
0
إستراتيجية غادي آيزنكوت في التعامل مع ملفات التي عمل عليها نتنياهو في حال فوزه بالانتخابات
تغيير القيادة لا يعني بالضرورة تغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية
 
إعداد: فريق الجيوستراتيجي للدراسات
تفتح الانتخابات الإسرائيلية التي تجري في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 الباب أمام احتمال انتقال السلطة من بنيامين نتنياهو إلى غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب «يَشار» (Yashar). غير أن أهمية هذا الاحتمال لا تكمن في تغيير اسم رئيس الحكومة فحسب، بل في طبيعة المقاربة التي قد يعتمدها آيزنكوت لإدارة الملفات الأمنية والعسكرية والإقليمية التي تصدّرت عهد نتنياهو، من إيران إلى غزة ولبنان وسوريا، وصولاً إلى العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا والتوازنات الداخلية الإسرائيلية. وتبقى هذه القراءة مشروطة بتشكيل الحكومة فعلياً وبالبرنامج الذي ستتبناه، إذ إن النتائج الأولية والتوقعات الانتخابية لا تعني وحدها حسم هوية الحكومة المقبلة أو قدرتها على تنفيذ تعهداتها.
من الخطأ افتراض أن وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة سيؤدي تلقائياً إلى انقلاب في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فالرجل ينتمي إلى المؤسسة العسكرية، وشغل منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019، وهو يحمل خلفية أمنية تجعله أقرب إلى التفكير الاستراتيجي القائم على تقدير التهديدات وموازين القوة والقدرة على استخدام القوة العسكرية عند الضرورة. لكن الفارق المحتمل بينه وبين نتنياهو قد يظهر في كيفية توظيف القوة، وفي العلاقة بين العمليات العسكرية والأهداف السياسية، وفي إدارة التحالفات الدولية، فضلاً عن التعامل مع تداعيات الحرب على المجتمع الإسرائيلي ومؤسسات الدولة. لذلك، فإن السؤال الأساسي ليس ما إذا كان آيزنكوت سيتخلى عن أدوات القوة التي اعتمدها نتنياهو، بل ما إذا كان سيستخدمها ضمن استراتيجية أكثر وضوحاً من حيث الأهداف والنهايات السياسية.
 
إيران: بين الضغط العسكري وتجنب الحرب المفتوحة

يمثل الملف الإيراني أحد أبرز ميادين الاختلاف المحتمل بين آيزنكوت ونتنياهو. فكلاهما ينظر إلى البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية وشبكة القوى الحليفة لطهران بوصفها تحديات استراتيجية مباشرة للأمن الإسرائيلي، لكن الاختلاف قد يتعلق بتقدير الوسائل اللازمة لمواجهتها، وبالحدود التي ينبغي أن تتوقف عندها العمليات العسكرية. فنتنياهو قدّم المواجهة مع إيران باعتبارها معركة وجودية تتطلب مواصلة الضغط العسكري، بينما تشير مواقف آيزنكوت المتداولة في التغطيات الانتخابية إلى أنه أقل اقتناعاً بإمكانية إسقاط النظام الإيراني بالقوة، وأكثر ميلاً إلى الجمع بين الضغط الاقتصادي والدبلوماسية والضربات العسكرية المحددة عندما يراها ضرورية.
إذا تولى آيزنكوت الحكومة، فمن المرجح أن يظل منع إيران من امتلاك سلاح نووي هدفاً مركزياً في السياسة الإسرائيلية، لكن التعامل مع هذا الهدف قد يصبح أكثر ارتباطاً بتحديد النتائج القابلة للتحقيق وتجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة يصعب التحكم بمسارها. وقد يسعى إلى تعزيز التنسيق مع واشنطن في ملفات الاستخبارات والدفاع والضغط الاقتصادي، مع الاحتفاظ بالخيار العسكري ضد المنشآت أو القدرات التي تعتبرها إسرائيل تهديداً مباشراً. وهذا لا يعني التخلي عن الردع أو التراجع عن استخدام القوة، بل محاولة ربطهما باستراتيجية سياسية أوسع، بدلاً من جعل التصعيد غاية قائمة بذاتها.
وتبرز هنا مسألة العلاقة مع الولايات المتحدة باعتبارها عاملاً حاسماً. فإسرائيل تحتاج إلى الدعم العسكري والتكنولوجي والسياسي الأميركي، لكن اعتمادها الكبير على واشنطن قد يقيّد قدرتها على اتخاذ قرارات منفردة في لحظات التصعيد. وقد يحاول آيزنكوت إعادة تنظيم هذه العلاقة على أساس التنسيق المسبق وتحديد المصالح المشتركة، مع الحفاظ على هامش من الاستقلال في القرار الإسرائيلي. ومع ذلك، فإن أي خلاف مع الإدارة الأميركية حول إيران أو توقيت الضربات أو شروط إنهاء الحرب قد يتحول إلى اختبار مبكر لقدرته على الموازنة بين الطموحات الأمنية الإسرائيلية والقيود الدولية.
 
غزة: الحسم العسكري ومأزق اليوم التالي

لا يبدو أن وصول آيزنكوت سيعني التخلي عن هدف إضعاف القدرات العسكرية لحركة حماس أو منعها من إعادة بناء قوتها. فخلفيته العسكرية ومواقفه الأمنية لا تشير إلى تبني مقاربة تقوم على الانسحاب غير المشروط أو القبول بعودة الوضع السابق إلى قطاع غزة. لكن الاختلاف المحتمل مع نتنياهو قد يظهر في الانتقال من إدارة الحرب إلى تحديد تصور سياسي وإداري لما بعدها، وفي محاولة تجنب استمرار العمليات العسكرية من دون أفق واضح لإنهاء الصراع أو ترتيب إدارة القطاع.
لقد أظهرت تجربة الحرب أن التفوق العسكري لا يحسم وحده الأسئلة المتعلقة بالحكم والأمن وإعادة الإعمار. فإضعاف حماس عسكرياً لا يجيب تلقائياً عن الجهة التي ستدير غزة، ولا عن مستقبل المؤسسات المدنية، ولا عن آليات منع عودة الفوضى أو ظهور قوى مسلحة جديدة. ومن هنا، قد يسعى آيزنكوت إلى بلورة صيغة تجمع بين استمرار الضغط الأمني، وترتيبات رقابة على المعابر والحدود، وإدارة مدنية بديلة عن حكم حماس، مع دور محتمل لأطراف فلسطينية وإقليمية ودولية. وقد يطرح هذا السياق دور السلطة الفلسطينية أو صيغة إدارية مرتبطة بها، لكن نجاح أي خيار سيعتمد على موقف الأطراف الفلسطينية، وعلى طبيعة الضمانات الأمنية، وعلى مدى استعداد إسرائيل لقبول ترتيبات سياسية تتجاوز السيطرة العسكرية المباشرة.
مع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين البحث عن إدارة بديلة لغزة وبين تبني حل سياسي شامل للقضية الفلسطينية. فآيزنكوت لا يُعرف باعتباره صاحب مشروع واضح يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة وفق تسوية نهائية، كما أن مواقفه الأمنية تضع اعتبارات حماية إسرائيل في صدارة الأولويات. لذلك قد يكون التغيير في هذا الملف إدارياً وتكتيكياً أكثر منه تحولاً استراتيجياً في الموقف من الحقوق الوطنية الفلسطينية. وستظل المؤشرات الحاسمة هي موقف حكومته من إعادة الإعمار، وحرية الحركة المدنية، والانسحاب العسكري، ومستقبل السيطرة على القطاع، ومدى قبولها بدور سياسي فلسطيني حقيقي.
 
لبنان وحزب الله: الردع وترتيبات الحدود

يشكل لبنان جبهة أخرى ستختبر قدرة آيزنكوت على تحويل التفوق العسكري إلى استقرار أمني طويل الأمد. فقد أدت المواجهة مع حزب الله إلى إضعاف قدرات عسكرية وبنية قيادية للحزب، لكنها لم تُنهِ بصورة نهائية العوامل السياسية والعسكرية التي تسمح بإعادة بناء القوة أو تجدد الاشتباكات. ومن ثم، فإن استمرار الضربات وحده لا يضمن منع التصعيد مستقبلاً، خصوصاً إذا بقيت الحدود عرضة للاحتكاكات ولم تتوافر آلية موثوقة لتنفيذ أي تفاهمات.
قد يركز آيزنكوت على تثبيت معادلة ردع تمنع حزب الله من إعادة بناء قدراته الهجومية قرب الحدود، بالتوازي مع الاستفادة من دور الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة في مراقبة التفاهمات الأمنية. ويمكن أن تشمل أي مقاربة مستقبلية تعزيز انتشار الجيش اللبناني، ومراقبة المناطق الحدودية، ووضع ترتيبات تحد من نقل الأسلحة وإعادة إنشاء البنية العسكرية للحزب في مناطق التماس. لكن هذه الخيارات ستواجه تحديات جدية، لأن قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها ترتبط بتوازنات داخلية معقدة، كما أن حزب الله لا يمثل مجرد تنظيم عسكري منفصل عن المشهد السياسي اللبناني.
وعليه، قد يكون الفارق بين آيزنكوت ونتنياهو في إدارة العلاقة بين الردع والتسوية، وليس في التخلي عن استخدام القوة. فالحكومة التي تعتمد على العمليات العسكرية من دون مسار سياسي أو أمني قابل للاستمرار قد تجد نفسها أمام جولات متكررة من التصعيد، بينما تتطلب الترتيبات الأكثر استقراراً ضمانات متبادلة وآليات مراقبة وقدراً من التفاهم الدولي. غير أن أي اتفاق لن يكون مضموناً بمجرد تغير القيادة في إسرائيل، بل سيظل رهناً بمواقف حزب الله والدولة اللبنانية والجهات الدولية المعنية.
 
سوريا: الأمن الحدودي وإعادة رسم قواعد التعامل

يمثل الملف السوري مجالاً شديد الحساسية، لأن التحولات في بنية السلطة السورية والتوازنات الإقليمية تفتح احتمالات متعددة أمام إسرائيل، تتراوح بين التفاهمات الأمنية المحدودة واستمرار التدخل العسكري لمنع تشكل تهديدات قرب حدودها. وقد تتعامل حكومة آيزنكوت مع سوريا من منظور تقليدي يركز على منع نقل الأسلحة المتطورة إلى خصوم إسرائيل، ومراقبة التحركات العسكرية في الجنوب السوري، والحفاظ على حرية العمل الجوي والاستخباراتي. لكن تحويل هذه الأولويات إلى سياسة مستقرة يتطلب تقديراً دقيقاً للتغيرات داخل سوريا ولمواقف القوى الإقليمية والدولية الموجودة فيها.
وقد يكون من مصلحة أي حكومة إسرائيلية البحث عن ترتيبات تحد من احتمالات المواجهة على الحدود، خصوصاً إذا أمكن التوصل إلى تفاهمات تتعلق بالانتشار العسكري والسلاح الثقيل ومنع استخدام الأراضي السورية لشن هجمات على إسرائيل. إلا أن ذلك لا يعني وجود اتفاق جاهز أو أن آيزنكوت يمتلك خطة معلنة ومتكاملة للتسوية مع دمشق. فالحديث عن ترتيبات أمنية يظل احتمالاً تحكمه الظروف الميدانية، ومواقف السلطات السورية، وأدوار الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، فضلاً عن طبيعة التهديدات التي ترى إسرائيل أنها تواجهها.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة الوجود العسكري الإسرائيلي في بعض المناطق السورية، بما فيها المواقع المرتفعة والمناطق القريبة من خط الفصل، بوصفها عاملاً يمكن أن تستخدمه إسرائيل للضغط أو التفاوض، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مصدر توتر دائم. فإذا أرادت حكومة جديدة تقليل مخاطر المواجهة، فسيكون عليها تحديد ما إذا كانت هذه المواقع تمثل ضرورة أمنية مؤقتة أم جزءاً من سياسة طويلة الأمد. ولا يمكن الجزم بأن آيزنكوت سيختار الانسحاب أو التفاوض أو استمرار الوجود العسكري من دون قرارات رسمية ومواقف واضحة تصدر عن حكومته.
 
تركيا: تنافس إقليمي من دون ضرورة المواجهة المباشرة

تتداخل العلاقة مع تركيا مع مستقبل سوريا وتوازنات الشرق الأوسط الأوسع. فأنقرة تمتلك مصالح أمنية وسياسية في الأراضي السورية، وتسعى إلى التأثير في شكل النظام الأمني الإقليمي، بينما تحرص إسرائيل على الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية ومنع ظهور قدرات قد تقيد عملياتها أو تغير ميزان القوة. وقد يؤدي اتساع النفوذ التركي في سوريا إلى احتكاكات مباشرة أو غير مباشرة، خاصة إذا تداخلت مناطق النشاط العسكري أو ظهرت ترتيبات دفاعية تحد من قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات جوية.
ومن المرجح أن تتعامل حكومة آيزنكوت مع هذا الملف عبر حسابات عسكرية ودبلوماسية، مع محاولة إبقاء قنوات التواصل مع واشنطن مفتوحة لتجنب الاحتكاك بين حليفين مختلفين للولايات المتحدة. لكن لا توجد ضرورة استراتيجية تفرض أن تتحول المنافسة إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا؛ إذ إن كلفة الصدام ستكون مرتفعة على الطرفين، كما أن المصالح الأميركية والأوروبية قد تدفع باتجاه احتواء الخلافات. وسيعتمد المسار الفعلي على حجم الوجود التركي وطبيعته، وعلى قواعد العمل العسكري في سوريا، وعلى مدى استعداد الطرفين للقبول بتفاهمات تحد من مخاطر التصعيد.
لذلك، فإن التحدي أمام آيزنكوت لن يكون فقط كيفية الحد من النفوذ التركي، بل كيفية منع هذا النفوذ من التحول إلى سبب دائم للصدام الإقليمي. وقد يتطلب ذلك التمييز بين المصالح التركية التي يمكن احتواؤها عبر التفاهمات، والتحركات التي تعتبرها إسرائيل تهديداً مباشراً لأمنها. وفي جميع الأحوال، فإن تقييم سياسة آيزنكوت تجاه تركيا ينبغي أن يستند إلى قراراته الفعلية ومواقف حكومته، لا إلى افتراض أن خلفيته العسكرية ستقوده بالضرورة إلى التصعيد.
 
القضية الكردية: تقاطع المصالح لا يعني تطابق الأهداف

تحتل القضية الكردية موقعاً مهماً في معادلات سوريا وتركيا والعراق وإيران، لكنها تحتاج إلى قراءة حذرة عند تحليل سياسة أي حكومة إسرائيلية محتملة. فقد تتقاطع المصالح الإسرائيلية مع بعض القوى الكردية في ملفات تتعلق بمواجهة خصوم إقليميين أو الحد من نفوذ أطراف معينة، إلا أن هذا التقاطع لا يكفي وحده للاستنتاج بأن حكومة آيزنكوت ستتبنى مشروعاً سياسياً لدعم الحقوق القومية الكردية أو إقامة كيان كردي مستقل. فالمواقف الرسمية تجاه القضية الكردية لا تُقاس فقط بالتصريحات أو بالاتصالات الظرفية، بل بما إذا كانت تتحول إلى سياسة معلنة ومستدامة.
وفي حال تولي آيزنكوت الحكومة، سيكون من المهم مراقبة موقفها من مستقبل شمال وشرق سوريا، ومن حقوق المكونات المحلية، ومن ترتيبات الحكم والأمن في المناطق الكردية، فضلاً عن علاقتها مع تركيا والولايات المتحدة. فقد ترى إسرائيل في وجود قوى كردية منظمة عاملاً مؤثراً في توازنات المنطقة، لكنها ستظل تحسب خطواتها وفق مصالحها الأمنية الأوسع وعلاقاتها الدولية. كما أن أي انفتاح على القوى الكردية سيبقى مرتبطاً بقدرة هذه القوى على إدارة علاقاتها مع الأطراف الإقليمية، وبالتطورات في سوريا والعراق وإيران، وبمواقف واشنطن من مستقبل المنطقة.
ومن الضروري هنا التمييز بين دعم حقوق الشعب الكردي بوصفها مسألة سياسية وقومية، وبين توظيف الورقة الكردية في إطار المنافسة الإقليمية. فقد تتقاطع المصالح في مرحلة معينة ثم تتباعد عندما تتغير الأولويات، وهو ما يجعل الاعتماد على الوعود أو التوقعات وحدها أمراً غير كافٍ. وبالنسبة إلى القوى الكردية، فإن المعيار الأهم ليس هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية، بل مدى وجود ضمانات سياسية واضحة، ومدى احترام الحقوق، وقدرة أي تفاهم على الصمود أمام التحولات في موازين القوى.
 
الولايات المتحدة وأوروبا: إعادة ضبط التحالفات

ستكون العلاقة مع الولايات المتحدة أحد المحددات الرئيسية لسياسة آيزنكوت إذا وصل إلى الحكم. فالتحديات المرتبطة بإيران وغزة ولبنان وسوريا لا يمكن التعامل معها بمعزل عن الموقف الأميركي، سواء من حيث الدعم العسكري أو الاستخباراتي أو الدبلوماسي. وقد يحاول آيزنكوت تحسين التنسيق مع واشنطن وتخفيف الخلافات التي قد تنشأ نتيجة إدارة الحروب أو اختلاف الأولويات، مع السعي إلى إظهار أن القرارات الإسرائيلية تستند إلى تقدير استراتيجي واضح وليست مجرد استجابة للضغوط السياسية الداخلية.
لكن تحسين العلاقات لا يعني بالضرورة تطابق المواقف. فقد تظهر خلافات بشأن توقيت العمليات العسكرية، أو شروط إنهاء الحروب، أو مستقبل غزة، أو حجم الدور المطلوب من الولايات المتحدة في احتواء إيران. كما أن العلاقة مع أوروبا ستظل مرتبطة بتطورات الوضع الإنساني والسياسي في الأراضي الفلسطينية، وبمدى استعداد الحكومة الإسرائيلية للانخراط في ترتيبات تخفف من حدة الصراع. وقد يمنح تغيير القيادة إسرائيل فرصة لإعادة بناء بعض الثقة مع العواصم الأوروبية، لكن ذلك لن يتحقق بمجرد تغيير الخطاب؛ بل يحتاج إلى خطوات ملموسة يمكن قياسها على الأرض.
ومن هذا المنطلق، قد يسعى آيزنكوت إلى توسيع هامش المناورة الدبلوماسية لإسرائيل، بحيث لا تبقى سياستها الخارجية محصورة في التحالفات الأمنية التقليدية أو في إدارة الأزمات المتلاحقة. ومع ذلك، فإن أي تحول في العلاقات الدولية سيبقى مرتبطاً بمضمون القرارات الإسرائيلية، لا بصورة رئيس الحكومة أو خلفيته العسكرية. فإذا استمرت السياسات ذاتها في الملفات الأكثر خلافاً، فقد تبقى النتائج محدودة حتى مع تحسن الخطاب الدبلوماسي.
 
الداخل الإسرائيلي: التحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر وإعادة بناء الثقة

لا يمكن فصل السياسة الخارجية والأمنية عن التحديات الداخلية التي تواجه إسرائيل. فقد ترك هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 آثاراً عميقة في الثقة بالمؤسسات الأمنية والسياسية، وأثار تساؤلات بشأن المسؤولية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم وكيفية إدارة الحرب وتداعياتها. وقد جعل آيزنكوت من المساءلة وإعادة بناء الثقة جزءاً مهماً من خطابه السياسي، الأمر الذي قد يدفع حكومته، في حال تشكيلها، إلى تبني آلية تحقيق رسمية وتحديد المسؤوليات السياسية والأمنية، بما في ذلك مراجعة القرارات التي اتخذتها القيادة قبل الهجوم وبعده.
كما سيواجه أي رئيس حكومة جديد ملف تجنيد الحريديم، وهو من القضايا التي تثير خلافات عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي وبين الأحزاب المشاركة في الائتلافات الحكومية. وقد يضع آيزنكوت مسألة توسيع الخدمة العسكرية أو المدنية على جدول أعماله باعتبارها مرتبطة بتوزيع الأعباء بين المواطنين وبحاجة الجيش إلى القوى البشرية، لكن تنفيذ ذلك سيصطدم بمواقف الأحزاب الدينية وبحسابات تشكيل الحكومة. وإلى جانب ذلك، ستبقى قضايا استقلال القضاء، والعلاقة بين السلطات، وتكلفة المعيشة، وإعادة ترميم التماسك الاجتماعي عناصر أساسية في اختبار قدرة الحكومة الجديدة على إحداث تغيير ملموس.
غير أن التعهد بالإصلاح يختلف عن القدرة على تنفيذه. فالنظام البرلماني الإسرائيلي يقوم على الائتلافات، وقد يضطر آيزنكوت إلى تقديم تنازلات لشركائه من أجل ضمان بقاء الحكومة. وإذا كانت هذه التنازلات تمس الملفات التي تعهد بمعالجتها، فقد تتحول إلى مصدر ضعف سياسي مبكر. ولهذا فإن نجاحه الداخلي لن يُقاس فقط بقدرته على تشكيل حكومة معارضة لنتنياهو، بل بمدى قدرته على الحفاظ على تماسكها وتنفيذ برنامج واضح في القضايا الأمنية والمؤسساتية والاجتماعية.
 
حسابات الائتلاف: حدود التغيير الذي يستطيع آيزنكوت تحقيقه

تفرض طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي قيوداً مباشرة على أي تحول محتمل في السياسة. فانتخاب أعضاء الكنيست لا يعني انتخاب رئيس الحكومة بصورة مباشرة، بل إن تشكيل الحكومة يتطلب الوصول إلى أغلبية برلمانية قادرة على منحها الثقة. وفي ظل المنافسة بين معسكر نتنياهو والقوى التي تسعى إلى استبداله، قد تصبح الأحزاب الصغيرة والجهات التي لم تحسم موقعها عاملاً حاسماً في المفاوضات. لذلك لا تكفي شعبية آيزنكوت أو تقدم حزبه في بعض استطلاعات الرأي لإثبات أنه سيتمكن من تشكيل حكومة مستقرة.
وقد تؤدي الخلافات بين الأحزاب المعارضة إلى تقليص قدرة آيزنكوت على تنفيذ برنامجه، حتى إذا نجح في الوصول إلى رئاسة الحكومة. فهذه القوى لا تتفق بالضرورة على جميع القضايا المتعلقة بالفلسطينيين، أو التجنيد العسكري، أو العلاقة بالأحزاب العربية، أو شكل التسوية الإقليمية. كما أن التباين بين التيارات اليمينية والوسطية واليسارية داخل أي ائتلاف محتمل قد يفرض تسويات تحد من نطاق التغيير. ومن هنا، فإن تشكيل الحكومة سيكون بداية المعركة السياسية، لا نهايتها.
ويترتب على ذلك أن أي تحليل لاستراتيجية آيزنكوت يجب أن يميز بين ما يرغب في تحقيقه، وما يمكنه التفاوض بشأنه، وما يستطيع تنفيذه فعلياً. فقد يختلف خطابه عن خطاب نتنياهو في طريقة إدارة الأزمات والمساءلة والتنسيق الدولي، لكنه قد يجد نفسه مضطراً إلى الحفاظ على أجزاء واسعة من السياسة الأمنية القائمة إذا كان استمرار حكومته يتوقف على دعم أحزاب تتبنى مواقف متشددة. وستكون تركيبة الائتلاف، وتوزيع الحقائب، والاتفاقات المنشورة بين مكوناته، مؤشرات أساسية لفهم المسار الحقيقي للحكومة.
 
السيناريوهات المحتملة لسياسة آيزنكوت

يتمثل السيناريو الأول في حدوث تغيير في أسلوب الإدارة مع استمرار الأهداف الأمنية الأساسية. وفي هذه الحالة، قد تحافظ إسرائيل على سياسة الردع تجاه إيران وحزب الله وحماس، لكنها تحاول تحسين التنسيق مع الولايات المتحدة، وتحديد أهداف العمليات العسكرية بصورة أكثر وضوحاً، والبحث عن ترتيبات سياسية أو أمنية تمنع تجدد المواجهات. وسيكون هذا السيناريو أقرب إلى تعديل في إدارة القوة الإسرائيلية وليس تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في نجاح الحكومة الجديدة في فتح مسارات تفاوضية محدودة حول بعض الملفات، مثل ترتيبات الحدود مع لبنان أو تفاهمات أمنية في سوريا أو صيغة لإدارة غزة بعد الحرب. وقد يؤدي ذلك إلى خفض مستوى التصعيد في بعض الجبهات، لكنه لن يعني بالضرورة تسوية شاملة للصراعات الإقليمية. فنجاح هذه المسارات يتطلب موافقة الأطراف الأخرى، وضمانات قابلة للتطبيق، واستعداداً إسرائيلياً لقبول التزامات تتجاوز الإعلان عن الأهداف الأمنية.

ويبقى السيناريو الثالث هو استمرار المواجهات والتوترات رغم تغيير القيادة. وقد يحدث ذلك إذا فشلت المفاوضات، أو استمرت التهديدات الأمنية، أو اصطدمت الحكومة بقيود ائتلافية تمنعها من اتخاذ قرارات مختلفة عن قرارات سابقتها. وفي هذه الحالة، قد يجد آيزنكوت نفسه أمام الظروف ذاتها التي واجهها نتنياهو، مع اختلاف في الخطاب السياسي وطريقة إدارة العلاقات الدولية، لكن من دون تغيير جوهري في الواقع الميداني.
 
الخلاصة: الاختبار في القرارات لا في الوعود

إن وصول غادي آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، إذا تحقق، لن يعني بالضرورة نهاية السياسات التي ارتبطت بعهد بنيامين نتنياهو. فالتحديات التي تواجه إسرائيل في إيران وغزة ولبنان وسوريا، إلى جانب العلاقة مع تركيا والولايات المتحدة وأوروبا، ترتبط بعوامل استراتيجية وميدانية تتجاوز شخصية رئيس الحكومة. لكن تغيير القيادة قد يفتح المجال أمام إعادة ترتيب الأولويات، وتحسين التنسيق مع الحلفاء، وربط استخدام القوة بأهداف سياسية أكثر تحديداً، فضلاً عن معالجة بعض الملفات الداخلية التي أضعفت الثقة بالمؤسسات الإسرائيلية.
ومع ذلك، فإن التغيير الحقيقي لن يُقاس بالتصريحات الانتخابية أو بالوعود المتعلقة بإعادة بناء الدولة، بل بالقرارات التي ستتخذها الحكومة الجديدة بعد تشكيلها. فالمعيار هو كيفية تعاملها مع مستقبل غزة، وشروط المواجهة مع إيران، وترتيبات الأمن في لبنان وسوريا، وموقفها من القضية الفلسطينية، ومدى استعدادها لتسوية الخلافات مع الحلفاء بدلاً من تحويلها إلى أزمات إضافية. كما أن قدرة آيزنكوت على تنفيذ أي استراتيجية ستظل مرتبطة بتماسك ائتلافه وبالظروف الإقليمية والدولية التي تحيط بإسرائيل.
وبذلك، فإن الاحتمال الأكثر واقعية ليس افتراض انتقال إسرائيل من سياسة القوة إلى سياسة التسوية، بل مراقبة ما إذا كانت القيادة الجديدة ستعيد تنظيم استخدام القوة وتربطه بمسارات سياسية ودبلوماسية أكثر قابلية للاستمرار. وقد يكون هذا الفارق مهماً في إدارة الأزمات، لكنه لا يكفي وحده للحديث عن تحول استراتيجي شامل. فالشرق الأوسط لا يتغير بمجرد تغير رئيس حكومة، وإنما عندما تتغير الحسابات التي تحكم الصراع، وتتوافر شروط سياسية وأمنية تسمح بتحويل موازين القوة إلى ترتيبات مستقرة.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!