المعضلة الكردية في سوريا - Geo-Strategic

إعلان فوق المشاركات

المعضلة الكردية في سوريا

المعضلة الكردية في سوريا

شارك المقالة

تُفهم القضية الكردية في سوريا خلال محورين، طرح القضية ضمن الحل السوري الشامل أي إرفاقها مع جميع المسائل العالقة التي تحتاج إلى حلول ضمن إطار دستور جديد، أو بتفاهمات على شكل نتائج لحوار بين الطرفين الكردي والنظام السوري، وبالتالي يكون بمواد فوق دستورية، وذلك أيضاً ضمن إطار وحدة الأراضي السورية وبناءً على نظام لامركزي – يعطي صلاحيات الفدرالية أو الحكم الذاتي أو الإدارة الذاتية التي تقف بين الإدارة المحلية والذاتية، ويتفق حول الخيار الأول الكثير من الشرائح السياسية السورية لاسيما المعارض والنظام، بمستويات متفاوتة، البعض يرى بمنظور أن القضية هي مسألة وطنية بامتياز، وحلها تكمن في تطبيق النظام الديمقراطي في سوريا، بينما يجد غالبية الحركة السياسية الكردية والقوى المتحالفة معهم أن الحل يكمن في إدارة كل منطقة جغرافية ذاتها ضمن الحدود الوطنية لسوريا، على أن تكون لها صلاحيات واسعة، وهذه الرؤية طرحتها الإدارة الذاتية الديمقراطية " المشتركة" في الشمال السوري" وهو صرح سياسي واجتماعي يضم عشرات الأحزاب الكردية والعربية والسريانية ".

ينظر النظام السوري إلى القضية الكردية على أنها مسألة حقوق مدنية وثقافية، بينما تتفق المعارضة السورية مع النظام في النظر إلى القضية من باب مجموعة حقوق بسيطة يتم النظر فيه بعد الانتهاء من النظام، واتفق الطرفين على الرفض الكامل لأي إدارة أو حكم ذاتي أو فدرالية للكرد في سوريا، علاوة على ذلك كان خطاب النظام في الكثير من المناسبات كان أفضل من أداء المعارضة التي تحولت إلى لسان حال الخطاب التركي حيال القضية الكردية، ومن المفارقات أن دوافع الخصمين " النظام السوري – والمعارضة التي تغلبت عليها حركة إخوان المسلمين " متفقين حول التعامل مع القضية الكردية من بوابة الرفض لأي حق سياسي إداري، وهو بطبيعة الحال نتاج لمرجعيات إيدولوجية التي تغلبت على تفكير الطرفين الذين خرجا من بوتقة الحزب البعث القوموي، وتسبب في اضطهاد الكرد طيلة ستة عقود، بينما يتفق الأتراك والنظام السوري على أن مسألة منع ظهور أي وضع كردي خاص في شمال سوريا يكون مشابه لما تم في شمال العراق " إقليم كردستان العراق "، لهذا فأن المعارضة السورية بما أنها رهن التحكم الاستخباراتي التركي، بالإضافة إلى خلفياتها الأيديولوجية المتصلة بالفكر البعثي وحركة الإخوان المسلمين المعادية للقضية الكردية، فأنها تقود رأس الحربة ضد الوجود الكردي، وتكرارهم لمسألة محاربتهم للإدارة الذاتية من أجل منع حكم ذاتي كردي كان واضحاً حجم الغّل الذي يحملونه تجاه الكرد، مقابل امتلاك النظام لنفس المشاعر حيال القضية الكردية، وطروحات النظام السوري لحلحلة هذه المعضلة تركزت على منح حقوق ضمن إطار ضيق لا يتعدى الحقوق المدنية والثقافية المقيدة وفق الإدارة المحلية الموسعة.

بينما طرح الكرد من خلال الإدارة الذاتية الديمقراطية وكذلك قوات سوريا الديمقراطية حلاً رسمياً للقضية الكردية، بناءً على الواقع الموجود على الأرض، بحيث تكون هناك خصوصية للإدارة الذاتية ضمن صلاحيات ومواد دستورية توافق عليها الإدارة والنظام، وبنفس الوقت تكون القوات العسكرية " قوات سوريا الديمقراطية " جزء من الجيش السوري على أن يكون عمله وخصوصيته كجزء من خصوصية الإدارة الذاتية، وبما أن النظام السوري تعامل في بداية الأمر مع هذا الطرح بالرفض، تنافست المعارضة مع النظام في رفض أي وضع كردي في شمال سوريا، بل تحولت إلى أدوات حربية للنظامين السوري والتركي لاحتلال 60% من المنطقة الكردية في الشمال السوري.

الفهم الأمريكي - الروسي للتطورات الكردية في سوريا

القيمة الكردية ظهرت عندما حاربت القوات الكردية بشكل جدي منظمة داعش المتطرفة، في الوقت الذي تحالفت فيها معظم المجموعات المعارضة بشقيها السياسي والمسلح مع الجماعات المتطرفة، والدافع التركي لذلك هو أسلمة المعارضة المعتدلة لغاية دمج المجموعات المتطرفة بينها، وقد نجحت تركيا في ذلك مقابل التراجع الأمريكي عن تدريب وتسليح المعارضة، وآخر محاولة أمريكية في تدريب هذه المجموعات باءت بالفشل نتيجة لانضمام العناصر التي دربتها أمريكا إلى الجماعات المتطرفة مع بداية الهجوم الذي شنته منظمتي داعش وجبهة النصرة على شمال وشرق حلب أواسط 2014، والبرنامج التدريبي الذي نفذته القوات الأمريكية لتدريب المعارضة السورية بمعرفة ورعاية تركية أُخفقت تماماً نتيجة للتوجهات التركية في أدجلة المعارضة ودمجها مع المتطرفين. إذ أن الأمريكيين حاولوا الدخول عسكرياً في سوريا من خلال المجموعات المعارضة قبل اللجوء إلى وحدات حماية الشعب الكردية، وكان ذلك دافعاً منطقياً بالنسبة للأمريكيين في اللجوء إلى الكرد في الوقت الذي تعرضت فيها المنطقة الكردية إلى هجوم ساحق أواسط خريف 2014 حيث كادت أن تحتل تركيا من خلال آلية منظمة داعش إقليم كوباني بعد الاستيلاء على كامل محافظة الرقة وصولاً إلى منطقة تل أبيض الحدودية، وشرق حلب ومنبج إلى الحدود التركية من ناحية جرابلس والباب، حيث ترعرعت هذه المنظمة بشكل واسع برعاية الاستخبارات التركية وشملت ذلك إجراء علاقات تجارية بين الطرفين، وفتح العمق التركي لعناصر ومسؤولي هذه الجماعة في جعل المدن التركية الحدودية مقرات لاستراحة عناصرها، وممر ترانزيت لنقل المتطوعين من المطارات التركية إلى سوريا، بالإضافة إلى المشافي التي عالجت جرحى داعش، إلى جانب صفقات النفط والآثار التي تم نقلها إلى تركيا بشكل منظم، ولأكثر من عامين كانت تركيا تستفيد من هذه الجماعة ولا تجد فيها تهديداً على أمنها.

كادت هذه المنظمة أواسط الشهر التاسع من عام 2014 تسيطر بشكل كامل على إقليم كوباني وأجزاء حيوية من المنطقة الكردية في سوريا، ولولا التدخل الأمريكي وتقديم الدعم الجوي والمعدات العسكرية إلى وحدات حماية الشعب الكردية لسيطرت هذه المنظمة وبرعاية تركية على معظم الشريط الحدودي.

يمكن تفسير الأحداث بهذا الشكل المنطقي، أنقذت القوات الأمريكية الكرد من براثن داعش والمخططات التركية، وقدمت لهم المساعدة المطلوبة، وبالتالي إنهاء الهيمنة التركية على كامل الشمال السوري، لأن سيطرة داعش كانت تعني عملياً الاحتلال التركي، وفي الحقيقة لم تكن هناك خيارات كثيرة أمام الكرد في سوريا سوى الاستعانة بالقوات الدولية وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية في وقف مد دولة " داعش "، إذ أن تدخل القوات الجوية الأمريكية وشن عمليات جوية عنيفة على مواقع داعش، وإنزال أسلحة وذخائر لوحدات حماية الشعب، وكذلك سهلت عملية وصول البيشمركة من إقليم كردستان العراق إلى كوباني، هذه التطورات ساهمت بشكل مباشر في تحول وحدات حماية الشعب من منطق الدفاع إلى خطوط الهجوم المباشر، التغطية الجوية التي وفرها التحالف الدولي حولت الوحدات الكردية إلى الهجوم على مواقع داعش في مناطق حساسة، إلى أن تحررت كامل منطقة منبج وعاصمة داعش "مدينة الرقة" والطبقة وريفها، وتحرير السدود المائية والمنشآت الزراعية والنفطية إلى تطهير المنطقة الكردية الواصلة بين إقليمي الجزيرة وكوباني، وصولاً إلى غرب وجنوب الحسكة، حتى أن تم القضاء على قوة داعش الفعلية ومناطق سيطرته على الأرض بالمواقع النفطية والغاز في شمال دير الزور، وجاء النصر الأعظم في بلدة باغوز، لتبدأ معها عمليات ملاحقة قيادات داعش إلى أن تبين لجوء معظمهم إلى تركيا أو المناطق الحدودية التي تسيطر عليها المجموعات المسلحة التابعة للمعارضة.

الدور الذي لعبته استخبارات قوات سوريا الديمقراطية في ملاحقة قيادات الداعش ساهمت بشكل أساسي في مقتل زعيم المنظمة ونائبه والعشرات من مسؤولي داعش بقرب الحدود التركية في إعزاز وجرابلس، حيث السيطرة التركية وقواعدها العسكرية، وكذلك الكشف عن وجود المئات من عناصر داعش الذين انضموا لمجموعات المعارضة السورية بمعرفة ودعم النظام التركي، وشوهد الكثير منهم في معارك تل أبيض ورأس العين وكذلك بين المجموعات المتطرفة التي تسيطر على إقليم عفرين بدعم تركي.
وقد ساهمت العلاقة التي نشأت بين الولايات المتحدة الأمريكية والكرد إنتاج تفاهم قوي في رسم سياسات جديدة يستفيد منها كل طرف بطريقته، وطبعاً لم يكن يحصل ذلك بمعزل عن الوجود الفرنسي ودوره وتأثيره على مجريات الأحداث في المنطقة الكردية وعموم شمال شرق سوريا، حيث تطور مفهوم الإدارة إلى مستويات أكبر بالتزامن مع زيادة وتيرة التقارب الكردي مع التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، كما أن تطور العلاقة بين مكونات المنطقة الكردية والشمال والشرق السوري الذي أنتج في وقت مبكر عن تأسيس قوات سوريا الديمقراطية من أبناء المنطقة، وكانت تلك مساهمة حقيقية في زيادة الثقة بين التحالف الدولي والجانب العسكري في الإدارة الذاتية، وخلال سنوات 2015 إلى سبتمبر 2019 تكونت نمط مستقر لهذه العلاقة، لدرجة دفع الأمريكيين وحلفائهم الأوروبيين قوات سوريا الديمقراطية نحو تمكين بنيتها العسكرية وتنظيمها.

مع كل مرحلة تطورت فيها هذه الشركة تكون مزيداً من الهواجس لدى الطرف التركي، إلى أن خيّرَ النظام التركي الأمريكيين بينهم وكرد سوريا، لقد وضعت تركيا جميع إمكانياتها وعلاقاتها التاريخية مع الأمريكيين والاتحاد الأوروبي في إطار الضغط عليهما من أجل التخلي عن الكرد وقوات سوريا الديمقراطية، لدرجة تعميق أواصر العلاقة مع الروس على حساب حلفائها في تحالف الناتو، وكلما رفض الأمريكيين والأوروبيين الانصياع للمطالب التركية أقدمت تركيا على تعميق علاقاتها مع الروس، وتوقيع صفقات الأسلحة التي زادت من تعميق الخلافات مع الأمريكيين والأوروبيين، وبالتالي الدخول في صراع مرير داخل حلف الناتو.

لم يكن سهلاً على الأمريكيين التخلي عن أهم حليف وفر لهم الإمكانيات في سوريا، إلا أن الإستراتيجية الروسية لعبت دوراً محورياً في استمالة الطرف التركي من خلال فتح المجال للجيش التركي في غزو إقليم عفرين، وبذلك تجاوت روسيا مع المخاوف التركية في محاربة الكرد، فيما الوعود الأمريكية بوقف الدعم لقوات سوريا الديمقراطية لم تتحقق، بل أن تدفق السلاح الأمريكي إلى المنطقة الكردية وشمال شرقي سوريا زادت من الهواجس التركية، وكان ذلك سبباً في تقسم الرأي العام الأمريكي بين الكونغرس والجيش الداعم للكرد، وإدارة ترامب التي استمالت إلى الأهداف التركية بشكل جزئي، وكان ذلك سبباً رئيسياً لسحب القوات الأمريكية من الحدود، والاتفاق مع الأتراك في غزو مناطق محددة بين رأس العين وتل أبيض بعمق 30 كلم، وبنفس الوقت حاول الأمريكيين الإيقاع بين الأتراك والروس، لأن الروس سارعوا إلى التدخل في المناطق الحدودية بالاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، وانتشرت القوات النظامية في المناطق الحدودية مع تركيا، ليصبح التحرك التركي والنظام السوري وبغض النظر الروسي نحو الضغط على قوات سوريا الديمقراطية في التوجه إلى النظام السوري، بالرغم من أن الاتفاقيات الضمنية تعطي المجال للأتراك في احتلال المنطقة المحددة، ولكن الروس استغلوا هذه التحولات وثبتوا حضورهم وقواعدهم في مناطق شاسعة في المنطقة الكردية وشمال شرق سوريا، ومن الطبيعي أن يحاول الروس التقرب من الكرد في عملية بناء الثقة، في وضع مشابه لعلاقة الروس مع النظام السوري، إلا أن التحرك الروسي سوف يكون ضمن عملية إرضاء النظام وتثبيت حضوره في المنطقة الكردية مقابل إرضاء الكرد في إجراء حوارات وتفاهمات بين الأطراف، إذ أن الروس على ثقة تامة في مسألة عدم التخلي الأمريكي عن هذه المنطقة والكرد وقوات سوريا الديمقراطية، لهذا سيكون التعامل الروسي والنظام السوري مع الكرد بشكل يضمن تفاهماً غير صدامياً، وربما يرضي الطرفين بشكل جزئي.

من كتاب " مسارات الأزمة السورية "
المؤلف: إبراهيم كابان
جهة النشر الإلكتروني : شبكة الجيوستراتيجي للدراسات و دار المعرفيين الأحرار.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان اسفل المشاركات

ضع إعلان متجاوب هنا

هيئة التحرير ( وجهة نظر )

مجلة " الفكر الحر "

متابعات ثقافية

أخبار الصحافة

أخبار وإستكشافات علمية

إصدارات الجيوستراتيجي

شبكة الجيوستراتيجي للدراسات GSNS

مشروع يختص بالتحليل السياسي والأبحاث والدراسات الإستراتيجية، وقراءة وإستشراف الاحداث، ويسعى إلى تعزيز فهم متوازن وواقعي للمصالح الإستراتيجية الكردية في الشرق الأوسط، إلى جانب المساهمة في نشر القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرايات.

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

GEO STRATEGIC NETWORK FOR STUDIES....... Aproject devoted to political analysis, research and strategic studies, and reading and anticipating events, and seeks to promote a balanced and realistic understanding of Kurdish strategic interests in the Middle East, in addition to contributing to the spread of democratic values, human rights and freedoms.

1- الموقع الرسمي Geo-strategic

2- الموقع الكُردي GEO-STRATEGIC

3- مجلة "الفكر الحر" MAGAZINE

4- خدمة الخبر العاجل Breaking news

5- خدمة تطبيق Googe play

كن على أتصال

أكثر من 600,000+ متابع على مواقع التواصل الإجتماعي كن على إطلاع دائم معهم