قسم التحليل – شبكة الجيوستراتيجي للدراسات
شهدت السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب واحدة من أكثر الفترات السياسية إثارة للجدل والتغيير في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، فقد انتقل الخطاب والممارسة من النموذج الليبرالي المؤسسي الذي حكم السياسة الخارجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نموذج مختلف جذرياً يقوم على المزج بين القومية الاقتصادية، والانكفاء الاستراتيجي المدروس، والضغط المباشر على الحلفاء والخصوم، وتفعيل أدوات العقوبات والرسوم التجارية، واعتبار العلاقات الخارجية امتداداً لمبدأ الصفقة في إدارة الأعمال. هذا التحول لم يكن مجرد تغيّر في التكتيكات أو الأساليب، بل كان إعادة تعريف جذرية لدور الولايات المتحدة في النظام الدولي، وتحديداً في ظل بيئة دولية شهدت صعود الصين، وتنامي التنافس الروسي–الغربي، وتراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، وتحوّل طبيعة القوة العالمية إلى مزيج معقد من التكنولوجيا والاقتصاد والتأثير الجيواستراتيجي.
ومنذ اللحظة الأولى لدخوله البيت الأبيض، أطلق ترامب شعار "أمريكا أولاً"، وهو شعار يحمل أكثر من معنى؛ فهو ليس مجرد خطاب شعبوي موجّه للداخل الأميركي، بل يمثل فلسفة كاملة للسياسة الخارجية أساسها أن الولايات المتحدة يجب ألا تتحمل أعباء لا تعود عليها بفائدة مباشرة، وأن المؤسسات والتحالفات والاتفاقيات يجب أن تُعاد صياغتها بما يضمن مصلحة اقتصادية وأمنية فورية وملموسة. ولذلك كان من الطبيعي أن تظهر خلال سنوات حكمه ملامح سياسة جديدة تتسم بالانفصال عن الإجماع التقليدي في واشنطن، وبالجرأة في اتخاذ القرارات التي اعتُبرت صادمة للمجتمع الدولي، مثل الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، والانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، والضغط على الناتو بشكل غير مسبوق، وإطلاق حرب تجارية ضد الصين، وإعادة ترتيب التحالفات في الشرق الأوسط، والدخول في مفاوضات مباشرة مع كوريا الشمالية عبر قمم رئاسية ثلاث.
لقد قدّم ترامب نفسه للعالم ليس كرئيس تقليدي، بل كرجل أعمال يدير الدولة العظمى بمنطق الربح والخسارة، حيث تتحدد العلاقات الخارجية وفق معادلة بسيطة: ماذا سنربح؟ وما هو الثمن الذي سيدفعه الآخرون في مقابل الدعم الأميركي؟ هذا النهج، رغم بساطته الظاهرية، حمل تعقيدات هائلة على المستوى الجيوسياسي، لأنه وضع الحلفاء في حالة شك دائم، وترك الخصوم في حالة ترقب، وخلق نظاماً جديداً للعلاقات الدولية يقوم على الدهشة المستمرة وعدم التوقع، وهي أدوات رأى ترامب نفسه أنها تمنحه أفضلية في التفاوض. إذ لطالما اعتبر أن القدرة على إرباك الآخرين، وإجبارهم على التخمين، هي جزء من تكوين القوة السياسية في العلاقات الدولية.
وفي سياق العلاقات مع القوى الكبرى، اتخذت سياسة ترامب تجاه الصين بُعداً صدامياً هو الأبرز منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1979. فقد رأى ترامب أن الصين تستغل الانفتاح الاقتصادي الأميركي، وأن العجز التجاري المتزايد بين البلدين يمثل تهديداً للاقتصاد الأميركي وللمكانة الصناعية للولايات المتحدة. ومع ذلك، لم يكن الأمر مجرد خلاف تجاري، بل كان أقرب إلى إعادة رسم خريطة القوة العالمية، حيث أدركت إدارة ترامب أن الصعود الصيني لم يعد مجرد مسألة اقتصادية، بل تحدٍّ شامل يشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد العالمية والطموحات العسكرية في بحر الصين الجنوبي. ولهذا بدأت الحرب التجارية عبر فرض رسوم ضخمة على مئات المليارات من السلع الصينية، وهو قرار كانت له آثار عميقة على الاقتصاد الدولي وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع الاستراتيجي بين القوتين الأعظم.
أما العلاقة مع روسيا فكانت أكثر غموضاً. ففي الوقت الذي كان ترامب يعبّر فيه عن رغبته في بناء علاقة أكثر دفئاً مع موسكو، كانت المؤسسات الأميركية الأمنية والعسكرية والكونغرس يتخذون موقفاً معادياً لروسيا، ويواصلون فرض العقوبات عليها بسبب تدخلها في أوكرانيا وتدخلها في الانتخابات الأميركية. هذا التناقض خلق مشهداً فريداً، إذ بدت السياسة الخارجية الأميركية وكأنها تتحرك في اتجاهين مختلفين: خطاب رئيس منفتح على موسكو، وسياسات مؤسساتية متشددة في مواجهتها. ومع ذلك، لم تخرج العلاقات الأميركية–الروسية من إطار التنافس الجيوسياسي، بل شهدت تصعيداً في بعض الملفات، مثل نشر قوات إضافية للناتو في أوروبا الشرقية، وزيادة التعاون العسكري مع دول البلطيق وبولندا، والدفع نحو تعزيز الدفاعات الصاروخية في القارة الأوروبية، وهي خطوات كانت تتناقض مع خطاب ترامب التصالحي، لكنها تمثل استمراراً للرؤية الاستراتيجية للمؤسسة العسكرية الأميركية.
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع أوروبا، ظهر الاختلاف العميق بين ترامب والحلفاء الغربيين، خصوصاً ألمانيا وفرنسا. فقد كان ترامب ينظر إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره منافساً اقتصادياً لا شريكاً استراتيجياً، وهو ما ظهر في انتقاداته المتكررة للاتحاد، واتهامه باستغلال الولايات المتحدة اقتصادياً، إضافة إلى انتقاداته الحادة لحلف الناتو واعتباره أنه يتحمل عبئاً غير عادل في تمويله. وللمرة الأولى في تاريخ الحلف، وصف رئيس أميركي الناتو بأنه "متقادم"، وهدد بالانسحاب منه إن لم يقم الحلفاء الأوروبيون بزيادة إنفاقهم الدفاعي. وقد أحدث ذلك هزة عميقة في العلاقات الأطلسية، حيث بدأت بعض الدول الأوروبية تفكر جدياً في صياغة سياسة أمنية مستقلة عن الولايات المتحدة، وهو تحول كان يُعدّ من الأمور غير القابلة للتصور قبل سنوات قليلة فقط.
أما الشرق الأوسط، فقد كان الساحة الأكثر وضوحاً لتطبيق نهج ترامب القائم على الصفقات والتحالفات المباشرة، لا على مسارات التفاوض التقليدية. فقد دعمت إدارة ترامب مجموعة من الاتفاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، في إطار ما سمي بـ«اتفاقيات أبراهام»، وهي خطوة اعتبرتها الإدارة إنجازاً تاريخياً يُحسب لها. كما مارست الإدارة ضغطاً غير مسبوق على إيران، عبر سياسة "الضغوط القصوى"، التي هدفت إلى تجفيف مصادر التمويل الإيراني وإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أميركية جديدة. هذا النهج، رغم أنه عزّز العلاقات بين الولايات المتحدة وعدد من الدول الخليجية، إلا أنه أدى أيضاً إلى تصعيد حاد في التوترات الإقليمية، خصوصاً في العراق وسوريا واليمن ولبنان والخليج.
وفي الملف السوري تحديداً، أظهرت سياسة ترامب توجهاً انتقائياً يتماشى مع رغبته في عدم التورط في صراعات طويلة، مع الحفاظ على المصالح الأميركية الأساسية المتعلقة بمحاربة الإرهاب ومنع التمدد الإيراني. وقد أثار قرار الانسحاب من أجزاء من شمال شرق سوريا عام 2019 جدلاً واسعاً، لأنه أعاد ترتيب خريطة النفوذ في المنطقة، وفتح المجال أمام روسيا وتركيا لتعزيز نفوذهما. ورغم أن ترامب كان يرى أن الانسحاب هو تطبيق لمبدأ "عدم انخراط أميركا في حروب لا نهاية لها"، إلا أن كثيراً من الخبراء رأوا أن القرار زعزع الثقة الأميركية لدى الحلفاء المحليين والإقليميين، وترك فراغاً جيوسياسياً تحاول أطراف أخرى ملأه.
كما أن سياسة ترامب تجاه المؤسسات الدولية شكّلت نموذجاً جديداً من التعامل الأميركي معها. فالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية خلال جائحة كورونا، والتهديد بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية، كلها خطوات تعكس رفض ترامب للالتزامات الدولية التي يراها غير منصفة أو غير مفيدة للولايات المتحدة. وقد كانت هذه الانسحابات رسالة واضحة للعالم بأن الولايات المتحدة لم تعد ترى نفسها ملتزمة بالحفاظ على النظام الدولي الليبرالي الذي قادته لعقود، وأنها مستعدة لإعادة صياغة دورها العالمي بما يتناسب مع مصالحها الضيقة وفلسفتها القومية الاقتصادية الجديدة.
ومن أهم التحولات التي أحدثتها إدارة ترامب هو توظيف الاقتصاد كسلاح جيوسياسي رئيسي. فقد تم بناء سياسة خارجية كاملة على أساس العقوبات الاقتصادية، التي طالت دولاً مثل إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية وتركيا والصين وروسيا، وأصبحت هذه العقوبات جزءاً من هوية السياسة الخارجية الأميركية. وقد استخدمت واشنطن قوتها في النظام المالي العالمي، وهيمنة الدولار، للضغط على الحكومات والشركات الأجنبية، وإجبارها على الامتثال للعقوبات الأميركية، حتى عندما تكون هذه العقوبات لا تحظى بدعم دولي. وهذا النوع من القوة الاقتصادية المفرطة جعل الولايات المتحدة لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة اقتصادية أو سياسية، لكنه في الوقت نفسه دفع بعض الدول إلى السعي لبناء نظم مالية وتقنية بديلة عن النظام الأميركي، وهو ما قد يساهم بمرور الوقت في تآكل الهيمنة الاقتصادية الأميركية نفسها.
لقد كانت المقاربة الترامبية تقوم على الاستخدام المكثف لعدم اليقين كأداة من أدوات الضغط. فكان الرئيس يغير مواقفه بشكل مفاجئ، ويطلق تصريحات متناقضة، ويقدم على خطوات غير متوقعة، وهو ما خلق بيئة سياسية غير مستقرة، لكنها من وجهة نظره كانت تمنحه قوة تفاوضية لأنه أبقى خصومه وحلفاءه غير قادرين على التنبؤ بسلوكه. إلا أن هذه السياسة حملت أيضاً مخاطر كبيرة، لأنها أضعفت قدرة المؤسسات الأميركية على الحفاظ على استمرارية الاستراتيجية الكبرى، وأدت إلى تآكل الثقة في التزامات الولايات المتحدة الدولية، وهو عامل بالغ الأهمية في النظام الدولي الذي يعتمد على استمرارية التحالفات والاستراتيجيات طويلة الأمد.
وفي العلاقات التجارية الدولية، حاول ترامب إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي، عبر تحدي قواعد منظمة التجارة العالمية، وفرض رسوم جمركية واسعة، والتهديد باتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الدول التي يعتبر أنها تستغل الاقتصاد الأميركي. وقد أدت هذه السياسات إلى توترات واسعة مع الصين، والاتحاد الأوروبي، وكندا، والمكسيك، لكنها في الوقت نفسه أجبرت بعض الدول على إعادة التفاوض على اتفاقيات التجارة، مثل اتفاقية نافتا التي تمت إعادة صياغتها لتصبح "اتفاق الولايات المتحدة–المكسيك–كندا".
كما أن ترامب استخدم ملف الطاقة كسلاح استراتيجي، عبر تعزيز إنتاج النفط والغاز الأميركيين لتحقيق هدفين رئيسيين: الأول هو تقليل الاعتماد على النفط من الشرق الأوسط، والثاني هو استخدام فائض الإنتاج الأميركي كورقة قوة في العلاقات الدولية. وقد أدى ذلك إلى تحولات عميقة في أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً بعد أن أصبحت الولايات المتحدة واحدة من أكبر المنتجين والمصدرين للنفط والغاز في العالم.
أما في مجال التكنولوجيا، فقد أدركت إدارة ترامب أن التفوق التكنولوجي يمثل أساس القوة في القرن الحادي والعشرين. ولذلك كانت المواجهة مع الصين في ملف التكنولوجيا أكثر أهمية من المواجهة في ملف التجارة، لأنها مست مستقبل الهيمنة الأميركية على التقنيات الحساسة مثل شبكات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة. وقد منعت الإدارة شركات أميركية من التعامل مع شركات صينية مثل هواوي، وفرضت قيوداً على نقل التكنولوجيا، وهي خطوات تهدف إلى منع الصين من اللحاق بالولايات المتحدة في المجالات التكنولوجية التي تحدد شكل القوة العالمية.
لقد كان لترامب تأثير عميق أيضاً على مفهوم الردع العسكري الأميركي، إذ اعتمد على مبدأ القوة الساحقة، وزاد الإنفاق العسكري بشكل كبير، وركّز على تحديث الترسانة النووية، وتطوير أسلحة فرط صوتية، وتعزيز الوجود العسكري في المحيطين الهندي والهادئ. وقد جاء هذا في إطار استراتيجية مواجهة الصين وروسيا، واعتبار التنافس بين القوى الكبرى التهديد الأبرز للأمن القومي الأميركي.
ومع كل هذه التحولات، فإن إرث ترامب في السياسة الخارجية يظل موضوعاً محل نقاش واسع. فقد أظهر للعالم أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في دفع تكلفة النظام الدولي كما كانت تفعل سابقاً، وأنها مستعدة لتغيير قواعد اللعبة إذا رأت أن النظام الدولي لا يخدم مصالحها. وهذا التغيير قد يكون له تأثير طويل الأمد، لأنه قد يدفع الدول إلى إعادة تقييم اعتمادها على واشنطن، والبحث عن بدائل استراتيجية، كما قد يساهم في تسريع انتقال النظام الدولي نحو تعددية قطبية تكون فيها الولايات المتحدة لاعباً مهماً، لكنها ليست اللاعب الوحيد المهيمن كما كانت في الماضي.
إن تحليل المرحلة الترامبية يكشف أن السياسة الخارجية الأميركية لم تعد محكومة بقواعد ثابتة، بل أصبحت خاضعة لمنطق الصفقات، والقرارات المفاجئة، والضغط الاقتصادي، وإعادة تشكيل التحالفات، وهو تحول لا يمكن اعتباره حدثاً عابراً، لأن جزءاً كبيراً من هذا النهج يعكس تغيراً عميقاً في المزاج الأميركي تجاه العالم. ومع صعود التيارات القومية والشعبوية في الداخل الأميركي، فإن كثيراً من سمات السياسة الخارجية لترامب قد تستمر حتى بعد رحيله، سواء تم تبنيها بشكل كامل أو تم تعديلها ضمن إطار استراتيجي أكثر اتزاناً.
وبذلك يمكن القول إن نهج ترامب كان نقطة تحول أساسية في تاريخ العلاقات الدولية، لأنه وضع الولايات المتحدة في موقع جديد على خريطة القوة، وفرض على العالم إعادة التفكير في كيفية التعامل مع القوة العظمى عندما تتصرف وفق مبدأ «المصلحة أولاً»، وليس وفق الالتزام التاريخي أو الأخلاقي أو المؤسسي. وهذا التحول سيظل يثير نقاشات عميقة بين الباحثين وصناع القرار حول مستقبل النظام الدولي، ودور الولايات المتحدة فيه، وكيفية تعامل الحلفاء والخصوم مع مرحلة تتغير فيها قواعد اللعبة بسرعة غير مسبوقة.
شهدت السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب واحدة من أكثر الفترات السياسية إثارة للجدل والتغيير في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، فقد انتقل الخطاب والممارسة من النموذج الليبرالي المؤسسي الذي حكم السياسة الخارجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نموذج مختلف جذرياً يقوم على المزج بين القومية الاقتصادية، والانكفاء الاستراتيجي المدروس، والضغط المباشر على الحلفاء والخصوم، وتفعيل أدوات العقوبات والرسوم التجارية، واعتبار العلاقات الخارجية امتداداً لمبدأ الصفقة في إدارة الأعمال. هذا التحول لم يكن مجرد تغيّر في التكتيكات أو الأساليب، بل كان إعادة تعريف جذرية لدور الولايات المتحدة في النظام الدولي، وتحديداً في ظل بيئة دولية شهدت صعود الصين، وتنامي التنافس الروسي–الغربي، وتراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، وتحوّل طبيعة القوة العالمية إلى مزيج معقد من التكنولوجيا والاقتصاد والتأثير الجيواستراتيجي.
ومنذ اللحظة الأولى لدخوله البيت الأبيض، أطلق ترامب شعار "أمريكا أولاً"، وهو شعار يحمل أكثر من معنى؛ فهو ليس مجرد خطاب شعبوي موجّه للداخل الأميركي، بل يمثل فلسفة كاملة للسياسة الخارجية أساسها أن الولايات المتحدة يجب ألا تتحمل أعباء لا تعود عليها بفائدة مباشرة، وأن المؤسسات والتحالفات والاتفاقيات يجب أن تُعاد صياغتها بما يضمن مصلحة اقتصادية وأمنية فورية وملموسة. ولذلك كان من الطبيعي أن تظهر خلال سنوات حكمه ملامح سياسة جديدة تتسم بالانفصال عن الإجماع التقليدي في واشنطن، وبالجرأة في اتخاذ القرارات التي اعتُبرت صادمة للمجتمع الدولي، مثل الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، والانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، والضغط على الناتو بشكل غير مسبوق، وإطلاق حرب تجارية ضد الصين، وإعادة ترتيب التحالفات في الشرق الأوسط، والدخول في مفاوضات مباشرة مع كوريا الشمالية عبر قمم رئاسية ثلاث.
لقد قدّم ترامب نفسه للعالم ليس كرئيس تقليدي، بل كرجل أعمال يدير الدولة العظمى بمنطق الربح والخسارة، حيث تتحدد العلاقات الخارجية وفق معادلة بسيطة: ماذا سنربح؟ وما هو الثمن الذي سيدفعه الآخرون في مقابل الدعم الأميركي؟ هذا النهج، رغم بساطته الظاهرية، حمل تعقيدات هائلة على المستوى الجيوسياسي، لأنه وضع الحلفاء في حالة شك دائم، وترك الخصوم في حالة ترقب، وخلق نظاماً جديداً للعلاقات الدولية يقوم على الدهشة المستمرة وعدم التوقع، وهي أدوات رأى ترامب نفسه أنها تمنحه أفضلية في التفاوض. إذ لطالما اعتبر أن القدرة على إرباك الآخرين، وإجبارهم على التخمين، هي جزء من تكوين القوة السياسية في العلاقات الدولية.
وفي سياق العلاقات مع القوى الكبرى، اتخذت سياسة ترامب تجاه الصين بُعداً صدامياً هو الأبرز منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1979. فقد رأى ترامب أن الصين تستغل الانفتاح الاقتصادي الأميركي، وأن العجز التجاري المتزايد بين البلدين يمثل تهديداً للاقتصاد الأميركي وللمكانة الصناعية للولايات المتحدة. ومع ذلك، لم يكن الأمر مجرد خلاف تجاري، بل كان أقرب إلى إعادة رسم خريطة القوة العالمية، حيث أدركت إدارة ترامب أن الصعود الصيني لم يعد مجرد مسألة اقتصادية، بل تحدٍّ شامل يشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد العالمية والطموحات العسكرية في بحر الصين الجنوبي. ولهذا بدأت الحرب التجارية عبر فرض رسوم ضخمة على مئات المليارات من السلع الصينية، وهو قرار كانت له آثار عميقة على الاقتصاد الدولي وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع الاستراتيجي بين القوتين الأعظم.
أما العلاقة مع روسيا فكانت أكثر غموضاً. ففي الوقت الذي كان ترامب يعبّر فيه عن رغبته في بناء علاقة أكثر دفئاً مع موسكو، كانت المؤسسات الأميركية الأمنية والعسكرية والكونغرس يتخذون موقفاً معادياً لروسيا، ويواصلون فرض العقوبات عليها بسبب تدخلها في أوكرانيا وتدخلها في الانتخابات الأميركية. هذا التناقض خلق مشهداً فريداً، إذ بدت السياسة الخارجية الأميركية وكأنها تتحرك في اتجاهين مختلفين: خطاب رئيس منفتح على موسكو، وسياسات مؤسساتية متشددة في مواجهتها. ومع ذلك، لم تخرج العلاقات الأميركية–الروسية من إطار التنافس الجيوسياسي، بل شهدت تصعيداً في بعض الملفات، مثل نشر قوات إضافية للناتو في أوروبا الشرقية، وزيادة التعاون العسكري مع دول البلطيق وبولندا، والدفع نحو تعزيز الدفاعات الصاروخية في القارة الأوروبية، وهي خطوات كانت تتناقض مع خطاب ترامب التصالحي، لكنها تمثل استمراراً للرؤية الاستراتيجية للمؤسسة العسكرية الأميركية.
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع أوروبا، ظهر الاختلاف العميق بين ترامب والحلفاء الغربيين، خصوصاً ألمانيا وفرنسا. فقد كان ترامب ينظر إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره منافساً اقتصادياً لا شريكاً استراتيجياً، وهو ما ظهر في انتقاداته المتكررة للاتحاد، واتهامه باستغلال الولايات المتحدة اقتصادياً، إضافة إلى انتقاداته الحادة لحلف الناتو واعتباره أنه يتحمل عبئاً غير عادل في تمويله. وللمرة الأولى في تاريخ الحلف، وصف رئيس أميركي الناتو بأنه "متقادم"، وهدد بالانسحاب منه إن لم يقم الحلفاء الأوروبيون بزيادة إنفاقهم الدفاعي. وقد أحدث ذلك هزة عميقة في العلاقات الأطلسية، حيث بدأت بعض الدول الأوروبية تفكر جدياً في صياغة سياسة أمنية مستقلة عن الولايات المتحدة، وهو تحول كان يُعدّ من الأمور غير القابلة للتصور قبل سنوات قليلة فقط.
أما الشرق الأوسط، فقد كان الساحة الأكثر وضوحاً لتطبيق نهج ترامب القائم على الصفقات والتحالفات المباشرة، لا على مسارات التفاوض التقليدية. فقد دعمت إدارة ترامب مجموعة من الاتفاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، في إطار ما سمي بـ«اتفاقيات أبراهام»، وهي خطوة اعتبرتها الإدارة إنجازاً تاريخياً يُحسب لها. كما مارست الإدارة ضغطاً غير مسبوق على إيران، عبر سياسة "الضغوط القصوى"، التي هدفت إلى تجفيف مصادر التمويل الإيراني وإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أميركية جديدة. هذا النهج، رغم أنه عزّز العلاقات بين الولايات المتحدة وعدد من الدول الخليجية، إلا أنه أدى أيضاً إلى تصعيد حاد في التوترات الإقليمية، خصوصاً في العراق وسوريا واليمن ولبنان والخليج.
وفي الملف السوري تحديداً، أظهرت سياسة ترامب توجهاً انتقائياً يتماشى مع رغبته في عدم التورط في صراعات طويلة، مع الحفاظ على المصالح الأميركية الأساسية المتعلقة بمحاربة الإرهاب ومنع التمدد الإيراني. وقد أثار قرار الانسحاب من أجزاء من شمال شرق سوريا عام 2019 جدلاً واسعاً، لأنه أعاد ترتيب خريطة النفوذ في المنطقة، وفتح المجال أمام روسيا وتركيا لتعزيز نفوذهما. ورغم أن ترامب كان يرى أن الانسحاب هو تطبيق لمبدأ "عدم انخراط أميركا في حروب لا نهاية لها"، إلا أن كثيراً من الخبراء رأوا أن القرار زعزع الثقة الأميركية لدى الحلفاء المحليين والإقليميين، وترك فراغاً جيوسياسياً تحاول أطراف أخرى ملأه.
كما أن سياسة ترامب تجاه المؤسسات الدولية شكّلت نموذجاً جديداً من التعامل الأميركي معها. فالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية خلال جائحة كورونا، والتهديد بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية، كلها خطوات تعكس رفض ترامب للالتزامات الدولية التي يراها غير منصفة أو غير مفيدة للولايات المتحدة. وقد كانت هذه الانسحابات رسالة واضحة للعالم بأن الولايات المتحدة لم تعد ترى نفسها ملتزمة بالحفاظ على النظام الدولي الليبرالي الذي قادته لعقود، وأنها مستعدة لإعادة صياغة دورها العالمي بما يتناسب مع مصالحها الضيقة وفلسفتها القومية الاقتصادية الجديدة.
ومن أهم التحولات التي أحدثتها إدارة ترامب هو توظيف الاقتصاد كسلاح جيوسياسي رئيسي. فقد تم بناء سياسة خارجية كاملة على أساس العقوبات الاقتصادية، التي طالت دولاً مثل إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية وتركيا والصين وروسيا، وأصبحت هذه العقوبات جزءاً من هوية السياسة الخارجية الأميركية. وقد استخدمت واشنطن قوتها في النظام المالي العالمي، وهيمنة الدولار، للضغط على الحكومات والشركات الأجنبية، وإجبارها على الامتثال للعقوبات الأميركية، حتى عندما تكون هذه العقوبات لا تحظى بدعم دولي. وهذا النوع من القوة الاقتصادية المفرطة جعل الولايات المتحدة لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة اقتصادية أو سياسية، لكنه في الوقت نفسه دفع بعض الدول إلى السعي لبناء نظم مالية وتقنية بديلة عن النظام الأميركي، وهو ما قد يساهم بمرور الوقت في تآكل الهيمنة الاقتصادية الأميركية نفسها.
لقد كانت المقاربة الترامبية تقوم على الاستخدام المكثف لعدم اليقين كأداة من أدوات الضغط. فكان الرئيس يغير مواقفه بشكل مفاجئ، ويطلق تصريحات متناقضة، ويقدم على خطوات غير متوقعة، وهو ما خلق بيئة سياسية غير مستقرة، لكنها من وجهة نظره كانت تمنحه قوة تفاوضية لأنه أبقى خصومه وحلفاءه غير قادرين على التنبؤ بسلوكه. إلا أن هذه السياسة حملت أيضاً مخاطر كبيرة، لأنها أضعفت قدرة المؤسسات الأميركية على الحفاظ على استمرارية الاستراتيجية الكبرى، وأدت إلى تآكل الثقة في التزامات الولايات المتحدة الدولية، وهو عامل بالغ الأهمية في النظام الدولي الذي يعتمد على استمرارية التحالفات والاستراتيجيات طويلة الأمد.
وفي العلاقات التجارية الدولية، حاول ترامب إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي، عبر تحدي قواعد منظمة التجارة العالمية، وفرض رسوم جمركية واسعة، والتهديد باتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الدول التي يعتبر أنها تستغل الاقتصاد الأميركي. وقد أدت هذه السياسات إلى توترات واسعة مع الصين، والاتحاد الأوروبي، وكندا، والمكسيك، لكنها في الوقت نفسه أجبرت بعض الدول على إعادة التفاوض على اتفاقيات التجارة، مثل اتفاقية نافتا التي تمت إعادة صياغتها لتصبح "اتفاق الولايات المتحدة–المكسيك–كندا".
كما أن ترامب استخدم ملف الطاقة كسلاح استراتيجي، عبر تعزيز إنتاج النفط والغاز الأميركيين لتحقيق هدفين رئيسيين: الأول هو تقليل الاعتماد على النفط من الشرق الأوسط، والثاني هو استخدام فائض الإنتاج الأميركي كورقة قوة في العلاقات الدولية. وقد أدى ذلك إلى تحولات عميقة في أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً بعد أن أصبحت الولايات المتحدة واحدة من أكبر المنتجين والمصدرين للنفط والغاز في العالم.
أما في مجال التكنولوجيا، فقد أدركت إدارة ترامب أن التفوق التكنولوجي يمثل أساس القوة في القرن الحادي والعشرين. ولذلك كانت المواجهة مع الصين في ملف التكنولوجيا أكثر أهمية من المواجهة في ملف التجارة، لأنها مست مستقبل الهيمنة الأميركية على التقنيات الحساسة مثل شبكات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة. وقد منعت الإدارة شركات أميركية من التعامل مع شركات صينية مثل هواوي، وفرضت قيوداً على نقل التكنولوجيا، وهي خطوات تهدف إلى منع الصين من اللحاق بالولايات المتحدة في المجالات التكنولوجية التي تحدد شكل القوة العالمية.
لقد كان لترامب تأثير عميق أيضاً على مفهوم الردع العسكري الأميركي، إذ اعتمد على مبدأ القوة الساحقة، وزاد الإنفاق العسكري بشكل كبير، وركّز على تحديث الترسانة النووية، وتطوير أسلحة فرط صوتية، وتعزيز الوجود العسكري في المحيطين الهندي والهادئ. وقد جاء هذا في إطار استراتيجية مواجهة الصين وروسيا، واعتبار التنافس بين القوى الكبرى التهديد الأبرز للأمن القومي الأميركي.
ومع كل هذه التحولات، فإن إرث ترامب في السياسة الخارجية يظل موضوعاً محل نقاش واسع. فقد أظهر للعالم أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في دفع تكلفة النظام الدولي كما كانت تفعل سابقاً، وأنها مستعدة لتغيير قواعد اللعبة إذا رأت أن النظام الدولي لا يخدم مصالحها. وهذا التغيير قد يكون له تأثير طويل الأمد، لأنه قد يدفع الدول إلى إعادة تقييم اعتمادها على واشنطن، والبحث عن بدائل استراتيجية، كما قد يساهم في تسريع انتقال النظام الدولي نحو تعددية قطبية تكون فيها الولايات المتحدة لاعباً مهماً، لكنها ليست اللاعب الوحيد المهيمن كما كانت في الماضي.
إن تحليل المرحلة الترامبية يكشف أن السياسة الخارجية الأميركية لم تعد محكومة بقواعد ثابتة، بل أصبحت خاضعة لمنطق الصفقات، والقرارات المفاجئة، والضغط الاقتصادي، وإعادة تشكيل التحالفات، وهو تحول لا يمكن اعتباره حدثاً عابراً، لأن جزءاً كبيراً من هذا النهج يعكس تغيراً عميقاً في المزاج الأميركي تجاه العالم. ومع صعود التيارات القومية والشعبوية في الداخل الأميركي، فإن كثيراً من سمات السياسة الخارجية لترامب قد تستمر حتى بعد رحيله، سواء تم تبنيها بشكل كامل أو تم تعديلها ضمن إطار استراتيجي أكثر اتزاناً.
وبذلك يمكن القول إن نهج ترامب كان نقطة تحول أساسية في تاريخ العلاقات الدولية، لأنه وضع الولايات المتحدة في موقع جديد على خريطة القوة، وفرض على العالم إعادة التفكير في كيفية التعامل مع القوة العظمى عندما تتصرف وفق مبدأ «المصلحة أولاً»، وليس وفق الالتزام التاريخي أو الأخلاقي أو المؤسسي. وهذا التحول سيظل يثير نقاشات عميقة بين الباحثين وصناع القرار حول مستقبل النظام الدولي، ودور الولايات المتحدة فيه، وكيفية تعامل الحلفاء والخصوم مع مرحلة تتغير فيها قواعد اللعبة بسرعة غير مسبوقة.
تنويه: يسمح بنشر أو الإقتباس شريطة أن تذكر المصدر الرسمي: شبكة الجيوستراتيجي للدراسات

