إعداد التقرير: فريق الجيوستراتيجي للدراسات
في السياسة الدولية المعاصرة، غالبًا ما يؤدي التحدي الأيديولوجي المنفصل عن الواقع الاقتصادي والكفاءة المؤسسية إلى نتائج معاكسة تمامًا لما يروّج له أصحابه. فبدل أن يفضي إلى السيادة أو الاستقلال، ينتهي إلى العزلة، والانهيار الاقتصادي، والتحول السلطوي. وتُعدّ تجربة فنزويلا في عهد نيكولاس مادورو مثالًا صارخًا على الكيفية التي يمكن أن تقود بها مواجهة القوى الرأسمالية الديمقراطية، مقرونة برفع شعارات اشتراكية بالية، إلى فشل الدولة لا إلى تحررها.
ورث مادورو دولة كانت تعاني أصلًا من اختلالات بنيوية عميقة، أبرزها الاعتماد شبه المطلق على النفط، وتآكل المؤسسات، وسياسات شعبوية قصيرة النظر. غير أن نظامه لم يسعَ إلى إصلاح هذه الاختلالات أو إعادة ضبط المسار، بل اختار التشدد الأيديولوجي، وشيطنة الخارج، وتقديم الأزمة الفنزويلية بوصفها نتاج «مؤامرة رأسمالية» لا نتيجة سوء إدارة وفساد واستبداد داخلي. وقد وفّرت هذه السردية غطاءً سياسيًا مؤقتًا، لكنها كانت مدمرة على المدى المتوسط والبعيد.
في السياسة الدولية المعاصرة، غالبًا ما يؤدي التحدي الأيديولوجي المنفصل عن الواقع الاقتصادي والكفاءة المؤسسية إلى نتائج معاكسة تمامًا لما يروّج له أصحابه. فبدل أن يفضي إلى السيادة أو الاستقلال، ينتهي إلى العزلة، والانهيار الاقتصادي، والتحول السلطوي. وتُعدّ تجربة فنزويلا في عهد نيكولاس مادورو مثالًا صارخًا على الكيفية التي يمكن أن تقود بها مواجهة القوى الرأسمالية الديمقراطية، مقرونة برفع شعارات اشتراكية بالية، إلى فشل الدولة لا إلى تحررها.
ورث مادورو دولة كانت تعاني أصلًا من اختلالات بنيوية عميقة، أبرزها الاعتماد شبه المطلق على النفط، وتآكل المؤسسات، وسياسات شعبوية قصيرة النظر. غير أن نظامه لم يسعَ إلى إصلاح هذه الاختلالات أو إعادة ضبط المسار، بل اختار التشدد الأيديولوجي، وشيطنة الخارج، وتقديم الأزمة الفنزويلية بوصفها نتاج «مؤامرة رأسمالية» لا نتيجة سوء إدارة وفساد واستبداد داخلي. وقد وفّرت هذه السردية غطاءً سياسيًا مؤقتًا، لكنها كانت مدمرة على المدى المتوسط والبعيد.
الانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي
شهدت فنزويلا في عهد مادورو أحد أسوأ الانهيارات الاقتصادية في التاريخ الحديث خارج سياق الحروب. فقد أدت السياسات المالية الكارثية إلى تضخم مفرط دمّر القدرة الشرائية، وأفقد العملة قيمتها، وقضى على مدخرات المواطنين. كما أسهمت سيطرة الدولة على القطاعات الحيوية، وتسييس المؤسسات الاقتصادية، وانتشار الفساد المنهجي، في انهيار الإنتاج، بما في ذلك قطاع النفط الذي كان يشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
إن الإصرار على نماذج اشتراكية متقادمة، قائمة على التحكم المركزي، وتسعير قسري، وعداء أيديولوجي للقطاع الخاص، لم يحقق العدالة الاجتماعية ولا المساواة، بل أنتج شحًا واسعًا، وأسواقًا سوداء، وهجرة جماعية، وانقسامًا حادًا بين نخبة سياسية–عسكرية مستفيدة وغالبية شعبية تعيش الفقر والعوز.
القمع السياسي وفقدان الشرعية
ومع تآكل الشرعية الاقتصادية، لجأ النظام إلى تعزيز القمع السياسي. جرى تفكيك منظومة الضوابط والتوازنات الديمقراطية، وتهميش المعارضة، وتقويض استقلال القضاء، وتحويل الانتخابات إلى إجراءات شكلية تفتقر إلى المصداقية. وبات الاعتماد الأساسي للنظام على الأجهزة الأمنية والميليشيات الموالية، ما عمّق الطابع السلطوي للدولة وساهم في عزلتها الدولية.
وهكذا، لم يعد النظام يمثل نموذجًا لـ«مقاومة الإمبريالية» كما يدّعي، بل تحوّل إلى سلطة استبدادية تستخدم الخطاب المعادي للرأسمالية لتبرير القمع الداخلي والارتهان الخارجي لحلفاء غير ديمقراطيين.
البعد الدولي: مواجهة بلا مقومات
يتمثل أحد أخطر إخفاقات نموذج مادورو في سوء تقدير ميزان القوى الدولي. فمواجهة القوى الرأسمالية الديمقراطية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تقوم على الشعارات وحدها، بل تتطلب اقتصادًا متماسكًا، ومؤسسات قوية، وشرعية داخلية ودولية. وكل ذلك كان غائبًا في الحالة الفنزويلية.
جاء الرد الأميركي والأوروبي عبر أدوات غير عسكرية: عقوبات مالية موجهة، وعزل دبلوماسي، وآليات قانونية حدّت من قدرة النظام على الوصول إلى الأسواق العالمية، والتمويل، والتكنولوجيا. وقد فاقمت هذه الإجراءات الأزمة الداخلية، وضيّقت هامش المناورة أمام النظام.
القدرة الأميركية على الملاحقة والعقاب
الأكثر دلالة هو انتقال المواجهة من مستوى الدولة إلى مستوى الشخص. فقد وُجّهت اتهامات رسمية لمادورو من قبل الولايات المتحدة تتعلق بجرائم عابرة للحدود، من بينها الارتباط بشبكات تهريب مخدرات. وهذا التحول يكشف حقيقة أساسية في النظام الدولي الراهن: القادة الذين يواجهون المنظومة العالمية دون أن يمتلكوا مقومات الاندماج القانوني والاقتصادي فيها لا يواجهون خصومة سياسية فحسب، بل يصبحون عرضة للملاحقة الشخصية.
تمتلك الولايات المتحدة منظومة واسعة من الاستخبارات، والرقابة المالية، وشبكات التعاون القضائي، ما يجعل حركة هؤلاء القادة محدودة، وأصولهم قابلة للتتبع، ومستقبلهم مرهونًا بحماية عدد ضيق من الأنظمة السلطوية.
الدروس المستخلصة خارج فنزويلا
إن الدرس الأهم من تجربة مادورو لا يتعلق بالمفاضلة النظرية بين الاشتراكية والرأسمالية، بل بمسائل الحكم الرشيد، والقدرة على التكيف، والواقعية الاستراتيجية. فالعداء الخطابي للنظام الرأسمالي الديمقراطي لا يمكن أن يعوّض عن غياب الإنتاج، وتآكل المؤسسات، وانعدام المساءلة.
تؤكد التجارب التاريخية أن الدول التي تعزل نفسها أيديولوجيًا، وتفشل في تلبية احتياجات شعوبها من الاستقرار والكرامة والفرص، تنتهي إلى الانهيار من الداخل، مهما علا صوت الشعارات.
خاتمة
إن مصير نيكولاس مادورو ليس حالة استثنائية، بل تحذير واضح. فمواجهة النظام العالمي القائم دون إصلاح داخلي حقيقي، أو إدارة فعالة، أو استراتيجية ذكية، تقود حتمًا إلى العزلة، والانهيار الاقتصادي، وتعريض رأس السلطة نفسه للخطر. وفي عالم مترابط، لا تمثل الأيديولوجيا غير المدعومة بالواقع شكلًا من أشكال المقاومة، بل وصفة مؤكدة للتدمير الذاتي.
والرسالة لمن يظنون أنفسهم مجرد متفرجين واضحة: التاريخ ليس محايدًا، وغالبًا لا يرحم من يخلطون بين الشعارات والاستراتيجية.

