قراءة سياسية لـ إبراهيم مصطفى (كابان)
لم يعد شرق الفرات مجرد جغرافيا خارجة عن سيطرة المركز، بل أصبح خلال العقد الأخير مساحة تراكُم سياسي وأمني واجتماعي لا يمكن القفز فوقها. فالمنطقة لم تلعب دورًا ثانويًا في الحرب على تنظيم داعش، بل كانت المسرح الأساسي الذي حُسمت فيه المعركة، ليس فقط عسكريًا، بل من حيث بناء نموذج حكم محلي قادر—ولو جزئيًا—على إدارة التنوّع وضبط الأمن ومنع الانهيار الشامل.
التعامل مع شرق الفرات بوصفه “تفصيلًا تفاوضيًا” يعكس فشلًا بنيويًا في قراءة التحولات السورية. فهذه المنطقة باتت ميزان الاستقرار الوحيد تقريبًا الذي لم ينفجر داخليًا رغم كل الضغوط، وأي خلل في هذا الميزان لن يبقى محصورًا جغرافيًا، بل سينعكس على كامل الجغرافيا السورية، وعلى الإقليم برمّته.
لم يعد شرق الفرات مجرد جغرافيا خارجة عن سيطرة المركز، بل أصبح خلال العقد الأخير مساحة تراكُم سياسي وأمني واجتماعي لا يمكن القفز فوقها. فالمنطقة لم تلعب دورًا ثانويًا في الحرب على تنظيم داعش، بل كانت المسرح الأساسي الذي حُسمت فيه المعركة، ليس فقط عسكريًا، بل من حيث بناء نموذج حكم محلي قادر—ولو جزئيًا—على إدارة التنوّع وضبط الأمن ومنع الانهيار الشامل.
التعامل مع شرق الفرات بوصفه “تفصيلًا تفاوضيًا” يعكس فشلًا بنيويًا في قراءة التحولات السورية. فهذه المنطقة باتت ميزان الاستقرار الوحيد تقريبًا الذي لم ينفجر داخليًا رغم كل الضغوط، وأي خلل في هذا الميزان لن يبقى محصورًا جغرافيًا، بل سينعكس على كامل الجغرافيا السورية، وعلى الإقليم برمّته.
وهم الشريك الواحد وإعادة إنتاج الدولة العاجزة
إصرار دمشق على فرض نفسها شريكًا وحيدًا للولايات المتحدة في شرق الفرات لا ينبع من مشروع وطني جامع، بل من رغبة في استعادة السيطرة الشكلية دون امتلاك أدوات الحكم الفعلي. الدولة التي تطلب اليوم احتكار الشراكة هي ذاتها التي عجزت لعقود عن بناء عقد اجتماعي متوازن، وفشلت في استيعاب تنوّعها القومي والديني، ما أدى أصلًا إلى الانفجار السوري.
إعادة إنتاج هذا النموذج في شرق الفرات لن تعني استعادة الدولة، بل إعادة إنتاج أسباب انهيارها. فالحكم القائم على الإقصاء، ونفي الفاعلين المحليين، وتحويلهم إلى “مشكلة أمنية”، لا يبني سيادة، بل يخلق مقاومة كامنة، ويؤسس لصراع طويل الأمد بين المركز والأطراف.
تركيا وصراع ما وراء الحدود السورية
الدور التركي في شرق الفرات لا يمكن فهمه ضمن الإطار السوري وحده. فأنقرة تخوض صراعًا استراتيجيًا مع القضية الكردية يتجاوز حدود سوريا والعراق، ويطال الداخل التركي نفسه. ومن هذا المنطلق، ترى تركيا في أي تجربة كردية ناجحة—حتى وإن كانت مندمجة ضمن إطار سوري—سابقة خطيرة يجب كسرها.
الخطير في هذا الدور ليس فقط التدخل العسكري المباشر، بل توظيف الخطاب السوري الرسمي والإعلامي لتبرير سياسات تخدم المصلحة التركية، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف مفهوم السيادة السورية ذاته. وهنا تتحول “وحدة الأراضي السورية” من مبدأ وطني إلى أداة إقليمية تُستخدم ضد أحد مكونات الشعب السوري.
القوى التي هزمت داعش خارج معادلة القرار
القوى التي قاتلت تنظيم داعش لم تكن أدوات عسكرية مؤقتة، بل شريكًا استراتيجيًا في واحدة من أخطر المعارك العالمية ضد الإرهاب. ومع ذلك، يجري اليوم التعامل معها وكأن دورها انتهى بانتهاء العمليات العسكرية، دون أي اعتراف سياسي أو ضمانات مستقبلية.
هذا الإقصاء لا يحمل فقط بعدًا غير أخلاقي، بل يعكس قصر نظر استراتيجي. فالقوى التي تم تهميشها هي ذاتها التي تمتلك المعرفة الميدانية، والشرعية الاجتماعية، والقدرة على منع عودة التنظيمات المتطرفة. إخراجها من معادلة القرار يعني تفكيك المنظومة التي حافظت على الاستقرار النسبي طوال السنوات الماضية.
تآكل مشروع أخوة الشعوب والتحول نحو الدفاع القومي
مشروع “أخوة الشعوب” لم يكن شعارًا دعائيًا، بل خيارًا استراتيجيًا تبنّته الحركة الكردية في سوريا لتجنّب الصدام مع المكوّنات الأخرى، ولإثبات أن القضية الكردية يمكن أن تكون جزءًا من حل سوري شامل. غير أن هذا المشروع بُني على افتراض وجود حد أدنى من الحماية السياسية الدولية، وهو افتراض بدأ يتآكل سريعًا.
مع تصاعد التهديدات، وغياب الضمانات، وشعور متزايد بأن الكرد يُطلب منهم دائمًا تقديم التنازلات دون مقابل، تتجه قطاعات من المقاتلين الكرد إلى إعادة تعريف دورهم. العودة إلى أولوية الدفاع عن القضية الكردية لا تعبّر عن نزعة انفصالية بقدر ما تعبّر عن فقدان الثقة بإمكانية استمرار مشروع جامع في ظل بيئة معادية.
من التعايش الهش إلى الانقسام المفتوح
انهيار مشروع “أخوة الشعوب” لا يعني فقط تحوّلًا كرديًا داخليًا، بل يفتح الباب أمام تفكك اجتماعي واسع. فالتعايش الذي صمد خلال سنوات الحرب لم يكن نتيجة انسجام كامل، بل نتيجة توازنات دقيقة. ومع تآكل هذه التوازنات، تبدأ الهويات بالتحول من أدوات تنظيم إلى أدوات صراع.
هذا المسار يحمل مخاطر عالية: تصاعد الاحتقان العربي–الكردي، تراجع الثقة بالمؤسسات المحلية، وعودة منطق العصبيات، وهو ما يشكّل أرضية خصبة لأي مشروع تخريبي أو متطرف.
الفراغ الأمني كمدخل لعودة الإرهاب
التنظيمات المتطرفة لا تعود عبر الجيوش، بل عبر الفراغات. وأخطر ما ينتج عن إقصاء القوى المحلية هو خلق فراغ أمني متدرّج، يبدأ بتراجع السيطرة، ثم يتطوّر إلى اغتيالات وتفجيرات وضرب للبنى الاقتصادية.
عودة داعش، في هذا السياق، لن تكون استنساخًا للماضي، بل نسخة أكثر تكيفًا ومرونة، تعتمد على إنهاك المجتمع بدل السيطرة عليه. وكلما تراجعت الثقة بين السكان والجهات الحاكمة، زادت قدرة التنظيم على التغلغل.
المسؤولية الأمريكية وحدود إدارة التوازن
السياسة الأمريكية في شرق الفرات تقف اليوم عند مفترق طرق. فإدارة التوازن دون تثبيته باتت وصفة لعدم الاستقرار. ترك الحلفاء في حالة انتظار دائم، أو استخدامهم كورقة ضغط مؤقتة، يدفعهم حتمًا إلى البحث عن بدائل، قد تكون أكثر تشددًا وأقل قابلية للضبط.
الولايات المتحدة، بحكم دورها، تتحمل مسؤولية مباشرة في منع انهيار المنظومة التي ساهمت في بنائها. أي انسحاب غير منظم، أو إعادة تعريف انتقائية للشراكات، سيُسجَّل بوصفه فشلًا استراتيجيًا طويل الأمد.
شراكة متعددة لا تسوية قسرية
البديل الوحيد الواقعي هو الاعتراف بأن سوريا لم تعد قابلة للحكم بمنطق الشريك الواحد. الشراكة المتعددة ليست تنازلًا، بل ضرورة. شراكة تعترف بدور دمشق دون تحويله إلى أداة إقصاء، وتعترف بشرق الفرات بوصفه شريكًا لا تابعًا، ضمن مسار تفاوضي تدريجي، بضمانات مكتوبة، وأدوار واضحة، ومؤسسات محلية قوية.
المحصلة
شرق الفرات كاختبار لمستقبل سوريا، ما يجري في شرق الفرات اليوم هو اختبار نهائي لفكرة الدولة السورية ذاتها. إما دولة تعترف بتعدديتها وتبني شراكاتها على الواقع، أو دولة تعيد إنتاج أسباب انهيارها. دفع الكرد إلى الانكفاء القومي، وتفكيك التوازنات المحلية، لن يوحّد سوريا، بل سيُسرّع تفككها.
الاستقرار لا يُفرض، بل يُبنى… أو لا يكون.

