حين تُزوَّر الحقيقة باسم الطفولة "سجن القطان نموذجاً للتضليل الإعلامي ضد "الكورد وقوات سوريا الديمقراطية"

آدمن الموقع
0
قضايا ساخنة: فريق الجيوستراتيجي للدراسات
أثار بيان إدارة السجون في الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا حول نقل عدد من الأحداث إلى سجن القطان في مدينة الرقة حملة إعلامية واسعة تجاوزت حدود النقد المشروع إلى مستوى التضليل المنهجي المتعمّد. فالبيان، الذي جاء بلغة قانونية واضحة وهادئة، لم يكن اعترافاً بانتهاك ولا محاولة تبرير، بل توضيحاً مؤسساتياً يشرح حيثيات إجراء أمني تم اتخاذه قبل أشهر في ظروف معقدة فرضتها الحرب المستمرة مع تنظيم داعش. وقد أكد البيان أن هؤلاء المحتجزين هم من فئة الأحداث القُصّر، وأن قسماً منهم متورط في قضايا جنائية رُفعت بشأنها شكاوى رسمية من الأهالي، فيما كان القسم الآخر ضحية مباشرة لعمليات تجنيد واستغلال قسري من قبل تنظيم داعش، وهو ما يضع الملف برمّته في سياق حماية اجتماعية وأمنية لا في إطار القمع أو العقاب.

البيان شدد أيضاً على أن نقل الأحداث إلى سجن القطان لم يكن خطوة استثنائية أو طارئة، بل إجراءاً مؤقتاً فرضته الظروف الأمنية، مع التأكيد على إخضاعهم لمعاملة خاصة وفق المعايير الدولية، وتوفير برامج تأهيل نفسي واجتماعي تهدف إلى إصلاح السلوك وضمان إعادة اندماجهم في المجتمع. غير أن هذه المعطيات الجوهرية جرى تجاهلها أو تحريفها عمداً في تغطية عدد من القنوات العربية، التي تعاملت مع البيان لا بوصفه وثيقة قانونية، بل مادة خام لإعادة إنتاج سردية سياسية جاهزة تستهدف قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية.

في هذا السياق، برزت ممارسات التضليل الإعلامي بأوضح صورها، حيث جرى قلب المصطلحات وتفريغها من معناها القانوني، فتحول توصيف الأحداث إلى أطفال معتقلين، وأُعيد تصوير برامج التأهيل على أنها سجون قمعية، فيما تم تغييب الدور المركزي لتنظيم داعش في تجنيد القاصرين وتحويلهم إلى أدوات قتل. هذا الأسلوب، الذي برز بوضوح في تغطيات قناة الجزيرة، اعتمد خطاباً إنسانياً انتقائياً يستثير العاطفة العامة دون تقديم السياق الكامل، مع استخدام مصادر مجهولة وصور عامة لا علاقة لها بالوقائع، في محاولة لخلق صدمة أخلاقية تخدم أجندة سياسية لا علاقة لها بحقوق الطفل.

أما قناتا العربية والحدث، فقد سلكتا مساراً مختلفاً شكلياً لكنه متقاطع في الجوهر، عبر ربط ملف الأحداث بما يُسمّى فوضى شرق الفرات، وتقديم الإدارة الذاتية كسلطة غير قادرة على الحكم أو الضبط، مع تجاهل متعمّد لحقيقة أن مناطق شمال وشرق سوريا كانت ولا تزال الأكثر استقراراً نسبياً قياساً ببقية الجغرافيا السورية. هذا النوع من التضليل، الذي يُقدَّم بلغة خبرية رصينة، لا يقل خطورة عن التحريض المباشر، لأنه يزرع الشك في وعي المتلقي ويعيد إنتاج صورة نمطية عن الكورد كمشكلة أمنية لا كطرف أساسي في محاربة الإرهاب.

الأكثر خطورة في هذا المشهد هو التحول الواضح في الخطاب الإعلامي السعودي، حيث انتقلت العربية والحدث من مقاربة حذرة نسبياً تجاه الكورد في سوريا إلى خطاب أكثر عدائية للإدارة الذاتية وأكثر تساهلاً، بل متماهياً أحياناً، مع مشروع أحمد الشرع في دمشق. هذا التحول يعكس إعادة ترتيب للأولويات الإقليمية، حيث باتت المصالح السياسية تتقدم على أي اعتبارات تتعلق بالتطرف أو حقوق الإنسان. ففي الوقت الذي تُشن فيه حملات إعلامية شرسة ضد الإدارة الذاتية بسبب إجراءات قانونية تتعلق بالأحداث، يتم في المقابل تلميع شخصية أحمد الشرع وتقديمه كشريك محتمل في الاستقرار، رغم تاريخه المعروف في التطرف الديني وارتباطه السابق بتنظيمات جهادية.

هذا التناقض الصارخ يكشف أن ما يجري ليس دفاعاً عن الأطفال ولا حرصاً على القانون الدولي، بل استخداماً انتقائياً للخطاب الإنساني لضرب تجربة سياسية كردية مستقلة لا تخضع لمعادلات دمشق ولا لمشاريع الإسلام السياسي. فالإدارة الذاتية، بكل ما تواجهه من تحديات ونواقص، قدّمت نموذجاً مختلفاً في إدارة ملف شديد الحساسية كملف الأحداث المرتبطين بداعش، بينما تُمنح اليوم شرعية إعلامية لمن تورطوا فعلياً في تجنيد الأطفال وإعدامهم واستخدامهم وقوداً للحرب.

في المحصلة، يكشف الدمج بين بيان إدارة السجون وحملة التضليل الإعلامي التي تلته عن معركة سرديات حقيقية تدور في سوريا، حيث لا يُستهدف إجراء بعينه بقدر ما يُستهدف نموذج كامل يقوم على التعددية واللامركزية والشراكة المجتمعية. وفي هذه المعركة، تتحول الحقيقة القانونية إلى عبء على الإعلام الموجّه، فيما يصبح الكذب أداة سياسية لإعادة إنتاج أنظمة وشخصيات متطرفة على حساب تجربة ديمقراطية ناشئة دفعت ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!