التحول الإستراتيجي في الدور والمكانة الدولية للكورد من هامش الجغرافيا إلى مركز المعادلات الإقليمية ( مؤتمر ميونخ الأمني نموذجاً )

آدمن الموقع
0
قراءات سياسية لـ إبراهيم ممصطفى (كابان)
لم يعد الحضور الكردي في المنصات الدولية حدثاً بروتوكولياً أو مشاركة رمزية يمكن إدراجها ضمن سياق التمثيل الشكلي، بل أصبح مؤشراً على تحولات بنيوية في طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع القضية الكردية. ويبرز ذلك بوضوح من خلال طبيعة المشاركة الكردية داخل مؤتمر ميونخ للأمن الذي يُعقد في ميونخ، حيث انتقل الكورد تدريجياً من كونهم موضوعاً للنقاش الدولي إلى كونهم طرفاً مشاركاً في صناعة هذا النقاش. 
هذا التحول يعكس تغيراً أعمق في بنية النظام الدولي نفسه، فالعالم لم يعد يتعامل فقط مع الدول بوصفها الفاعل الوحيد في العلاقات الدولية، بل بدأ يتعامل مع الفواعل دون الدول عندما تمتلك تأثيراً أمنياً أو جيوسياسياً أو اقتصادياً. وفي هذا السياق، بدأ الكورد يفرضون حضورهم كعامل استقرار نسبي داخل بيئة شرق أوسطية شديدة الاضطراب. 
إن التحول الحالي يطرح تساؤلات استراتيجية كبيرة حول ما إذا كان العالم يتجه نحو إعادة تعريف موقع الكورد داخل التوازنات الإقليمية، ليس فقط كقضية قومية، بل كعامل بنيوي في معادلات الأمن والطاقة والاستقرار السياسي في المنطقة. 
 
كسر احتكار التمثيل الدولي والانتقال إلى الدبلوماسية المباشرة

طوال عقود طويلة، بقيت القضية الكردية محكومة بإطار سياسي ضيق فرضته الدول التي تتقاسم الجغرافيا الكردية. فقد كان التواصل مع العالم الخارجي يتم عبر القنوات الرسمية للدول المركزية في تركيا وإيران والعراق وسوريا، وهو ما سمح لهذه الدول باحتكار الرواية السياسية وتقديم المسألة الكردية باعتبارها شأناً داخلياً. 
التحول الحالي يتمثل في انتقال الكورد من مرحلة الاعتماد على الوسيط الإجباري إلى مرحلة بناء قنوات تواصل مباشرة مع المجتمع الدولي. هذا التحول لا يعني فقط كسر العزلة السياسية، بل يعني إعادة تعريف موقع الكورد في الإدراك الدولي، حيث أصبحوا يُنظر إليهم كجزء من معادلة الاستقرار الإقليمي وليس فقط كملف حقوقي داخلي. 
هذا التغير ساهم في خلق مساحة سياسية جديدة للكورد، حيث أصبحوا قادرين على طرح رؤيتهم السياسية مباشرة أمام مراكز القرار العالمية، وهو ما يشكل اختراقاً فعلياً لجدار الصمت الدولي الذي كان يحيط بالقضية الكردية لعقود طويلة. 
 
تثبيت إقليم كردستان كفاعل شبه دولتي في المعادلة الإقليمية

إن مشاركة ممثلي رئاسة إقليم كردستان في المنتديات الدولية الكبرى تعكس انتقال إقليم كردستان من موقع الكيان الإداري المحلي إلى موقع الفاعل شبه الدولي داخل النظام الإقليمي. 
الحضور في المؤتمرات الأمنية والسياسية الدولية يمنح الإقليم شرعية سياسية غير مباشرة، حيث يتم التعامل معه كشريك في ملفات الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي. هذا التطور يعزز قدرة الإقليم على المناورة داخل علاقته مع بغداد ويمنحه هامشاً أوسع في إدارة ملفاته الاقتصادية والسياسية. 
كما أن هذا الحضور يساهم في بناء شبكة علاقات مباشرة مع القوى الدولية، وهو ما يقلل من الاعتماد الكامل على القنوات المركزية التقليدية، ويمنح الإقليم قدرة أكبر على صياغة سياساته الخارجية وفقاً لمصالحه الاستراتيجية. 
هذا التحول لا يصل إلى مستوى الاعتراف السيادي الكامل، لكنه يمثل خطوة مهمة في مسار التحول من الفاعل المحلي إلى الفاعل الإقليمي المؤثر. 
 
صعود الفاعل الكردي في سوريا إلى مستوى التأثير الدولي

على المستوى السوري، فإن ظهور شخصيات كردية فاعلة مثل مظلوم عبدي في المحافل الدولية يعكس تحولات نوعية في نظرة المجتمع الدولي إلى الكورد في شمال شرق سوريا. 
هذا الحضور يعكس انتقال الكورد هناك من دور الشريك العسكري في الحرب على الإرهاب إلى دور الفاعل السياسي المحتمل في مستقبل سوريا. كما أنه يشير إلى وجود اعتراف دولي متزايد بأهمية الدور الكردي في الحفاظ على الاستقرار المحلي ومنع عودة التنظيمات المتطرفة. 
إن هذا التطور يمنح الكورد أدوات تفاوضية أكبر في أي عملية سياسية مستقبلية تخص سوريا، ويعزز حضورهم كجزء من أي معادلة سياسية قادمة في البلاد. 
 
بين منطق الصداقات الدولية ومنطق الضرورة الجيوسياسية

التحول في العلاقات الدولية مع الكورد لا يمكن تفسيره فقط ضمن إطار التحالفات أو الصداقات السياسية. فالنظام الدولي يقوم أساساً على المصالح الاستراتيجية وليس على العلاقات العاطفية أو التاريخية. 
الدور الكردي يكتسب أهميته من موقعه الجغرافي ومن دوره الأمني ومن موقعه داخل خرائط الطاقة والنقل الإقليمي. وهذا ما يجعل القوى الدولية تنظر إلى الكورد باعتبارهم جزءاً من معادلة الاستقرار في الشرق الأوسط. 
بمعنى آخر، قد لا يكون العالم بصدد بناء تحالفات خاصة مع الكورد، لكنه بات يدرك أن تجاهلهم لم يعد خياراً عملياً في ظل تعقيدات الشرق الأوسط الحالية. 
 
حدود الإنجاز الكردي والتحديات الاستراتيجية القادمة

رغم التقدم الواضح في الحضور الدولي، ما يزال هذا الحضور محكوماً بسقف المصالح الدولية. فالمجتمع الدولي ما يزال يتعامل مع الكورد ضمن إطار الشراكة الوظيفية في ملفات الأمن والاستقرار، دون الوصول إلى مستوى الاعتراف السياسي الكامل. 
التحدي الأكبر أمام الكورد يتمثل في قدرتهم على تحويل هذا الحضور الدولي إلى مكاسب سياسية مستدامة، وهو ما يتطلب تطوير المؤسسات الدبلوماسية، وتعزيز وحدة الخطاب السياسي، وبناء رؤية استراتيجية طويلة المدى. 
  
الكورد بين الفرصة التاريخية وتعقيدات النظام الدولي

يعيش الكورد اليوم لحظة تاريخية مهمة في علاقتهم مع النظام الدولي. فالحضور داخل مراكز القرار العالمية وبناء قنوات الاتصال المباشر مع القوى الدولية وكسر الاحتكار الدبلوماسي التقليدي كلها مؤشرات على تحول استراتيجي حقيقي في موقعهم داخل المعادلة الإقليمية. 
لكن تثبيت هذا التحول يتطلب إدارة سياسية ودبلوماسية دقيقة، لأن النظام الدولي ما يزال يتحرك ضمن توازنات معقدة تحكمها مصالح الدول الكبرى واستقرار الأنظمة الإقليمية. 
إن الشرق الأوسط قد يمر اليوم عبر البوابة الكردية بدرجة أو بأخرى، لكن تحويل هذا الواقع إلى مكاسب سياسية تاريخية يحتاج إلى عمل طويل النفس واستراتيجية متماسكة قادرة على التعامل مع تعقيدات السياسة الدولية.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!