التحولات العميقة في بنية السلطة والمجتمع واحتمالات الصراع السني - السني في سوريا

آدمن الموقع
0
 
تقرير إستراتيجي: جمال محمود - جانا قاسم/ خاص الجيوستراتيجي للدراسات 
تشير التجارب التاريخية للدول الخارجة من الحروب الطويلة إلى أن أخطر المراحل لا تكون بالضرورة أثناء الحرب نفسها، بل في مرحلة ما بعد تثبيت خطوط السيطرة العسكرية، حيث تبدأ التناقضات البنيوية بالظهور داخل منظومة السلطة والمجتمع في آن واحد. في حالة سوريا، تتقاطع أزمة الاقتصاد مع أزمة الشرعية السياسية ومع أزمة التماسك الاجتماعي، وهو تداخل معقد يخلق بيئة شديدة الهشاشة على المدى المتوسط، ويجعل مرحلة ما بعد الحرب أكثر حساسية من مرحلة الصراع العسكري المباشر.

ضمن هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أن السياسات البنيوية التي اتبعتها السلطة السورية خلال عقود سابقة ساهمت في إنتاج تفاوتات اجتماعية عميقة داخل المجتمع، حيث تشكّل نمط من الانقسام الاجتماعي غير المعلن داخل المجتمع السني بين شريحة مدينية متمدنة نسبياً مرتبطة بالمراكز الحضرية والوظائف البيروقراطية والتعليمية، وشريحة أخرى مهمشة اقتصادياً وتنموياً في القرى والأرياف البعيدة عن مراكز القرار السياسي والاقتصادي. هذا التمايز لم يكن بالضرورة قائماً على أسس دينية بحتة بقدر ما كان مرتبطاً بأنماط التنمية غير المتوازنة، وتركيز الموارد والخدمات وفرص التعليم والعمل في المراكز الحضرية الكبرى على حساب الأطراف الريفية. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الفجوة إلى عامل اجتماعي بنيوي ساهم في تشكيل أنماط مختلفة من الوعي الاجتماعي والاقتصادي بين هذه الشرائح. 
تظهر المؤشرات الاقتصادية الكلية خلال السنوات الأخيرة تراجعاً حاداً في القدرة الإنتاجية الوطنية، وانكماشاً في الناتج المحلي الحقيقي، وارتفاعاً مستمراً في معدلات التضخم، إضافة إلى تآكل القوة الشرائية للطبقات الوسطى. هذه المؤشرات لا يمكن قراءتها فقط كمؤشرات مالية أو اقتصادية، بل يجب فهمها كدلائل بنيوية على انتقال الدولة من نموذج "الدولة المنتجة أو الموزعة للموارد" إلى نموذج "الدولة المديرة للأزمة". في الأدبيات السياسية، يرتبط هذا التحول عادة بزيادة اعتماد السلطة على شبكات الولاء الأمنية والاقتصادية الضيقة بدلاً من الاعتماد على قاعدة اجتماعية واسعة ومتعددة الطبقات. 

تاريخياً، يمكن ملاحظة نماذج مشابهة في دول خرجت من حروب أهلية طويلة، حيث تحولت النخب الحاكمة تدريجياً من نخب بيروقراطية – مؤسساتية تعتمد على جهاز الدولة الرسمي، إلى نخب أمنية – شبكية تعتمد على توازنات القوة وعلى شبكات النفوذ غير الرسمية. هذا التحول غالباً ما يولد توتراً كامناً داخل المجتمع، لأن النخب الجديدة غالباً ما تفتقر إلى الشرعية الاجتماعية التاريخية التي كانت تتمتع بها النخب الإدارية التقليدية، وتعتمد بدرجة أكبر على أدوات السيطرة الصلبة وعلى إدارة التوازنات الأمنية بدلاً من الاعتماد على التوافق المجتمعي الواسع أو على الإنتاج الاقتصادي الحقيقي. 
في هذا الإطار، تصبح مرحلة ما بعد الحرب مرحلة إعادة تشكيل عميقة للبنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، حيث لا يقتصر الصراع على إعادة توزيع السلطة داخل الدولة، بل يمتد ليشمل إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع نفسه، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع قدرة الدولة على لعب دور الوسيط الاجتماعي والاقتصادي بين مكونات المجتمع المختلفة.
 
تحولات مركز القوة داخل دمشق وإعادة تشكيل النخب الحضرية بعد الحرب

العاصمة تمثل تقليدياً مركز توازن الدولة، لكنها في حالات ما بعد الصراعات الطويلة تتحول غالباً إلى ساحة إعادة توزيع النفوذ بين شبكات القوة التي تشكلت أثناء الحرب. في هذا السياق، تشير تقارير بحثية صادرة عن مراكز دراسات الشرق الأوسط خلال الأعوام الماضية إلى تصاعد دور اقتصاد الظل، وازدياد تأثير شبكات اقتصادية – عسكرية مرتبطة بمناطق جغرافية محددة. 
هذا النمط ليس خاصاً بسوريا فقط، بل يتكرر في معظم الدول التي شهدت عسكرة الاقتصاد خلال فترات الحرب. الدليل على ذلك يمكن ملاحظته في ارتفاع حجم الاقتصاد غير الرسمي مقارنة بالاقتصاد الرسمي، وفي انتقال السيطرة على بعض القطاعات الاقتصادية إلى شبكات مرتبطة مباشرة بمراكز القوة العسكرية أو الأمنية. في مثل هذه الحالات، يصبح الصراع على الموارد داخل منظومة السلطة نفسها أكثر احتمالاً، لأن الاقتصاد لم يعد قادراً على استيعاب جميع شبكات النفوذ ضمن توازن مستقر. 
إضافة إلى ذلك، تظهر دراسات التحولات الحضرية بعد الحروب أن المدن التي تستقبل موجات سكانية كبيرة من مناطق الصراع غالباً ما تشهد تغيرات في بنيتها الاجتماعية والسياسية خلال فترة قصيرة نسبياً، وهو ما يؤدي إلى إعادة تشكيل توازنات القوة داخلها. 
 
التحولات الديمغرافية والاجتماعية بين المراكز الحضرية ومناطق الأطراف مثل حلب وإدلب ودير الزور والرقة

إحدى أهم الدلائل على احتمالات التوتر الاجتماعي المستقبلي تتمثل في التحولات الديمغرافية السريعة التي حدثت خلال سنوات الحرب. الدراسات السوسيولوجية المتعلقة بإعادة توزيع السكان في الدول الخارجة من النزاعات تظهر أن الانتقال المفاجئ لمجموعات سكانية كبيرة إلى مدن لم تكن تاريخياً مراكز لها يؤدي إلى ظهور ما يسمى "الضغط الاجتماعي الحضري"، حيث تتنافس المجموعات المختلفة على الموارد المحدودة مثل فرص العمل والسكن والخدمات. 
في الحالة السورية، يضاف إلى ذلك اختلاف أنماط الاقتصاد المحلي بين المناطق. بعض المناطق كانت قائمة تاريخياً على اقتصاد زراعي – ريفي، بينما اعتمدت المدن الكبرى على اقتصاد تجاري وخدمي. عندما يلتقي هذان النموذجان داخل فضاء اقتصادي منهك أصلاً، تظهر احتكاكات اقتصادية واجتماعية يصعب احتواؤها عبر الأدوات التقليدية للدولة. 
كما تشير تقارير منظمات دولية إنسانية خلال سنوات ما بعد ذروة الصراع إلى ارتفاع مستويات الفقر متعدد الأبعاد، وهو مؤشر مهم لأنه لا يقيس فقط الدخل، بل يقيس أيضاً الوصول إلى التعليم والخدمات الصحية والسكن اللائق. ارتفاع هذا النوع من الفقر غالباً ما يكون مؤشراً مبكراً على احتمالات عدم الاستقرار الاجتماعي. 
 
التحالفات التي صنعتها الحرب وإشكالية تفككها في مرحلة ما بعد الصراع

تظهر دراسات علم السياسة المقارن أن التحالفات التي تتشكل في ظروف الحروب الطويلة تكون غالباً تحالفات اضطرارية قائمة على مواجهة خطر مشترك، وليس على أساس مشروع سياسي أو اجتماعي متكامل. عندما يتراجع التهديد الخارجي أو يتغير شكله، تبدأ التناقضات الداخلية بالظهور داخل هذه التحالفات. 
الدليل التاريخي على ذلك يمكن ملاحظته في عدد كبير من الدول التي خرجت من حروب أهلية، حيث شهدت فترات ما بعد الحرب صراعات داخل المعسكر المنتصر نفسه. السبب الرئيسي لذلك يعود إلى التنافس على الموارد وعلى إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة. في بيئة اقتصادية منكمشة، يصبح هذا التنافس أكثر حدة، لأن الموارد المتاحة لا تكفي لاستيعاب جميع مراكز القوة. 
 
أثر البيئة الدولية في تسريع التناقضات الداخلية

تشير التجارب التاريخية إلى أن الدول الخارجة من الحروب تحتاج عادة إلى تدفقات مالية خارجية ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية ولإعادة تنشيط الاقتصاد. في غياب هذه التدفقات، تميل الاقتصادات الوطنية إلى الدخول في دورات طويلة من الركود، وهو ما يزيد الضغط على الدولة والمجتمع. 
في الحالة السورية، استمرار القيود الاقتصادية الدولية وضعف الاستثمار الخارجي يشكلان عاملاً ضاغطاً طويل الأمد. الدليل على ذلك يمكن ملاحظته في بطء عمليات إعادة الإعمار مقارنة بدول أخرى خرجت من صراعات مسلحة، وفي استمرار اعتماد شرائح واسعة من السكان على التحويلات الخارجية أو على اقتصاد المساعدات. 
 
مسارات التحول المحتملة وإعادة تشكيل منظومة القوة داخل الدولة والمجتمع

تشير النماذج التحليلية الخاصة بدول ما بعد الصراعات إلى أن المرحلة التالية غالباً ما تكون مرحلة إعادة تشكيل داخلية لمنظومة القوة. هذه المرحلة لا تكون بالضرورة صراعاً سياسياً مباشراً، بل قد تبدأ بصراعات نفوذ اقتصادية أو اجتماعية قبل أن تتحول إلى صراعات أمنية أو سياسية أوسع. 
العامل الحاسم في تحديد مسار هذه المرحلة سيكون قدرة الدولة على خلق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. إذا استمر التدهور الاقتصادي وتراجعت قدرة الدولة على إدارة التوازنات الاجتماعية، فإن احتمالات الصدام داخل منظومة السلطة والمجتمع ترتفع بشكل تدريجي. 
 
المحصلة الختامية

المشهد السوري يقف أمام مرحلة تاريخية معقدة تتداخل فيها التحولات الاقتصادية مع التحولات الاجتماعية مع إعادة تشكيل منظومة القوة السياسية. الدلائل الاقتصادية والديمغرافية والسوسيولوجية تشير إلى بيئة عالية الهشاشة البنيوية، وهي بيئة تاريخياً تكون أكثر عرضة للصراعات الداخلية المعقدة التي لا تقوم فقط على التناقضات السياسية، بل على التناقضات الاجتماعية والاقتصادية التي تراكمت عبر سنوات طويلة من الصراع.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!