تقرير: فريق الجيوستراتيجي للدراسات
لم يعد الخلاف بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجرد اختلاف سياسات بين حلفاء، بل أصبح انعكاساً لتحول أعمق في تصور كل طرف لموقعه في النظام الدولي. التحالف الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية على أساس الردع المشترك والقيم الليبرالية المشتركة دخل اليوم مرحلة إعادة تعريف جذرية، حيث لم تعد واشنطن ترى نفسها ضامناً مجانياً للنظام الدولي، بينما لم تعد أوروبا تقبل بدور الشريك التابع.
التوترات الأخيرة، خصوصاً حول قضايا التجارة والطاقة والدفاع والسيادة التكنولوجية، تعكس انتقال العلاقة من نموذج التحالف الهيكلي طويل الأمد إلى نموذج الشراكة المشروطة قصيرة الأمد. هذا التحول لا يحدث فقط بسبب شخصية القيادة السياسية في واشنطن، بل نتيجة تغير بنيوي في توزيع القوة العالمية وصعود منافسين جدد يفرضون على أمريكا إعادة حسابات كلفة التحالفات.
التقارير الأخيرة تشير إلى أن العلاقات عبر الأطلسي تلقت "ضربة كبيرة" بسبب سياسات واشنطن المتقلبة وتهديدات الرسوم الجمركية والخلافات حول الأمن الأوروبي، مع شعور أوروبي متزايد بعدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الأمريكية.
التوترات الأخيرة، خصوصاً حول قضايا التجارة والطاقة والدفاع والسيادة التكنولوجية، تعكس انتقال العلاقة من نموذج التحالف الهيكلي طويل الأمد إلى نموذج الشراكة المشروطة قصيرة الأمد. هذا التحول لا يحدث فقط بسبب شخصية القيادة السياسية في واشنطن، بل نتيجة تغير بنيوي في توزيع القوة العالمية وصعود منافسين جدد يفرضون على أمريكا إعادة حسابات كلفة التحالفات.
التقارير الأخيرة تشير إلى أن العلاقات عبر الأطلسي تلقت "ضربة كبيرة" بسبب سياسات واشنطن المتقلبة وتهديدات الرسوم الجمركية والخلافات حول الأمن الأوروبي، مع شعور أوروبي متزايد بعدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الأمريكية.
صعود قومية المصالح في عصر دونالد ترامب وإعادة تعريف التحالفات
السياسة الخارجية الأمريكية الحالية تقوم على مبدأ بسيط لكنه جذري: الحلفاء يجب أن يدفعوا ثمن الحماية أو يطوروا قدراتهم الذاتية. هذا التحول ينسف فلسفة التحالفات الغربية التي بنيت على تقاسم الأعباء وليس تسعيرها.
الضغط الأمريكي على أوروبا عبر الرسوم الجمركية والتهديدات الاقتصادية، مثل التهديد بفرض تعريفات على دول أوروبية بسبب خلافات جيوسياسية، اعتُبر في أوروبا تهديداً مباشراً لبنية التحالف الغربي نفسه، مع تحذيرات أوروبية من "دوامة تدهور خطيرة" في العلاقات.
كما أن السياسات الأمريكية المرتبطة بالحوافز الضريبية وسحب الاستثمارات الصناعية نحو الداخل الأمريكي تسرّع نقل مراكز الابتكار والصناعة من أوروبا إلى أمريكا، ما يعمّق الفجوة الاقتصادية والتكنولوجية بين الطرفين.
أوروبا بين استقلال استراتيجي نظري واعتماد واقعي عميق
المفارقة الأساسية أن أوروبا تتحدث اليوم أكثر من أي وقت مضى عن الاستقلال الاستراتيجي، لكنها في الوقت نفسه أكثر ارتباطاً بالاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا الأمريكية مما كانت عليه في مراحل تاريخية سابقة.
الاقتصاد عبر الأطلسي ما زال يشكل أكبر كتلة اقتصادية متشابكة في العالم، مع تريليونات الدولارات من التجارة والاستثمارات المتبادلة سنوياً، ما يجعل الانفصال الكامل شبه مستحيل دون صدمة اقتصادية عالمية.
لكن هذا الاعتماد الاقتصادي لا يمنع صعود خطاب أوروبي جديد يرى أن الاعتماد الأمني على واشنطن أصبح خطراً استراتيجياً بحد ذاته، خصوصاً في ظل تذبذب المواقف الأمريكية تجاه قضايا الأمن الأوروبي.
أزمة الثقة الأمنية ومستقبل حلف شمال الأطلسي
التحالف العسكري الأطلسي لم يعد يعمل وفق منطق التهديد الخارجي فقط، بل أصبح رهينة التوازنات السياسية الداخلية داخل الغرب نفسه. الخلافات حول أوكرانيا، روسيا، وحتى ملفات الهجرة والطاقة، أصبحت تؤثر مباشرة على الثقة العسكرية بين الطرفين.
التحليلات الاستراتيجية تشير إلى أن أي تسوية دولية في النزاعات الأوروبية دون ضمانات أمنية حقيقية قد تضعف مصداقية أوروبا كفاعل أمني مستقل، وتفتح المجال لصراعات جيوسياسية جديدة في مناطق حساسة مثل البلقان.
الانقسام الأيديولوجي داخل الغرب: من صراع مصالح إلى صراع نماذج حضارية
الخطاب الأمريكي الأخير الذي يتهم أوروبا بالانحدار الحضاري قوبل برفض أوروبي قوي، حيث أكد القادة الأوروبيون أن نموذجهم القائم على حقوق الإنسان والتعددية لا يزال مصدر قوة وليس ضعفاً.
هذا الصراع ليس مجرد خطاب سياسي، بل يعكس اختلافاً حقيقياً في تصور الدولة والمجتمع والاقتصاد بين ضفتي الأطلسي، حيث تتجه واشنطن نحو نموذج قومي اقتصادي محافظ، بينما تحاول أوروبا الحفاظ على نموذجها الليبرالي الاجتماعي.
إعادة هندسة النفوذ الأمريكي داخل أوروبا بدلاً من مواجهتها ككتلة واحدة
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لا تعتمد فقط على الضغط على أوروبا كمؤسسة، بل على إعادة تشكيل توازن القوى داخلها عبر تعزيز العلاقات مع دول أوروبا الوسطى والشرقية، خاصة تلك الأقرب سياسياً لواشنطن.
التحركات الدبلوماسية الأمريكية الأخيرة ركزت على تعميق التعاون الدفاعي والطاقة مع دول مثل سلوفاكيا والمجر، في محاولة لإعادة تشكيل النفوذ داخل أوروبا نفسها.
الاقتصاد كسلاح جيوسياسي في العلاقات عبر الأطلسي
لم تعد التجارة مجرد تبادل اقتصادي، بل أصبحت أداة ضغط استراتيجي. الرسوم الجمركية، وسلاسل التوريد، والطاقة، وحتى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، كلها أصبحت أدوات في الصراع الجيوسياسي بين الحلفاء أنفسهم.
الاتفاقات التجارية الأخيرة بين الطرفين، رغم أنها خففت بعض التوترات، إلا أنها فرضت تعريفات واسعة على الصادرات الصناعية الأوروبية، ما يعكس اختلالاً متزايداً في ميزان القوة الاقتصادية.
صعود الصين كمسرّع للانقسام الغربي
التوتر بين أوروبا وأمريكا لا يحدث في فراغ، بل في سياق صعود الصين كمنافس تكنولوجي واقتصادي وعسكري. هذا الصعود يضع الغرب أمام مفارقة استراتيجية: الحاجة للوحدة في مواجهة المنافسين، مقابل تزايد التنافس داخل المنظومة الغربية نفسها.
أزمة التحالف ليست نهاية الغرب بل نهاية شكله القديم
المشهد الحالي لا يشير إلى انهيار التحالف الغربي، بل إلى تحوله من تحالف قيم ومؤسسات إلى شبكة تحالفات مصلحية مرنة. الغرب يدخل مرحلة ما بعد الأطلسية التقليدية، حيث لن يكون هناك مركز قيادة واحد، بل مراكز قوة متعددة داخل الفضاء الغربي نفسه.

