ما بعد إنتهاء القوة العسكرية كيف يُعاد تشكيل الحضور الكردي في سوريا؟
قراءة سياسية لـ إبراهيم كابان
تشهد سوريا اليوم واحدة من أكثر مراحلها التاريخية حساسية وتعقيداً، حيث لم تعد التحولات الجارية مجرد امتداد لصراع بدأ عام 2011، بل أصبحت أقرب إلى عملية إعادة تشكيل شاملة لبنية الدولة السورية نفسها، وموقع الفاعلين داخلها، وحدود القوة والنفوذ لكل طرف.
في هذه المرحلة الانتقالية، تتراجع تدريجياً معادلات الحرب المفتوحة لصالح معادلات التفاهمات الإقليمية وإعادة توزيع النفوذ، حيث تتقاطع مصالح قوى متعددة، أبرزها تركيا، ودمشق، والقوى الدولية، في صياغة ملامح “سوريا ما بعد الصراع”.
ضمن هذا السياق، يجد الكورد أنفسهم أمام منعطف جديد، لا يتعلق فقط بمستقبل تجربة الإدارة الذاتية، بل بمستقبل موقعهم السياسي والدستوري داخل دولة يُعاد تعريفها من جديد.
تشهد سوريا اليوم واحدة من أكثر مراحلها التاريخية حساسية وتعقيداً، حيث لم تعد التحولات الجارية مجرد امتداد لصراع بدأ عام 2011، بل أصبحت أقرب إلى عملية إعادة تشكيل شاملة لبنية الدولة السورية نفسها، وموقع الفاعلين داخلها، وحدود القوة والنفوذ لكل طرف.
في هذه المرحلة الانتقالية، تتراجع تدريجياً معادلات الحرب المفتوحة لصالح معادلات التفاهمات الإقليمية وإعادة توزيع النفوذ، حيث تتقاطع مصالح قوى متعددة، أبرزها تركيا، ودمشق، والقوى الدولية، في صياغة ملامح “سوريا ما بعد الصراع”.
ضمن هذا السياق، يجد الكورد أنفسهم أمام منعطف جديد، لا يتعلق فقط بمستقبل تجربة الإدارة الذاتية، بل بمستقبل موقعهم السياسي والدستوري داخل دولة يُعاد تعريفها من جديد.
من فراغ الدولة إلى تشكل الفاعلية الكردية
لم يكن الحضور الكردي في شمال وشرق سوريا خلال العقد الأخير نتاج مشروع سياسي مكتمل بدأ من الداخل فقط، بل جاء أساساً نتيجة انهيار تدريجي لسلطة الدولة المركزية وظهور فراغات واسعة في البنية الأمنية والإدارية بعد عام 2011. وهذا الفراغ أتاح نشوء تجربة سياسية وإدارية غير مسبوقة في التاريخ السوري الحديث، تمثلت في “الإدارة الذاتية” وقواتها العسكرية، التي لعبت دوراً محورياً في مواجهة تنظيم داعش، ما منحها شرعية عملية على المستوى الدولي، وفتح أمامها هامشاً واسعاً من الحركة السياسية والعسكرية.
لكن هذه الشرعية، رغم أهميتها، بقيت مرتبطة إلى حد كبير بالوظيفة الأمنية والعسكرية، أكثر من ارتباطها باعتراف سياسي ودستوري مستقر داخل بنية الدولة السورية. من الطبيعي التراجع في زخم الحرب أثرت في اعادة تقييم القوى الدولية والإقليمية للوضع في سوريا، وضمنها إنهاء نتائج الحرب الأهلية خلال السنوات الماضية بتوحيد القوى داخل مؤسسة عسكرية وسياسية تكرر المنهجية المركزية السابقة.
لم يكن الحضور الكردي في شمال وشرق سوريا خلال العقد الأخير نتاج مشروع سياسي مكتمل بدأ من الداخل فقط، بل جاء أساساً نتيجة انهيار تدريجي لسلطة الدولة المركزية وظهور فراغات واسعة في البنية الأمنية والإدارية بعد عام 2011. وهذا الفراغ أتاح نشوء تجربة سياسية وإدارية غير مسبوقة في التاريخ السوري الحديث، تمثلت في “الإدارة الذاتية” وقواتها العسكرية، التي لعبت دوراً محورياً في مواجهة تنظيم داعش، ما منحها شرعية عملية على المستوى الدولي، وفتح أمامها هامشاً واسعاً من الحركة السياسية والعسكرية.
لكن هذه الشرعية، رغم أهميتها، بقيت مرتبطة إلى حد كبير بالوظيفة الأمنية والعسكرية، أكثر من ارتباطها باعتراف سياسي ودستوري مستقر داخل بنية الدولة السورية. من الطبيعي التراجع في زخم الحرب أثرت في اعادة تقييم القوى الدولية والإقليمية للوضع في سوريا، وضمنها إنهاء نتائج الحرب الأهلية خلال السنوات الماضية بتوحيد القوى داخل مؤسسة عسكرية وسياسية تكرر المنهجية المركزية السابقة.
وهنا يجدر الإشارة إلى الدور الذي لعبتها تركيا في إنهاء الحالة العسكرية لقوات قسد بدمجها مع مجموعة حركة تحرير الشام التي تولت السلطة في دمشق، وكان للمفاوضات بين النظام التركي والسيد أوجلان التأثير المباشر على إنتاج وتحقيق ذلك.
الحضور التركي من التحول الحرب إلى هندسة بناء سوريا وفق معاييرها
تتعامل تركيا مع الملف السوري من منظور أمني استراتيجي مباشر، حيث يعتبر أي شكل من أشكال الكيانات الكردية المسلحة على حدودها الجنوبية تهديداً وجودياً ينبغي احتواؤه أو تفكيكه أو إعادة دمجه ضمن ترتيبات سياسية جديدة. غير أن الملاحظ في المرحلة الحالية هو انتقال السياسة التركية من منطق التدخل العسكري المباشر إلى منطق أكثر تعقيداً يقوم على “هندسة البيئة السياسية السورية”، بما يضمن منع تشكل أي كيان كردي مستقل أو شبه مستقل على المدى الطويل.
هذا التحول يعكس تطوراً في الاستراتيجية التركية من إدارة العمليات العسكرية إلى إدارة النتائج السياسية، أي محاولة إعادة تشكيل طبيعة الدولة السورية القادمة بطريقة تقلل من احتمالات ظهور مراكز قوة كردية مستقلة خارج المركز. وبهذا المعنى لا تتحرك تركيا فقط داخل ميدان الصراع، بل داخل عملية إعادة تعريف الدولة نفسها.
التحولات الدولية وإعادة تعريف وظيفة الحلفاء المحليين
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً تدريجياً في طبيعة الدور الدولي في سوريا، وخاصة الدور الأمريكي، الذي انتقل من دعم عسكري مباشر وشامل إلى إدارة وجود محدود يقوم على منع عودة الفوضى أكثر من إعادة تشكيل النظام السياسي.
هذا التحول لا يعني انسحاباً كاملاً من المشهد، لكنه يعني تغيراً في وظيفة الفاعل الدولي من صانع للوقائع إلى مدير للتوازنات. وفي هذا السياق الجديد يتم إعادة تقييم جميع القوى المحلية التي برزت خلال سنوات الحرب بما فيها القوى الكردية، وفق معيار جديد يقوم على القدرة على الاندماج في ترتيبات ما بعد الصراع، وليس فقط القدرة على تحقيق السيطرة الميدانية.
وهذا التحول يفرض على جميع الأطراف إعادة تعريف أدواتها السياسية، وحدود نفوذها، وطبيعة تحالفاتها المستقبلية.
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً تدريجياً في طبيعة الدور الدولي في سوريا، وخاصة الدور الأمريكي، الذي انتقل من دعم عسكري مباشر وشامل إلى إدارة وجود محدود يقوم على منع عودة الفوضى أكثر من إعادة تشكيل النظام السياسي.
هذا التحول لا يعني انسحاباً كاملاً من المشهد، لكنه يعني تغيراً في وظيفة الفاعل الدولي من صانع للوقائع إلى مدير للتوازنات. وفي هذا السياق الجديد يتم إعادة تقييم جميع القوى المحلية التي برزت خلال سنوات الحرب بما فيها القوى الكردية، وفق معيار جديد يقوم على القدرة على الاندماج في ترتيبات ما بعد الصراع، وليس فقط القدرة على تحقيق السيطرة الميدانية.
وهذا التحول يفرض على جميع الأطراف إعادة تعريف أدواتها السياسية، وحدود نفوذها، وطبيعة تحالفاتها المستقبلية.
الإشكالية الكردية الداخلية بين التعدد والتمثيل
إلى جانب التحولات الخارجية يواجه الواقع الكردي في سوريا تحدياً داخلياً لا يقل أهمية، يتمثل في غياب إطار سياسي كردي موحد قادر على صياغة رؤية جامعة لمستقبل الوجود الكردي داخل الدولة السورية.
فالتعدد في المرجعيات السياسية، وتباين الرؤى بين القوى الكردية، وغياب مشروع وطني سوري كردي متفق عليه، كلها عوامل جعلت من الصعب تحويل المكتسبات التي تحققت خلال سنوات الحرب إلى مشروع سياسي مستدام.
كما أن غلبة البعد العسكري على حساب البعد المدني والسياسي في مرحلة الحرب، ساهمت في إبطاء عملية بناء مؤسسات سياسية ومدنية قادرة على التفاوض طويل الأمد حول الحقوق الدستورية.
وهنا تكمن إحدى أبرز التحديات في المرحلة القادمة " الانتقال من إدارة الواقع إلى صياغة المستقبل". ويضاف إلى ذلك تعدد المشاريع المتناقضة للأحزاب السياسية الكردية، فالإدارة الذاتية لا تتبنى مشروع قومي كردي وإنما تبني فكرة الديمقراطية العامة والتعايش الشعوب في بوتقة واحدة، يشبه كثيراً الحالة الأممية المفروغة من المطالب القومية الخاصة، فيما أطراف كردية اخرى متعددة تملك عشرات المشاريع ولكنها في الواقع العملي لا تملك الأدوات الوحدوية في بناء وقيادة مشروع، وأقصى ما يمكن فهمه هو الخلافات الحزبية الضيقة والتسبب بإفشال أي تطور للقضية الكردية. بذلك ينتج لدينا حالة كردية متشرذمة تساهم في فتح المجال أمام دمشق وتركيا في التلاعب بداخل الكردي من بوابة الإهتمام بأطراف محددة على حساب اخرى.
إلى جانب التحولات الخارجية يواجه الواقع الكردي في سوريا تحدياً داخلياً لا يقل أهمية، يتمثل في غياب إطار سياسي كردي موحد قادر على صياغة رؤية جامعة لمستقبل الوجود الكردي داخل الدولة السورية.
فالتعدد في المرجعيات السياسية، وتباين الرؤى بين القوى الكردية، وغياب مشروع وطني سوري كردي متفق عليه، كلها عوامل جعلت من الصعب تحويل المكتسبات التي تحققت خلال سنوات الحرب إلى مشروع سياسي مستدام.
كما أن غلبة البعد العسكري على حساب البعد المدني والسياسي في مرحلة الحرب، ساهمت في إبطاء عملية بناء مؤسسات سياسية ومدنية قادرة على التفاوض طويل الأمد حول الحقوق الدستورية.
وهنا تكمن إحدى أبرز التحديات في المرحلة القادمة " الانتقال من إدارة الواقع إلى صياغة المستقبل". ويضاف إلى ذلك تعدد المشاريع المتناقضة للأحزاب السياسية الكردية، فالإدارة الذاتية لا تتبنى مشروع قومي كردي وإنما تبني فكرة الديمقراطية العامة والتعايش الشعوب في بوتقة واحدة، يشبه كثيراً الحالة الأممية المفروغة من المطالب القومية الخاصة، فيما أطراف كردية اخرى متعددة تملك عشرات المشاريع ولكنها في الواقع العملي لا تملك الأدوات الوحدوية في بناء وقيادة مشروع، وأقصى ما يمكن فهمه هو الخلافات الحزبية الضيقة والتسبب بإفشال أي تطور للقضية الكردية. بذلك ينتج لدينا حالة كردية متشرذمة تساهم في فتح المجال أمام دمشق وتركيا في التلاعب بداخل الكردي من بوابة الإهتمام بأطراف محددة على حساب اخرى.
من سؤال الوجود إلى سؤال الموقع
إن الحديث عن" نهاية الدور الكردي " في سوريا لا يعكس بدقة طبيعة التحولات الجارية، بقدر ما يعكس انتقالاً في طبيعة هذا الدور. فالقضية الكردية في سوريا لم تعد مرتبطة فقط بمسألة الوجود، بل أصبحت مرتبطة بشكل أساسي بمسألة “الموقع” داخل الدولة السورية القادمة. وبعبارة أخرى، لم يعد السؤال: هل للكورد وجود سياسي في سوريا؟. بل أصبح السؤال: ما هو شكل هذا الوجود، وما هي حدوده، وما هي أدواته، وكيف يتم تثبيته دستورياً؟. وهذا التحول من سؤال الوجود إلى سؤال الموقع يمثل جوهر المرحلة الانتقالية الحالية، وهو ما يتطلب من الكرد إنتاج وحدة في الموقف وإنهاء الصراعات الداخلية، والعمل على تمكين البيت الداخلي من بوابة توحيد المطالب والعمل على تحقيقها بالطرق السلمية الملائمة.
إن الحديث عن" نهاية الدور الكردي " في سوريا لا يعكس بدقة طبيعة التحولات الجارية، بقدر ما يعكس انتقالاً في طبيعة هذا الدور. فالقضية الكردية في سوريا لم تعد مرتبطة فقط بمسألة الوجود، بل أصبحت مرتبطة بشكل أساسي بمسألة “الموقع” داخل الدولة السورية القادمة. وبعبارة أخرى، لم يعد السؤال: هل للكورد وجود سياسي في سوريا؟. بل أصبح السؤال: ما هو شكل هذا الوجود، وما هي حدوده، وما هي أدواته، وكيف يتم تثبيته دستورياً؟. وهذا التحول من سؤال الوجود إلى سؤال الموقع يمثل جوهر المرحلة الانتقالية الحالية، وهو ما يتطلب من الكرد إنتاج وحدة في الموقف وإنهاء الصراعات الداخلية، والعمل على تمكين البيت الداخلي من بوابة توحيد المطالب والعمل على تحقيقها بالطرق السلمية الملائمة.
وفي هذا السياق يمكن التوجه نحو تمكين العمل الميداني بغية تثبيت الحقوق دستورياً، فالمعادلة السورية القادمة لن تُحسم فقط عبر السيطرة الميدانية أو التوازنات العسكرية، بل عبر عملية سياسية ودستورية طويلة ومعقدة تتعلق بطبيعة الدولة، وشكل الحكم، ومستوى اللامركزية، وتوزيع السلطة بين المركز والأطراف.
وهذا يعني يصبح التحدي الأساسي أمام الكرد هو الانتقال من منطق القوة العسكرية، الذي كان ضرورة تاريخية في مرحلة الحرب، إلى منطق التثبيت السياسي والدستوري داخل الدولة.
ويتطلب ذلك إعادة صياغة الأولويات السياسية، بما يشمل: توحيد التمثيل السياسي الكردي، إلى جانب بناء خطاب تفاوضي موحد وتعزيز المؤسسات المدنية والإدارية، بالاضافة إلى الانفتاح على المكونات السورية الأخرى والعمل على تثبيت الحقوق الثقافية واللغوية والدستورية ضمن إطار الدولة.
ويتطلب ذلك إعادة صياغة الأولويات السياسية، بما يشمل: توحيد التمثيل السياسي الكردي، إلى جانب بناء خطاب تفاوضي موحد وتعزيز المؤسسات المدنية والإدارية، بالاضافة إلى الانفتاح على المكونات السورية الأخرى والعمل على تثبيت الحقوق الثقافية واللغوية والدستورية ضمن إطار الدولة.
المحصلة
إن ما تشهده سوريا اليوم لا يمكن قراءته بوصفه نهاية لمشروع أو بداية لانهيار، بل بوصفه مرحلة انتقالية عميقة تعيد فيها الدولة السورية تشكيل نفسها، ويعاد فيها تعريف أدوار جميع مكوناتها السياسية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، يدخل الكورد مرحلة جديدة من تاريخهم السياسي في سوريا، عنوانها الأساسي الانتقال من مرحلة الاستثناءات الناتجة عن الحرب، إلى مرحلة البحث عن استقرار سياسي ودستوري داخل دولة قيد التشكل من جديد.
وبين هاتين المرحلتين، تكمن مساحة واسعة من التحولات التي ستحدد ليس فقط مستقبل الكورد، بل مستقبل سوريا نفسها.

