لماذا يعجز إقليم كردستان عن تشكيل حكومة؟
قراءة في أزمة السلطة وتحولات النظام السياسي الكردستاني
قراءة في أزمة السلطة وتحولات النظام السياسي الكردستاني
إعداد المادة: فريق الجيوستراتيجي للدراسات
لم تعد أزمة تشكيل الحكومة في إقليم كردستان العراق مجرد تأخير في ولادة السلطة التنفيذية أو نتيجة طبيعية لمفاوضات ما بعد الانتخابات، بل أصبحت تعبيراً عن تحوّل عميق يطال طبيعة النظام السياسي نفسه، ويكشف حدود الصيغة التي حكمت الإقليم طوال العقود الثلاثة الماضية. فكل يوم يمر دون التوصل إلى حكومة جديدة لا يعكس خلافاً على توزيع المناصب فحسب، وإنما يكشف عن أزمة بنيوية تتصل بمفهوم السلطة، وآليات إنتاجها، وحدود النموذج السياسي الذي أدار الإقليم منذ نشأة مؤسساته الحديثة.
لقد قام النظام السياسي في إقليم كردستان، منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، على معادلة سياسية غير مكتوبة مفادها أن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يشكلان الركيزتين الأساسيتين للحكم، وأن استقرار الإقليم يرتبط بقدرتهما على الوصول إلى تسويات مشتركة، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات أو حجم القوى السياسية الأخرى. وقد أسهم هذا النموذج، في مراحل سابقة، في توفير قدر من الاستقرار السياسي، لكنه في المقابل رسّخ نظاماً توافقياً يقوم على تقاسم النفوذ أكثر مما يقوم على قواعد المنافسة الديمقراطية التقليدية.
غير أن المشهد السياسي الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة يشير إلى أن هذه المعادلة التاريخية لم تعد تعمل بالكفاءة ذاتها. فالأرقام البرلمانية لم تمنح أي طرف القدرة على فرض إرادته منفرداً، كما أن القوى السياسية الصاعدة لم تعد تقبل بدور الشريك الهامشي داخل نظام سياسي صُمم أساساً لإدارة التوازن بين حزبين كبيرين. وبهذا المعنى، فإن الأزمة الحالية لا تعكس مجرد تعثر في المفاوضات، بل تكشف عن بداية انتقال النظام السياسي من مرحلة إلى أخرى لم تتبلور قواعدها بعد.
أزمة نظام لا أزمة حكومة
تكمن المشكلة الحقيقية في أن الأزمة الراهنة ليست أزمة مقاعد برلمانية، لأن الفارق العددي بين الكتل لا يكفي وحده لتفسير استمرار الفراغ الحكومي، وإنما هي أزمة شرعية سياسية. فكل طرف يسعى إلى تفسير نتائج الانتخابات بما يمنحه حق قيادة المرحلة المقبلة، بينما ترفض الأطراف الأخرى الاعتراف بهذا التفسير، الأمر الذي يحول العملية السياسية من منافسة انتخابية إلى صراع على تعريف الشرعية نفسها.
ومن هذا المنطلق، يدرك الحزب الديمقراطي الكردستاني أن احتفاظه بالموقع الأول انتخابياً لا يمنحه بالضرورة القدرة على إدارة المشهد السياسي منفرداً، لكنه في الوقت ذاته لا يرغب في التخلي عن الموقع القيادي الذي راكمه خلال سنوات طويلة من إدارة مؤسسات الإقليم. وفي المقابل، يرى الاتحاد الوطني الكردستاني أن التحولات البرلمانية والتحالفات الجديدة تمثل فرصة لإعادة رسم موازين القوى، بما يضمن دوراً سياسياً يتناسب مع المتغيرات التي أفرزتها الانتخابات، لا مع التفاهمات التاريخية التي حكمت المراحل السابقة.
أما القوى السياسية الأخرى، وفي مقدمتها الجيل الجديد وحركة التغيير، فإنها تنظر إلى الأزمة من زاوية مختلفة. فهي لا ترى أن جوهر المشكلة يكمن في توزيع الحقائب الوزارية، بل في استمرار هيمنة الثنائية الحزبية على النظام السياسي. ولذلك فإن دخولها في تحالفات برلمانية جديدة لا يستهدف فقط زيادة الوزن العددي داخل البرلمان، وإنما يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم السلطة، بحيث تصبح الحكومات نتاجاً للأغلبية البرلمانية، لا امتداداً لتفاهمات سياسية ثابتة بين القوى التقليدية.
في المقابل، يقف النظام السياسي الكردستاني اليوم في منطقة انتقالية معقدة؛ فهو لم يتحول بالكامل إلى نظام برلماني تنافسي تُحسم فيه السلطة عبر صناديق الاقتراع، ولم يعد في الوقت نفسه نظاماً توافقياً مستقراً قادراً على إنتاج الحكومات بالآليات التي اعتاد عليها خلال العقود الماضية. وهذه المنطقة الرمادية هي التي تفسر استمرار حالة الجمود السياسي، إذ إن القواعد القديمة فقدت كثيراً من فاعليتها، بينما لم تتشكل بعد قواعد جديدة تحظى بقبول جميع الأطراف.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن بعدها الاقتصادي. فالحكومة المقبلة لن تواجه مجرد استحقاقات سياسية، بل سترث ملفات شديدة التعقيد تتعلق بأزمة الرواتب، ومستقبل قطاع النفط والغاز، والعلاقة المالية مع الحكومة الاتحادية، والاستثمارات، والديون، والاستقرار الاقتصادي. ومن هنا، فإن التنافس على تشكيل الحكومة لا يتعلق فقط بإدارة السلطة السياسية، وإنما أيضاً بإدارة الموارد الاقتصادية التي ستحدد موازين النفوذ خلال السنوات المقبلة.
كما أن العلاقة مع بغداد أصبحت عاملاً رئيسياً في تحديد طبيعة المفاوضات الداخلية. فالحكومة الجديدة ستكون مطالبة بإعادة التفاوض حول ملفات استراتيجية تتعلق بالموازنة الاتحادية، وإدارة الثروات الطبيعية، والإيرادات، وصلاحيات الإقليم الدستورية. وهذا يعني أن تشكيل الحكومة لم يعد قراراً كردستانياً داخلياً خالصاً، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الأطراف السياسية على إنتاج رؤية مشتركة لإدارة العلاقة مع الحكومة الاتحادية في ظل تعقيدات المشهد العراقي.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي والدولي للأزمة. فإقليم كردستان يشكل نقطة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية متعددة، وهو ما يجعل أي تغيير في بنيته السياسية محل اهتمام مباشر من القوى المؤثرة في المنطقة. ولذلك تتعامل الأحزاب الكردستانية مع مفاوضات تشكيل الحكومة بحذر شديد، ليس فقط بسبب الحسابات الداخلية، وإنما أيضاً نتيجة إدراكها لحجم التوازنات الخارجية التي تحيط بالإقليم.
لكن أخطر ما تكشفه الأزمة الحالية هو أن الشرعية السياسية لم تعد تُبنى على نتائج الانتخابات وحدها، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالقدرة على تعطيل تشكيل السلطة. فكلما طال أمد المفاوضات، ازدادت أهمية القوى القادرة على منع الوصول إلى اتفاق، وتحولت القدرة على التعطيل إلى أداة تفاوضية لا تقل تأثيراً عن القدرة على تشكيل الحكومة نفسها. وهذه الظاهرة تعكس هشاشة البنية المؤسسية، لأنها تجعل استمرارية الدولة رهناً بإرادة الأحزاب، لا بآليات دستورية واضحة وملزمة.
إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط الأداء الحكومي، بل ينعكس أيضاً على ثقة المواطنين بالمؤسسات، ويؤثر في البيئة الاقتصادية، ويزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، كما يمنح الحكومة الاتحادية مساحة أوسع للتأثير في ملفات الإقليم، ويحد من قدرة القيادة الكردستانية على التعامل مع التحولات الإقليمية المتسارعة من موقع المبادرة.
وفي المحصلة، لم يعد السؤال الأساسي هو: لماذا لم تُشكَّل الحكومة حتى الآن؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: هل بلغ النموذج السياسي الذي حكم إقليم كردستان منذ عام 1992 حدوده التاريخية؟ فإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فإن الأزمة الحالية لا تمثل مجرد تعثر في تشكيل حكومة جديدة، وإنما تعكس بداية مرحلة إعادة تعريف النظام السياسي الكردستاني، وإعادة صياغة العلاقة بين الانتخابات، والشرعية، والسلطة، والدولة.
إن أزمة تشكيل الحكومة ليست حدثاً سياسياً عابراً، بل قد تكون لحظة مفصلية في تاريخ إقليم كردستان، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الشرعية الانتخابية والشرعية التوافقية، وبين الدولة والحزب، وبين المؤسسات والإرادات السياسية. ولذلك فإن نجاح القوى السياسية في تجاوز هذه الأزمة لن يُقاس بسرعة إعلان الحكومة، وإنما بقدرتها على بناء نموذج سياسي قادر على إنتاج السلطة بصورة مستقرة، بحيث لا يتحول كل استحقاق انتخابي إلى أزمة وجودية تهدد استقرار الإقليم ومؤسساته.
إن مستقبل إقليم كردستان لن تحدده أعداد المقاعد البرلمانية وحدها، بل ستحدده قدرة النخبة السياسية على الانتقال من منطق اقتسام السلطة إلى منطق بناء الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات. فالدول لا تستمد قوتها من التوازنات الحزبية المؤقتة، بل من مؤسسات دستورية قادرة على الاستمرار مهما تغيرت الحكومات والنتائج الانتخابية. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد ملامح النظام السياسي الكردستاني خلال العقود المقبلة.
لم تعد أزمة تشكيل الحكومة في إقليم كردستان العراق مجرد تأخير في ولادة السلطة التنفيذية أو نتيجة طبيعية لمفاوضات ما بعد الانتخابات، بل أصبحت تعبيراً عن تحوّل عميق يطال طبيعة النظام السياسي نفسه، ويكشف حدود الصيغة التي حكمت الإقليم طوال العقود الثلاثة الماضية. فكل يوم يمر دون التوصل إلى حكومة جديدة لا يعكس خلافاً على توزيع المناصب فحسب، وإنما يكشف عن أزمة بنيوية تتصل بمفهوم السلطة، وآليات إنتاجها، وحدود النموذج السياسي الذي أدار الإقليم منذ نشأة مؤسساته الحديثة.
لقد قام النظام السياسي في إقليم كردستان، منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، على معادلة سياسية غير مكتوبة مفادها أن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يشكلان الركيزتين الأساسيتين للحكم، وأن استقرار الإقليم يرتبط بقدرتهما على الوصول إلى تسويات مشتركة، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات أو حجم القوى السياسية الأخرى. وقد أسهم هذا النموذج، في مراحل سابقة، في توفير قدر من الاستقرار السياسي، لكنه في المقابل رسّخ نظاماً توافقياً يقوم على تقاسم النفوذ أكثر مما يقوم على قواعد المنافسة الديمقراطية التقليدية.
غير أن المشهد السياسي الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة يشير إلى أن هذه المعادلة التاريخية لم تعد تعمل بالكفاءة ذاتها. فالأرقام البرلمانية لم تمنح أي طرف القدرة على فرض إرادته منفرداً، كما أن القوى السياسية الصاعدة لم تعد تقبل بدور الشريك الهامشي داخل نظام سياسي صُمم أساساً لإدارة التوازن بين حزبين كبيرين. وبهذا المعنى، فإن الأزمة الحالية لا تعكس مجرد تعثر في المفاوضات، بل تكشف عن بداية انتقال النظام السياسي من مرحلة إلى أخرى لم تتبلور قواعدها بعد.
أزمة نظام لا أزمة حكومة
تكمن المشكلة الحقيقية في أن الأزمة الراهنة ليست أزمة مقاعد برلمانية، لأن الفارق العددي بين الكتل لا يكفي وحده لتفسير استمرار الفراغ الحكومي، وإنما هي أزمة شرعية سياسية. فكل طرف يسعى إلى تفسير نتائج الانتخابات بما يمنحه حق قيادة المرحلة المقبلة، بينما ترفض الأطراف الأخرى الاعتراف بهذا التفسير، الأمر الذي يحول العملية السياسية من منافسة انتخابية إلى صراع على تعريف الشرعية نفسها.
ومن هذا المنطلق، يدرك الحزب الديمقراطي الكردستاني أن احتفاظه بالموقع الأول انتخابياً لا يمنحه بالضرورة القدرة على إدارة المشهد السياسي منفرداً، لكنه في الوقت ذاته لا يرغب في التخلي عن الموقع القيادي الذي راكمه خلال سنوات طويلة من إدارة مؤسسات الإقليم. وفي المقابل، يرى الاتحاد الوطني الكردستاني أن التحولات البرلمانية والتحالفات الجديدة تمثل فرصة لإعادة رسم موازين القوى، بما يضمن دوراً سياسياً يتناسب مع المتغيرات التي أفرزتها الانتخابات، لا مع التفاهمات التاريخية التي حكمت المراحل السابقة.
أما القوى السياسية الأخرى، وفي مقدمتها الجيل الجديد وحركة التغيير، فإنها تنظر إلى الأزمة من زاوية مختلفة. فهي لا ترى أن جوهر المشكلة يكمن في توزيع الحقائب الوزارية، بل في استمرار هيمنة الثنائية الحزبية على النظام السياسي. ولذلك فإن دخولها في تحالفات برلمانية جديدة لا يستهدف فقط زيادة الوزن العددي داخل البرلمان، وإنما يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم السلطة، بحيث تصبح الحكومات نتاجاً للأغلبية البرلمانية، لا امتداداً لتفاهمات سياسية ثابتة بين القوى التقليدية.
في المقابل، يقف النظام السياسي الكردستاني اليوم في منطقة انتقالية معقدة؛ فهو لم يتحول بالكامل إلى نظام برلماني تنافسي تُحسم فيه السلطة عبر صناديق الاقتراع، ولم يعد في الوقت نفسه نظاماً توافقياً مستقراً قادراً على إنتاج الحكومات بالآليات التي اعتاد عليها خلال العقود الماضية. وهذه المنطقة الرمادية هي التي تفسر استمرار حالة الجمود السياسي، إذ إن القواعد القديمة فقدت كثيراً من فاعليتها، بينما لم تتشكل بعد قواعد جديدة تحظى بقبول جميع الأطراف.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن بعدها الاقتصادي. فالحكومة المقبلة لن تواجه مجرد استحقاقات سياسية، بل سترث ملفات شديدة التعقيد تتعلق بأزمة الرواتب، ومستقبل قطاع النفط والغاز، والعلاقة المالية مع الحكومة الاتحادية، والاستثمارات، والديون، والاستقرار الاقتصادي. ومن هنا، فإن التنافس على تشكيل الحكومة لا يتعلق فقط بإدارة السلطة السياسية، وإنما أيضاً بإدارة الموارد الاقتصادية التي ستحدد موازين النفوذ خلال السنوات المقبلة.
كما أن العلاقة مع بغداد أصبحت عاملاً رئيسياً في تحديد طبيعة المفاوضات الداخلية. فالحكومة الجديدة ستكون مطالبة بإعادة التفاوض حول ملفات استراتيجية تتعلق بالموازنة الاتحادية، وإدارة الثروات الطبيعية، والإيرادات، وصلاحيات الإقليم الدستورية. وهذا يعني أن تشكيل الحكومة لم يعد قراراً كردستانياً داخلياً خالصاً، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الأطراف السياسية على إنتاج رؤية مشتركة لإدارة العلاقة مع الحكومة الاتحادية في ظل تعقيدات المشهد العراقي.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي والدولي للأزمة. فإقليم كردستان يشكل نقطة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية متعددة، وهو ما يجعل أي تغيير في بنيته السياسية محل اهتمام مباشر من القوى المؤثرة في المنطقة. ولذلك تتعامل الأحزاب الكردستانية مع مفاوضات تشكيل الحكومة بحذر شديد، ليس فقط بسبب الحسابات الداخلية، وإنما أيضاً نتيجة إدراكها لحجم التوازنات الخارجية التي تحيط بالإقليم.
لكن أخطر ما تكشفه الأزمة الحالية هو أن الشرعية السياسية لم تعد تُبنى على نتائج الانتخابات وحدها، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالقدرة على تعطيل تشكيل السلطة. فكلما طال أمد المفاوضات، ازدادت أهمية القوى القادرة على منع الوصول إلى اتفاق، وتحولت القدرة على التعطيل إلى أداة تفاوضية لا تقل تأثيراً عن القدرة على تشكيل الحكومة نفسها. وهذه الظاهرة تعكس هشاشة البنية المؤسسية، لأنها تجعل استمرارية الدولة رهناً بإرادة الأحزاب، لا بآليات دستورية واضحة وملزمة.
إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط الأداء الحكومي، بل ينعكس أيضاً على ثقة المواطنين بالمؤسسات، ويؤثر في البيئة الاقتصادية، ويزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، كما يمنح الحكومة الاتحادية مساحة أوسع للتأثير في ملفات الإقليم، ويحد من قدرة القيادة الكردستانية على التعامل مع التحولات الإقليمية المتسارعة من موقع المبادرة.
وفي المحصلة، لم يعد السؤال الأساسي هو: لماذا لم تُشكَّل الحكومة حتى الآن؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: هل بلغ النموذج السياسي الذي حكم إقليم كردستان منذ عام 1992 حدوده التاريخية؟ فإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فإن الأزمة الحالية لا تمثل مجرد تعثر في تشكيل حكومة جديدة، وإنما تعكس بداية مرحلة إعادة تعريف النظام السياسي الكردستاني، وإعادة صياغة العلاقة بين الانتخابات، والشرعية، والسلطة، والدولة.
إن أزمة تشكيل الحكومة ليست حدثاً سياسياً عابراً، بل قد تكون لحظة مفصلية في تاريخ إقليم كردستان، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الشرعية الانتخابية والشرعية التوافقية، وبين الدولة والحزب، وبين المؤسسات والإرادات السياسية. ولذلك فإن نجاح القوى السياسية في تجاوز هذه الأزمة لن يُقاس بسرعة إعلان الحكومة، وإنما بقدرتها على بناء نموذج سياسي قادر على إنتاج السلطة بصورة مستقرة، بحيث لا يتحول كل استحقاق انتخابي إلى أزمة وجودية تهدد استقرار الإقليم ومؤسساته.
إن مستقبل إقليم كردستان لن تحدده أعداد المقاعد البرلمانية وحدها، بل ستحدده قدرة النخبة السياسية على الانتقال من منطق اقتسام السلطة إلى منطق بناء الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات. فالدول لا تستمد قوتها من التوازنات الحزبية المؤقتة، بل من مؤسسات دستورية قادرة على الاستمرار مهما تغيرت الحكومات والنتائج الانتخابية. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد ملامح النظام السياسي الكردستاني خلال العقود المقبلة.

