مجلس الشعب السوري الجديد... هل تؤسس دمشق لمرحلة انتقالية أم تعيد إنتاج الدولة السلطوية؟

آدمن الموقع
0
تحضير المادة: فريق الجيوستراتيجي للدراسات 
لا يمثل الإعلان عن استكمال تشكيل مجلس الشعب نهاية لحالة الفراغ التشريعي في سوريا، بقدر ما يمثل بداية لاختبار جديد يتعلق بطبيعة النظام السياسي الذي تسعى السلطة في دمشق إلى بنائه خلال المرحلة الانتقالية. فوجود مؤسسة تشريعية لا يكفي بحد ذاته لإثبات الانتقال نحو دولة المؤسسات، إذ إن معيار الحكم الحقيقي يكمن في طبيعة تشكيلها، وحدود استقلاليتها، وقدرتها على ممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية.

تكشف آلية تشكيل المجلس عن إشكالية بنيوية تتجاوز التفاصيل الإجرائية. فالاعتماد على مزيج من الانتخاب غير المباشر والتعيين الرئاسي لا يعكس فلسفة النظم الديمقراطية التي تقوم على التفويض الشعبي المباشر، بل يمنح السلطة التنفيذية دورا حاسما في تشكيل المؤسسة التي يفترض بها مراقبتها ومحاسبتها. وبهذا المعنى، فإن المجلس يبدو أقرب إلى امتداد للسلطة التنفيذية منه إلى سلطة مستقلة قادرة على تحقيق التوازن بين مؤسسات الدولة.
وتثير هذه المقاربة مخاوف حقيقية من أن تكون المرحلة الانتقالية قد اتجهت نحو إعادة إنتاج النموذج المركزي الذي حكم سوريا لعقود، وإن كان ذلك بأدوات وأسماء مختلفة. فالتغيير الحقيقي لا يقاس بتبدل الأشخاص، وإنما بتغيير قواعد إنتاج السلطة وآليات مساءلتها. وإذا بقيت السلطة التنفيذية هي الطرف الذي يصنع السلطة التشريعية ويحدد حدود حركتها، فإن الحديث عن الفصل بين السلطات يصبح أقرب إلى الصيغة الشكلية منه إلى الممارسة الدستورية الفعلية.
ولا تبدو هذه المخاوف نظرية فقط، بل ترتبط بمسار القرارات التي اتخذتها السلطة في دمشق منذ بداية المرحلة الانتقالية، والتي اتسمت بدرجة عالية من المركزية في إدارة الملفات السياسية والأمنية والإدارية. فقد جرى تأجيل بناء المؤسسات التمثيلية الحقيقية، مقابل توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، وهو ما أوجد انطباعا متزايدا بأن أولويات السلطة تتركز على تثبيت أدوات السيطرة السياسية أكثر من بناء منظومة حكم تشاركية تستوعب التنوع السوري.
كما أن تركيبة المجلس تطرح تساؤلات حول مفهوم الشرعية ذاته. فالشرعية في الدول الديمقراطية لا تستمد فقط من النصوص القانونية، وإنما من المشاركة الشعبية الواسعة، وحرية المنافسة السياسية، ووجود انتخابات مباشرة تمنح المواطنين حق اختيار ممثليهم. أما حين تصبح المؤسسة التشريعية نتاج ترتيبات فوقية أكثر منها تعبيرا عن الإرادة الشعبية، فإنها تفقد جزءا مهما من قدرتها على تمثيل المجتمع، حتى وإن تمتعت بغطاء قانوني ضمن ترتيبات المرحلة الانتقالية.
ومن هذه الزاوية، فإن السلطة في دمشق تبدو وكأنها تكرر أحد أبرز أخطاء النظام السابق، والمتمثل في الاعتقاد بأن بناء المؤسسات الشكلية يمكن أن يغني عن بناء الشرعية السياسية. فقد عرفت سوريا طوال عقود مجالس نيابية كانت موجودة من الناحية الدستورية، لكنها كانت عاجزة عن مساءلة السلطة التنفيذية أو التأثير الحقيقي في صناعة القرار، الأمر الذي أدى إلى إفراغ المؤسسة التشريعية من مضمونها وتحويلها إلى أداة لإضفاء الشرعية على قرارات السلطة الحاكمة.
وإذا استمر المجلس الجديد في أداء الدور ذاته، فإن سوريا ستكون أمام إعادة إنتاج لنمط مؤسساتي مألوف، حتى وإن تغيرت النخب السياسية. فالأنظمة السلطوية لا تعرف فقط من خلال هوية قادتها، وإنما أيضا من خلال طريقة توزيع السلطة بين المؤسسات، ومدى استقلال القضاء، وحرية البرلمان، وقدرة المجتمع على مراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها.

كما أن تجاهل التعددية السياسية والاجتماعية في عملية تشكيل المجلس يحمل مخاطر إضافية على الاستقرار الوطني. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى مؤسسات جامعة تستند إلى المشاركة الواسعة، لا إلى ترتيبات تمنح الانطباع بأن السلطة تعيد إنتاج مركزية القرار بصورة جديدة. وأي عملية انتقال سياسي لا تؤسس لتمثيل سياسي حقيقي، ستبقى معرضة لفقدان الثقة الداخلية، حتى وإن حظيت باعتراف قانوني أو دعم سياسي خارجي.
ولا يمكن تجاهل أن المجتمع الدولي ينظر إلى طبيعة المؤسسات بقدر اهتمامه بوجودها. فالدول المانحة والمؤسسات الدولية لا تقيم المرحلة الانتقالية من خلال عدد المؤسسات التي يتم الإعلان عنها، بل من خلال مدى استقلالها، وشفافية عملها، واحترامها لمبادئ الحكم الرشيد، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات. وبالتالي، فإن المجلس الجديد لن يكتسب شرعيته الدولية بمجرد انعقاده، وإنما من خلال ممارسته الفعلية لدوره الرقابي والتشريعي.
وسيكون الاختبار الأول للمجلس في قدرته على تعديل مشاريع القوانين الحكومية، ورفض ما يتعارض مع المصلحة العامة، واستدعاء الوزراء للمساءلة، ومراجعة الاتفاقات التي أبرمتها السلطة التنفيذية، وليس الاكتفاء بالمصادقة عليها. فإذا عجز عن استخدام هذه الأدوات، فإن وجوده لن يغير من طبيعة النظام السياسي، بل سيضيف مؤسسة جديدة إلى منظومة تتركز فيها السلطة بصورة شبه كاملة بيد الجهاز التنفيذي.

في المحصلة، لا تكمن المشكلة الأساسية في وجود مجلس الشعب، بل في الفلسفة السياسية التي تحكم عملية تأسيسه. فالمرحلة الانتقالية تمثل فرصة تاريخية لتأسيس عقد سياسي جديد يقوم على التعددية، والفصل الحقيقي بين السلطات، والانتخاب الحر، وسيادة القانون. أما إذا تحولت إلى مرحلة يعاد فيها إنتاج المركزية السياسية، واحتكار القرار، وإضعاف المؤسسات الرقابية، فإن سوريا ستكون أمام نسخة معدلة من النموذج السلطوي الذي كان أحد الأسباب الرئيسية للأزمة التي عاشتها البلاد خلال العقود الماضية.
ومن هنا، فإن مستقبل المرحلة الانتقالية لن يقاس بعدد المؤسسات التي يتم الإعلان عنها، بل بمدى استعداد السلطة في دمشق للتخلي عن احتكار القرار السياسي، والقبول بمؤسسات مستقلة تمتلك صلاحيات فعلية في التشريع والرقابة والمساءلة. فالديمقراطية لا تبدأ بإنشاء البرلمان، وإنما تبدأ عندما يصبح البرلمان قادرا على محاسبة السلطة التي أسسته، وهو الاختبار الذي لم تثبت السلطة في دمشق حتى الآن استعدادها الحقيقي لخوضه.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!