الاستغلال التركي لإدارة ترامب والمنفعة المتبادلة: كيف أعادت المصالح المشتركة رسم التوازنات في سوريا؟

آدمن الموقع
0
 
قراءة سياسية لـ إبراهيم كابان
منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، برزت ملامح مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، تقوم على البراغماتية السياسية أكثر من الالتزام بالمقاربات التقليدية التي اتبعتها الإدارات السابقة. وفي قلب هذه التحولات، ظهرت تركيا باعتبارها المستفيد الأكبر من إعادة تعريف الأولويات الأمريكية، مستندة إلى علاقة شخصية متينة بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وإلى تقاطع مصالح أوسع بين مؤسسات الدولتين، وهو ما انعكس بصورة واضحة على تطورات الملف السوري. 
إن ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في إطار العلاقات الشخصية بين الزعيمين، كما لا يمكن وصفه بأنه مجرد تقارب سياسي عابر، بل هو عملية إعادة توزيع للأدوار الإقليمية، وجدت فيها أنقرة فرصة لإعادة تسويق نفسها بوصفها الشريك الأكثر قدرة على تنفيذ الرؤية الأمريكية الجديدة في سوريا، بينما وجدت واشنطن في تركيا أداة إقليمية تستطيع حماية المصالح الأمريكية دون الحاجة إلى انخراط عسكري واسع أو تحمل أعباء سياسية وأمنية باهظة. 
 
البراغماتية الأمريكية تفتح الباب أمام الطموح التركي

اعتمدت إدارة ترامب منذ البداية على فلسفة سياسية مختلفة في إدارة الأزمات الدولية، تقوم على تقليص الوجود العسكري الأمريكي، ونقل مسؤوليات إدارة الصراعات إلى الحلفاء الإقليميين، مع إعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية على حساب الاعتبارات الأيديولوجية أو الخطابات المرتبطة بنشر الديمقراطية. 
هذه المقاربة وفرت لتركيا فرصة استثنائية، إذ قدمت نفسها للإدارة الأمريكية باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على ملء الفراغ الذي قد ينجم عن تقليص الدور الأمريكي في سوريا، سواء من خلال نفوذها العسكري المباشر، أو عبر شبكاتها السياسية والأمنية داخل الساحة السورية. ولم يكن ذلك مجرد عرض سياسي، بل تحول إلى رؤية مشتركة تقوم على أن استقرار المصالح الأمريكية يمكن تحقيقه من خلال تمكين أنقرة من لعب دور أكبر في إدارة المشهد السوري. 
 
سوريا... الساحة الأكثر وضوحاً لتقاطع المصالح

أصبحت سوريا النموذج الأكثر وضوحاً لهذا التقاطع بين المصالح الأمريكية والتركية. فبينما تسعى واشنطن إلى تخفيض تكلفة وجودها العسكري، تعمل تركيا على استثمار هذا التوجه من أجل إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في شمال سوريا بما يخدم أهدافها بعيدة المدى. 
لقد أدركت أنقرة أن اللحظة السياسية الراهنة تختلف عن السنوات السابقة، وأن الإدارة الأمريكية الجديدة لم تعد تنظر إلى الملف السوري من زاوية إسقاط الأنظمة أو إعادة بناء الدولة السورية، وإنما من زاوية إدارة التوازنات الإقليمية بأقل تكلفة ممكنة. ومن هنا بدأت تركيا تتحرك لإقناع واشنطن بأن مصالحها يمكن أن تتحقق بصورة أفضل عبر توسيع الدور التركي، حتى لو جاء ذلك على حساب شركاء واشنطن المحليين الذين لعبوا أدواراً محورية خلال الحرب على تنظيم داعش. 
 
توم باراك... الدبلوماسية التي تعكس التحول الأمريكي

ضمن هذا السياق، اكتسب دور توم باراك أهمية استثنائية، ليس فقط باعتباره مبعوثاً أمريكياً إلى سوريا، وإنما بوصفه أحد الوجوه التي تعكس التحول في التفكير السياسي داخل الإدارة الأمريكية. 
فالخطاب الذي تبناه باراك اتسم بتركيز واضح على إعادة ترتيب الأولويات، وتشجيع التفاهمات الإقليمية، والانفتاح على المقاربة التركية في معالجة الملف السوري، وهو ما فسّرته أطراف عديدة على أنه مؤشر إلى انتقال السياسة الأمريكية من مرحلة الاعتماد على الشركاء المحليين إلى مرحلة البحث عن تفاهمات مباشرة مع القوى الإقليمية الأكثر تأثيراً. 
ولا يعني ذلك بالضرورة أن باراك يمثل الموقف الأمريكي كاملاً، لكنه يعكس اتجاهاً داخل الإدارة يرى أن تحقيق الاستقرار يمر عبر تفاهمات مع أنقرة أكثر من اعتماده على استمرار الصيغ السابقة للتحالفات. 
 
تركيا لا تبحث عن نفوذ مؤقت بل عن إعادة تشكيل الواقع السوري

تتعامل أنقرة مع التطورات الحالية باعتبارها فرصة استراتيجية يصعب تكرارها. فهي لا تنظر إلى وجودها العسكري في شمال سوريا بوصفه إجراءً أمنياً مؤقتاً، وإنما باعتباره جزءاً من مشروع طويل الأمد يهدف إلى إعادة صياغة البيئة السياسية والديموغرافية والاقتصادية في المناطق الخاضعة لنفوذها. 
ومن خلال هذا المشروع، تسعى تركيا إلى بناء واقع جديد يجعل أي تسوية مستقبلية للأزمة السورية مضطرة إلى الاعتراف بالنفوذ التركي باعتباره حقيقة قائمة، وليس مجرد وجود عسكري يمكن إنهاؤه بقرار سياسي أو اتفاق دولي. 
 
المنفعة المتبادلة... علاقة تقوم على المصالح لا على التحالفات التقليدية

رغم الحديث المتكرر عن استغلال تركيا لإدارة ترامب، فإن القراءة الأكثر دقة تشير إلى أن العلاقة بين الطرفين تقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة أكثر من كونها علاقة استغلال من جانب واحد. 
فواشنطن تحقق عبر هذا التقارب جملة من المكاسب، أبرزها تقليص الانخراط العسكري المباشر، والاحتفاظ بنفوذها الإقليمي عبر شريك عضو في حلف الناتو، إلى جانب تعزيز قدرتها على موازنة النفوذ الروسي والإيراني في المنطقة. 
وفي المقابل، تحصل تركيا على مساحة أوسع للتحرك السياسي والعسكري، وعلى تفهم أمريكي أكبر لأولوياتها الأمنية، إضافة إلى فرصة لإعادة صياغة موازين القوى في شمال سوريا بما ينسجم مع رؤيتها الاستراتيجية. 
إنها معادلة تقوم على تبادل المصالح، حيث يعتقد كل طرف أنه يحقق مكاسب أكبر من حجم التنازلات التي يقدمها. 
 
القضية الكردية... الخاسر الأكبر في معادلة المصالح

أكثر الأطراف تأثراً بهذه التحولات هي القوى الكردية في شمال وشرق سوريا، التي وجدت نفسها أمام واقع سياسي جديد تتراجع فيه الاعتبارات التي حكمت العلاقة مع الولايات المتحدة خلال سنوات الحرب ضد تنظيم داعش. 
فالقضية الكردية لم تعد تُقرأ في واشنطن بوصفها شراكة استراتيجية طويلة الأمد، وإنما أصبحت جزءاً من حسابات أوسع تتعلق بإدارة العلاقات مع تركيا، وبكيفية الحفاظ على النفوذ الأمريكي في المنطقة بأقل تكلفة ممكنة. 
وهذا التحول لا يعني انتهاء العلاقة الأمريكية مع القوى الكردية، لكنه يشير إلى أن وزنها داخل الاستراتيجية الأمريكية أصبح مرتبطاً بميزان المصالح الإقليمية، لا بحجم الدور الذي لعبته في محاربة الإرهاب. 
 
مستقبل العلاقة... شراكة قابلة للتغيير 
 
ورغم عمق التقارب الحالي، فإن العلاقة بين واشنطن وأنقرة لا تزال محكومة بمنطق المصالح المتغيرة. فكل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره وسيلة لتحقيق أهدافه، وليس حليفاً دائماً بالمعنى التقليدي. 
ولهذا، فإن استمرار هذا التقارب سيظل مرتبطاً بقدرة الطرفين على الحفاظ على توازن المصالح. فإذا شعرت واشنطن بأن تركيا لم تعد تحقق أهدافها، أو إذا وجدت أنقرة أن السياسة الأمريكية أصبحت تقيد طموحاتها، فإن هذه الشراكة قد تدخل مرحلة جديدة من التوتر، كما حدث في محطات سابقة.

المحصلة 

تكشف التطورات الجارية في سوريا أن العلاقة بين إدارة ترامب وتركيا تجاوزت حدود التنسيق السياسي التقليدي، لتتحول إلى شراكة تقوم على إعادة توزيع الأدوار الإقليمية وفق منطق المنفعة المتبادلة. فقد نجحت أنقرة في قراءة التحولات داخل الإدارة الأمريكية، واستثمرت فلسفة ترامب البراغماتية لتوسيع نفوذها، بينما وجدت واشنطن في تركيا شريكاً قادراً على حماية جزء من مصالحها الاستراتيجية دون تحمل كلفة الانخراط المباشر. 
غير أن هذه المعادلة، مهما بدت متماسكة في الوقت الراهن، تظل رهينة بتغير موازين القوى الإقليمية والدولية، لأن التحالفات المبنية على المصالح لا تعرف الثبات، بل تتغير كلما تغيرت المصالح نفسها. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت تركيا قد نجحت في استثمار إدارة ترامب، بل إلى أي مدى تستطيع الحفاظ على هذه المعادلة إذا تبدلت أولويات واشنطن أو ظهرت ترتيبات إقليمية جديدة تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!