الجبهة الكوردية في إيران وقدرتها على تغيير المعادلة الميدانية
بين مشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي والحساسية التركية
الجبهة التي قد تتحول من هامش الصراع إلى أحد مفاتيح مستقبله
لطالما احتلت القضية الكوردية موقعاً حساساً في بنية الدولة الإيرانية، إلا أن هذا الموقع لم يتحول طوال العقود الماضية إلى عامل قادر على تهديد المركز السياسي والعسكري في طهران بصورة جدية. فقد امتلكت الجمهورية الإسلامية أدوات واسعة للسيطرة على المناطق الكوردية، مستفيدة من التفوق العسكري والأمني، ومن انتشار الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية، ومن قدرتها على عزل الأحزاب الكوردية المسلحة عن قواعدها الاجتماعية داخل إيران عبر الضغط الأمني المستمر. وفي المقابل، بقيت القوى السياسية والمسلحة الكوردية منقسمة تنظيمياً وسياسياً، واعتمد معظمها على وجود خلفي في إقليم كوردستان العراق، الأمر الذي جعلها قادرة على الاستمرار في المقاومة، ولكن غير قادرة على الانتقال إلى مرحلة السيطرة الإقليمية المستقرة.
غير أن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران خلال عام 2026 أعادت ترتيب هذه المعادلة بصورة غير مسبوقة. فمع بدء الضربات في 28 فبراير/شباط، لم تعد المعارضة الكوردية تنظر إلى الصراع باعتباره مواجهة بعيدة عنها، وإنما ظهرت للمرة الأولى إمكانية أن تتحول الحرب الخارجية إلى فرصة لفتح جبهة داخلية في غرب إيران. وفي 22 فبراير/شباط، أي قبل اندلاع الحرب بستة أيام، أعلنت خمسة تنظيمات كوردية رئيسية تشكيل ائتلاف القوى السياسية لكوردستان إيران، وهي PAK وPJAK وPDKI وخبات وكومله، بهدف تنسيق الجهد السياسي والميداني وزيادة وزن الحركة الكوردية في تحديد مستقبل إيران. ثم انضمت في 4 مارس/آذار «كومله ـ حزب كوردستان الإيراني» إلى التحالف، ما وسّع الإطار السياسي للقوى المشاركة فيه.
أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في العدد أو الشكل التنظيمي للتحالف، وإنما في توقيتها. فقد جاء في لحظة بدأت فيها الدولة الإيرانية تتعرض لضغط عسكري خارجي واسع، بينما كانت شرعيتها الداخلية موضع أزمة، وكانت الاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية قد سبقت الحرب. ولذلك بدأت تظهر للمرة الأولى إمكانية أن تتقاطع ثلاثة عوامل كانت منفصلة في السابق: الضغط العسكري الخارجي، الأزمة الداخلية الإيرانية، والقدرة التنظيمية للحركة الكوردية المسلحة.
لكن هذا التقاطع لا يعني أن القوى الكوردية أصبحت قادرة على إسقاط النظام الإيراني. فهذه القوى ما زالت، وفق التقديرات المنشورة، قوة مسلحة خفيفة نسبياً، ويضع أحد التقديرات مجموع مقاتلي التحالف بين 2500 و10000 مقاتل، مع اختلاف كبير في تقدير حجم كل تنظيم. والأهم أن التحدي الأكبر لا يكمن في عبور الحدود أو تنفيذ عمليات محدودة، بل في القدرة على الاحتفاظ بالأرض وإدارة المجال الذي يمكن السيطرة عليه في حال تراجع الدولة الإيرانية. ومن هنا فإن قيمة الجبهة الكوردية يجب ألا تقاس بمنطق الجيوش التقليدية، وإنما بمنطق الحروب غير المتكافئة: كلما كانت الدولة المركزية قوية ومتماسكة، بقي تأثير التنظيمات المسلحة محدوداً؛ وكلما تعرض المركز للإنهاك والتفكك، ازدادت قدرة هذه التنظيمات على تحويل وجودها العسكري إلى نفوذ سياسي وميداني.
هذه هي الفرضية الأساسية التي تقوم عليها الدراسة: القوى الكوردية ليست في وضع يسمح لها بإسقاط النظام الإيراني منفردة، لكنها قد تكون قادرة، في ظروف معينة، على تغيير المعادلة الميدانية بصورة ملموسة إذا تزامن نشاطها مع انهيار أو إنهاك قدرة الدولة المركزية على السيطرة. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هذه القوى أقوى من إيران، وإنما ما إذا كان بإمكانها استثمار اللحظة التي تصبح فيها إيران أضعف من قدرتها التقليدية على إدارة أطرافها.
لطالما احتلت القضية الكوردية موقعاً حساساً في بنية الدولة الإيرانية، إلا أن هذا الموقع لم يتحول طوال العقود الماضية إلى عامل قادر على تهديد المركز السياسي والعسكري في طهران بصورة جدية. فقد امتلكت الجمهورية الإسلامية أدوات واسعة للسيطرة على المناطق الكوردية، مستفيدة من التفوق العسكري والأمني، ومن انتشار الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية، ومن قدرتها على عزل الأحزاب الكوردية المسلحة عن قواعدها الاجتماعية داخل إيران عبر الضغط الأمني المستمر. وفي المقابل، بقيت القوى السياسية والمسلحة الكوردية منقسمة تنظيمياً وسياسياً، واعتمد معظمها على وجود خلفي في إقليم كوردستان العراق، الأمر الذي جعلها قادرة على الاستمرار في المقاومة، ولكن غير قادرة على الانتقال إلى مرحلة السيطرة الإقليمية المستقرة.
غير أن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران خلال عام 2026 أعادت ترتيب هذه المعادلة بصورة غير مسبوقة. فمع بدء الضربات في 28 فبراير/شباط، لم تعد المعارضة الكوردية تنظر إلى الصراع باعتباره مواجهة بعيدة عنها، وإنما ظهرت للمرة الأولى إمكانية أن تتحول الحرب الخارجية إلى فرصة لفتح جبهة داخلية في غرب إيران. وفي 22 فبراير/شباط، أي قبل اندلاع الحرب بستة أيام، أعلنت خمسة تنظيمات كوردية رئيسية تشكيل ائتلاف القوى السياسية لكوردستان إيران، وهي PAK وPJAK وPDKI وخبات وكومله، بهدف تنسيق الجهد السياسي والميداني وزيادة وزن الحركة الكوردية في تحديد مستقبل إيران. ثم انضمت في 4 مارس/آذار «كومله ـ حزب كوردستان الإيراني» إلى التحالف، ما وسّع الإطار السياسي للقوى المشاركة فيه.
أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في العدد أو الشكل التنظيمي للتحالف، وإنما في توقيتها. فقد جاء في لحظة بدأت فيها الدولة الإيرانية تتعرض لضغط عسكري خارجي واسع، بينما كانت شرعيتها الداخلية موضع أزمة، وكانت الاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية قد سبقت الحرب. ولذلك بدأت تظهر للمرة الأولى إمكانية أن تتقاطع ثلاثة عوامل كانت منفصلة في السابق: الضغط العسكري الخارجي، الأزمة الداخلية الإيرانية، والقدرة التنظيمية للحركة الكوردية المسلحة.
لكن هذا التقاطع لا يعني أن القوى الكوردية أصبحت قادرة على إسقاط النظام الإيراني. فهذه القوى ما زالت، وفق التقديرات المنشورة، قوة مسلحة خفيفة نسبياً، ويضع أحد التقديرات مجموع مقاتلي التحالف بين 2500 و10000 مقاتل، مع اختلاف كبير في تقدير حجم كل تنظيم. والأهم أن التحدي الأكبر لا يكمن في عبور الحدود أو تنفيذ عمليات محدودة، بل في القدرة على الاحتفاظ بالأرض وإدارة المجال الذي يمكن السيطرة عليه في حال تراجع الدولة الإيرانية. ومن هنا فإن قيمة الجبهة الكوردية يجب ألا تقاس بمنطق الجيوش التقليدية، وإنما بمنطق الحروب غير المتكافئة: كلما كانت الدولة المركزية قوية ومتماسكة، بقي تأثير التنظيمات المسلحة محدوداً؛ وكلما تعرض المركز للإنهاك والتفكك، ازدادت قدرة هذه التنظيمات على تحويل وجودها العسكري إلى نفوذ سياسي وميداني.
هذه هي الفرضية الأساسية التي تقوم عليها الدراسة: القوى الكوردية ليست في وضع يسمح لها بإسقاط النظام الإيراني منفردة، لكنها قد تكون قادرة، في ظروف معينة، على تغيير المعادلة الميدانية بصورة ملموسة إذا تزامن نشاطها مع انهيار أو إنهاك قدرة الدولة المركزية على السيطرة. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هذه القوى أقوى من إيران، وإنما ما إذا كان بإمكانها استثمار اللحظة التي تصبح فيها إيران أضعف من قدرتها التقليدية على إدارة أطرافها.
كوردستان إيران كجغرافيا استراتيجية
لا يمكن فهم القوة المحتملة للحركة الكوردية الإيرانية من دون البدء بالجغرافيا، لأن طبيعة الأرض هي التي تفسر بدرجة كبيرة لماذا استطاعت هذه التنظيمات البقاء لعقود رغم التفوق العسكري الهائل للدولة الإيرانية. تمتد المناطق ذات الحضور الكوردي في غرب وشمال غرب إيران، ولا سيما في محافظات كوردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية وأجزاء من إيلام، على تماس مباشر مع العراق وتركيا. وهذه المنطقة ليست مجرد طرف بعيد عن المركز الإيراني؛ فهي تقع عند تقاطع حدود ثلاث دول ذات أهمية استراتيجية، وتجاور إقليم كوردستان العراق الذي يمثل العمق الخارجي الأساسي لعدد من التنظيمات الكوردية الإيرانية.
هذا الموقع يمنح الحركة الكوردية ميزة لا يمكن الحصول عليها في المناطق الداخلية لإيران. فالحدود الجبلية بين إيران والعراق، إضافة إلى امتداد جبال زاغروس، توفر بيئة تسمح للقوى الصغيرة بالمناورة والاستمرار حتى في ظل تفوق الخصم. لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع قوة عسكرية؛ قيمتها تتضاعف عندما تترافق مع خبرة تنظيمية وشبكات اجتماعية وقدرة على العمل السري. وهذا ما راكمته الأحزاب الكوردية الإيرانية خلال عقود من الصراع مع الدولة.
مع ذلك، ينبغي تجنب استخدام مفهوم «السيطرة الكوردية» بطريقة غير دقيقة. فهذه التنظيمات لا تحكم اليوم محافظات كوردستان الإيرانية، ولا تمتلك منطقة مستقلة داخل إيران بالمعنى العسكري والسياسي. وجودها الأساسي خارج إيران، ولا سيما في إقليم كوردستان العراق، بينما تختلف درجة انتشارها وقدرتها على النشاط داخل الأراضي الإيرانية من تنظيم إلى آخر. وقد أشارت تقارير 2026 إلى أن قواعد هذه القوى في العراق أصبحت جزءاً من الحرب نفسها، وتعرضت لهجمات صاروخية ومسيّرة إيرانية منذ بداية الحرب.
وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات الجغرافيا الكوردية: المجال الذي يمنح المعارضة الكوردية عمقاً استراتيجياً هو نفسه المجال الذي يجعلها مرتبطة بصورة مباشرة بأمن إقليم كوردستان العراق. فإذا قررت القوى الكوردية توسيع عملياتها داخل إيران، فإنها لا تتحرك من قاعدة محايدة، وإنما من أراضٍ تخضع لحسابات حكومة إقليم كوردستان وبغداد وتركيا. وهذا يعني أن أي استراتيجية أمريكية أو إسرائيلية تراهن على الجبهة الكوردية لا يمكن أن تتعامل معها كملف إيراني منفصل، لأنها ستتعامل في الوقت نفسه مع السيادة العراقية، وأمن أربيل، والحسابات التركية، وقدرة إيران على ضرب العمق الكوردي في العراق.
والأهم أن الجغرافيا لا تمنح التنظيمات الكوردية بالضرورة قدرة على احتلال مدن كبيرة أو الاحتفاظ بها. الجبال تساعد على الحركة والاستمرار والاستنزاف، لكنها تصبح أقل فائدة عندما تنتقل المعركة إلى إدارة المدن والطرق والمنشآت والسكان. ولهذا فإن الانتقال من حرب العصابات إلى السيطرة الإقليمية يمثل قفزة نوعية أكبر بكثير من مجرد زيادة عدد المقاتلين. وهذه النقطة هي التي تجعل بعض التقديرات البحثية تشدد على أن الاحتفاظ بالأرض سيكون التحدي الأساسي لأي عملية كوردية واسعة داخل إيران.
لا يمكن فهم القوة المحتملة للحركة الكوردية الإيرانية من دون البدء بالجغرافيا، لأن طبيعة الأرض هي التي تفسر بدرجة كبيرة لماذا استطاعت هذه التنظيمات البقاء لعقود رغم التفوق العسكري الهائل للدولة الإيرانية. تمتد المناطق ذات الحضور الكوردي في غرب وشمال غرب إيران، ولا سيما في محافظات كوردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية وأجزاء من إيلام، على تماس مباشر مع العراق وتركيا. وهذه المنطقة ليست مجرد طرف بعيد عن المركز الإيراني؛ فهي تقع عند تقاطع حدود ثلاث دول ذات أهمية استراتيجية، وتجاور إقليم كوردستان العراق الذي يمثل العمق الخارجي الأساسي لعدد من التنظيمات الكوردية الإيرانية.
هذا الموقع يمنح الحركة الكوردية ميزة لا يمكن الحصول عليها في المناطق الداخلية لإيران. فالحدود الجبلية بين إيران والعراق، إضافة إلى امتداد جبال زاغروس، توفر بيئة تسمح للقوى الصغيرة بالمناورة والاستمرار حتى في ظل تفوق الخصم. لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع قوة عسكرية؛ قيمتها تتضاعف عندما تترافق مع خبرة تنظيمية وشبكات اجتماعية وقدرة على العمل السري. وهذا ما راكمته الأحزاب الكوردية الإيرانية خلال عقود من الصراع مع الدولة.
مع ذلك، ينبغي تجنب استخدام مفهوم «السيطرة الكوردية» بطريقة غير دقيقة. فهذه التنظيمات لا تحكم اليوم محافظات كوردستان الإيرانية، ولا تمتلك منطقة مستقلة داخل إيران بالمعنى العسكري والسياسي. وجودها الأساسي خارج إيران، ولا سيما في إقليم كوردستان العراق، بينما تختلف درجة انتشارها وقدرتها على النشاط داخل الأراضي الإيرانية من تنظيم إلى آخر. وقد أشارت تقارير 2026 إلى أن قواعد هذه القوى في العراق أصبحت جزءاً من الحرب نفسها، وتعرضت لهجمات صاروخية ومسيّرة إيرانية منذ بداية الحرب.
وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات الجغرافيا الكوردية: المجال الذي يمنح المعارضة الكوردية عمقاً استراتيجياً هو نفسه المجال الذي يجعلها مرتبطة بصورة مباشرة بأمن إقليم كوردستان العراق. فإذا قررت القوى الكوردية توسيع عملياتها داخل إيران، فإنها لا تتحرك من قاعدة محايدة، وإنما من أراضٍ تخضع لحسابات حكومة إقليم كوردستان وبغداد وتركيا. وهذا يعني أن أي استراتيجية أمريكية أو إسرائيلية تراهن على الجبهة الكوردية لا يمكن أن تتعامل معها كملف إيراني منفصل، لأنها ستتعامل في الوقت نفسه مع السيادة العراقية، وأمن أربيل، والحسابات التركية، وقدرة إيران على ضرب العمق الكوردي في العراق.
والأهم أن الجغرافيا لا تمنح التنظيمات الكوردية بالضرورة قدرة على احتلال مدن كبيرة أو الاحتفاظ بها. الجبال تساعد على الحركة والاستمرار والاستنزاف، لكنها تصبح أقل فائدة عندما تنتقل المعركة إلى إدارة المدن والطرق والمنشآت والسكان. ولهذا فإن الانتقال من حرب العصابات إلى السيطرة الإقليمية يمثل قفزة نوعية أكبر بكثير من مجرد زيادة عدد المقاتلين. وهذه النقطة هي التي تجعل بعض التقديرات البحثية تشدد على أن الاحتفاظ بالأرض سيكون التحدي الأساسي لأي عملية كوردية واسعة داخل إيران.
القوى المسلحة الكوردية ليست جيشاً واحداً
أحد أهم أسباب صعوبة تقدير القدرة الكوردية هو أن الحركة المسلحة في إيران ليست مؤسسة عسكرية موحدة ذات قيادة واحدة وعقيدة قتالية واحدة. إنها مجموعة من التنظيمات التي تشترك في معارضة الجمهورية الإسلامية وفي الدفاع عن الحقوق القومية والسياسية للكورد، لكنها تختلف في تاريخها وأيديولوجيتها وصلاتها الإقليمية وتصوراتها لمستقبل إيران.
يمثل الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني (PDKI) أحد أقدم مكونات الحركة الكوردية السياسية في إيران. وتعود أهميته إلى تاريخه السياسي وإلى امتلاكه شبكة سياسية خارجية وموروثاً تنظيمياً طويلاً. أما PAK فقد اكتسب جزءاً مهماً من خبرته العسكرية من مشاركته في القتال ضد تنظيم داعش في العراق، وهو ما أعطاه خبرة ميدانية تختلف عن الخبرة التقليدية لحركات المعارضة التي تركز على حرب العصابات الحدودية. وفي المقابل، يمثل PJAK حالة مختلفة؛ إذ يرتبط بصورة وثيقة بالبنية السياسية والعسكرية للحركة المرتبطة بحزب العمال الكوردستاني، الأمر الذي يمنحه خبرة عسكرية مهمة، لكنه في الوقت نفسه يجعله أكثر التنظيمات حساسية بالنسبة لتركيا.
وتوجد أيضاً تنظيمات كومله بأطيافها المختلفة، إلى جانب خبات، وهو ما يوضح أن وصف «القوى الكوردية الإيرانية» يخفي وراءه مشهداً متعدداً. ولذلك فإن إعلان التحالف في فبراير 2026 كان مهماً تحديداً لأنه حاول معالجة المشكلة التاريخية المتمثلة في تعدد المراكز السياسية والعسكرية. وقد نص البيان التأسيسي للتحالف صراحة على تنسيق سياسي وميداني مشترك، وعلى المشاركة في تحديد شكل إيران المستقبلية، مع التأكيد على حق الكورد في تقرير مصيرهم ضمن تصور سياسي يختلف بين مكونات التحالف.
لكن الوحدة التنظيمية لا تعني تلقائياً وحدة القرار العسكري. فالتحالف السياسي يمكن أن يوحد الخطاب والمطالب، لكنه يحتاج إلى مؤسسات قيادة مشتركة وآليات قرار واضحة حتى يتحول إلى قوة عسكرية موحدة. وهذه نقطة ينبغي الانتباه إليها عند الحديث عن الأرقام المتداولة بشأن عدد المقاتلين. فالتقديرات التي تتحدث عن آلاف المقاتلين لا تعني أن هناك جيشاً واحداً يملك قيادة مركزية وقدرة واحدة على الحركة. بعضها يعمل وفق تقاليد تنظيمية مختلفة، وبعضه مرتبط بحسابات إقليمية مختلفة، وبعضه يمتلك شبكات داخل إيران، بينما يعتمد آخرون بصورة أكبر على قواعدهم الخارجية.
ومع ذلك، فإن مجرد حدوث هذا التقارب في فبراير ومارس 2026 له قيمة استراتيجية تتجاوز الجانب التنظيمي. فالمعارضة المسلحة تصبح أكثر تأثيراً عندما تستطيع أن تقدم نفسها أمام القوى الدولية والإقليمية باعتبارها طرفاً سياسياً يمكن التفاوض معه، وليس مجرد مجموعة فصائل متنافسة. وهذه النقلة قد تكون مهمة في أي مرحلة انتقالية مستقبلية، لأن الصراع بعد سقوط أو ضعف النظام لن يكون عسكرياً فقط؛ سيكون صراعاً على تمثيل المناطق والسكان وعلى شكل الدولة الإيرانية المقبلة.
أحد أهم أسباب صعوبة تقدير القدرة الكوردية هو أن الحركة المسلحة في إيران ليست مؤسسة عسكرية موحدة ذات قيادة واحدة وعقيدة قتالية واحدة. إنها مجموعة من التنظيمات التي تشترك في معارضة الجمهورية الإسلامية وفي الدفاع عن الحقوق القومية والسياسية للكورد، لكنها تختلف في تاريخها وأيديولوجيتها وصلاتها الإقليمية وتصوراتها لمستقبل إيران.
يمثل الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني (PDKI) أحد أقدم مكونات الحركة الكوردية السياسية في إيران. وتعود أهميته إلى تاريخه السياسي وإلى امتلاكه شبكة سياسية خارجية وموروثاً تنظيمياً طويلاً. أما PAK فقد اكتسب جزءاً مهماً من خبرته العسكرية من مشاركته في القتال ضد تنظيم داعش في العراق، وهو ما أعطاه خبرة ميدانية تختلف عن الخبرة التقليدية لحركات المعارضة التي تركز على حرب العصابات الحدودية. وفي المقابل، يمثل PJAK حالة مختلفة؛ إذ يرتبط بصورة وثيقة بالبنية السياسية والعسكرية للحركة المرتبطة بحزب العمال الكوردستاني، الأمر الذي يمنحه خبرة عسكرية مهمة، لكنه في الوقت نفسه يجعله أكثر التنظيمات حساسية بالنسبة لتركيا.
وتوجد أيضاً تنظيمات كومله بأطيافها المختلفة، إلى جانب خبات، وهو ما يوضح أن وصف «القوى الكوردية الإيرانية» يخفي وراءه مشهداً متعدداً. ولذلك فإن إعلان التحالف في فبراير 2026 كان مهماً تحديداً لأنه حاول معالجة المشكلة التاريخية المتمثلة في تعدد المراكز السياسية والعسكرية. وقد نص البيان التأسيسي للتحالف صراحة على تنسيق سياسي وميداني مشترك، وعلى المشاركة في تحديد شكل إيران المستقبلية، مع التأكيد على حق الكورد في تقرير مصيرهم ضمن تصور سياسي يختلف بين مكونات التحالف.
لكن الوحدة التنظيمية لا تعني تلقائياً وحدة القرار العسكري. فالتحالف السياسي يمكن أن يوحد الخطاب والمطالب، لكنه يحتاج إلى مؤسسات قيادة مشتركة وآليات قرار واضحة حتى يتحول إلى قوة عسكرية موحدة. وهذه نقطة ينبغي الانتباه إليها عند الحديث عن الأرقام المتداولة بشأن عدد المقاتلين. فالتقديرات التي تتحدث عن آلاف المقاتلين لا تعني أن هناك جيشاً واحداً يملك قيادة مركزية وقدرة واحدة على الحركة. بعضها يعمل وفق تقاليد تنظيمية مختلفة، وبعضه مرتبط بحسابات إقليمية مختلفة، وبعضه يمتلك شبكات داخل إيران، بينما يعتمد آخرون بصورة أكبر على قواعدهم الخارجية.
ومع ذلك، فإن مجرد حدوث هذا التقارب في فبراير ومارس 2026 له قيمة استراتيجية تتجاوز الجانب التنظيمي. فالمعارضة المسلحة تصبح أكثر تأثيراً عندما تستطيع أن تقدم نفسها أمام القوى الدولية والإقليمية باعتبارها طرفاً سياسياً يمكن التفاوض معه، وليس مجرد مجموعة فصائل متنافسة. وهذه النقلة قد تكون مهمة في أي مرحلة انتقالية مستقبلية، لأن الصراع بعد سقوط أو ضعف النظام لن يكون عسكرياً فقط؛ سيكون صراعاً على تمثيل المناطق والسكان وعلى شكل الدولة الإيرانية المقبلة.
القدرة العسكرية الفعلية ـ بين حرب العصابات والسيطرة على الأرض
تحتاج مسألة القدرة العسكرية الكوردية إلى قدر كبير من الواقعية، لأن الخطاب السياسي للأحزاب نفسها قد يختلف عن تقديرات المصادر المستقلة. بعض المصادر خلال مارس 2026 تحدثت عن نحو 5000 إلى 8000 مقاتل كانوا يستعدون لاحتمال عملية عبر الحدود، بينما وضعت دراسة أخرى حجم القوة الائتلافية ضمن نطاق أوسع يتراوح بين 2500 و10000 مقاتل. هذه الفوارق ليست مجرد اختلافات إحصائية؛ فهي تكشف أن المعلومات المتعلقة بالبنية العسكرية لهذه التنظيمات غير شفافة، وأن الأرقام المتداولة ينبغي التعامل معها كتقديرات لا كإحصاءات رسمية.
لكن حتى لو افترضنا الحد الأعلى لبعض التقديرات، فإن الحجم لا يجعل هذه القوى جيشاً قادراً على خوض حرب تقليدية مع إيران. القوة الإيرانية تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية ضخمة، وقدرة على استخدام الصواريخ والطائرات والمسيّرات والاستخبارات، إضافة إلى إمكانات لوجستية وبشرية لا تستطيع التنظيمات الكوردية مقارنتها بها. ولذلك فإن دخولها في معركة مفتوحة ومباشرة مع القوات الإيرانية سيضعها أمام تفوق هائل في النيران والموارد.
القيمة الحقيقية لهذه التنظيمات تظهر في نوع آخر من الحرب. فالمقاتل الذي يعرف الجغرافيا الجبلية، ولديه شبكة اجتماعية أو سياسية داخل المنطقة، يستطيع أن يتحرك بطريقة تختلف جذرياً عن وحدة عسكرية تقليدية. وهذه الخبرة تجعل القوى الكوردية أكثر قدرة على الاستنزاف وخلق مشكلات أمنية مستمرة، لكنها لا تحل مشكلة السيطرة على المدن أو إدارة المناطق الكبيرة.
وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين القدرة على الدخول والقدرة على البقاء. قد تستطيع قوة مسلحة عبور منطقة حدودية أو تنفيذ عمليات داخلها عندما تكون القوات الحكومية مشتتة، لكن السيطرة المستدامة تتطلب سلسلة مختلفة تماماً من القدرات: حماية السكان، تأمين الطرق، توفير الإمدادات، إنشاء قيادة محلية، منع الخصوم من إعادة الانتشار، وإدارة المؤسسات المدنية. ولهذا خلصت دراسة Jamestown إلى أن الاحتفاظ بالأرض سيكون أكبر تحدٍ أمام أي عملية كوردية واسعة داخل إيران.
هذه الحقيقة تجعل السيناريو الأكثر واقعية مختلفاً عن صورة «جيش كوردي يدخل إيران ويحرر المدن». إذا حدث تحول كبير في قدرة الدولة الإيرانية، فالأرجح أن تبدأ القيمة العسكرية للقوى الكوردية من إرباك السيطرة المركزية واستغلال الفراغات الأمنية، وليس من احتلال مساحة واسعة بصورة تقليدية. وكلما اتسع الفراغ، يمكن أن تتحول القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي؛ أما إذا استعادت طهران قدرتها على إرسال قوات كبيرة إلى المناطق الغربية، فإن التنظيمات ستعود بسرعة إلى نمط حرب العصابات والاستنزاف.
تحتاج مسألة القدرة العسكرية الكوردية إلى قدر كبير من الواقعية، لأن الخطاب السياسي للأحزاب نفسها قد يختلف عن تقديرات المصادر المستقلة. بعض المصادر خلال مارس 2026 تحدثت عن نحو 5000 إلى 8000 مقاتل كانوا يستعدون لاحتمال عملية عبر الحدود، بينما وضعت دراسة أخرى حجم القوة الائتلافية ضمن نطاق أوسع يتراوح بين 2500 و10000 مقاتل. هذه الفوارق ليست مجرد اختلافات إحصائية؛ فهي تكشف أن المعلومات المتعلقة بالبنية العسكرية لهذه التنظيمات غير شفافة، وأن الأرقام المتداولة ينبغي التعامل معها كتقديرات لا كإحصاءات رسمية.
لكن حتى لو افترضنا الحد الأعلى لبعض التقديرات، فإن الحجم لا يجعل هذه القوى جيشاً قادراً على خوض حرب تقليدية مع إيران. القوة الإيرانية تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية ضخمة، وقدرة على استخدام الصواريخ والطائرات والمسيّرات والاستخبارات، إضافة إلى إمكانات لوجستية وبشرية لا تستطيع التنظيمات الكوردية مقارنتها بها. ولذلك فإن دخولها في معركة مفتوحة ومباشرة مع القوات الإيرانية سيضعها أمام تفوق هائل في النيران والموارد.
القيمة الحقيقية لهذه التنظيمات تظهر في نوع آخر من الحرب. فالمقاتل الذي يعرف الجغرافيا الجبلية، ولديه شبكة اجتماعية أو سياسية داخل المنطقة، يستطيع أن يتحرك بطريقة تختلف جذرياً عن وحدة عسكرية تقليدية. وهذه الخبرة تجعل القوى الكوردية أكثر قدرة على الاستنزاف وخلق مشكلات أمنية مستمرة، لكنها لا تحل مشكلة السيطرة على المدن أو إدارة المناطق الكبيرة.
وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين القدرة على الدخول والقدرة على البقاء. قد تستطيع قوة مسلحة عبور منطقة حدودية أو تنفيذ عمليات داخلها عندما تكون القوات الحكومية مشتتة، لكن السيطرة المستدامة تتطلب سلسلة مختلفة تماماً من القدرات: حماية السكان، تأمين الطرق، توفير الإمدادات، إنشاء قيادة محلية، منع الخصوم من إعادة الانتشار، وإدارة المؤسسات المدنية. ولهذا خلصت دراسة Jamestown إلى أن الاحتفاظ بالأرض سيكون أكبر تحدٍ أمام أي عملية كوردية واسعة داخل إيران.
هذه الحقيقة تجعل السيناريو الأكثر واقعية مختلفاً عن صورة «جيش كوردي يدخل إيران ويحرر المدن». إذا حدث تحول كبير في قدرة الدولة الإيرانية، فالأرجح أن تبدأ القيمة العسكرية للقوى الكوردية من إرباك السيطرة المركزية واستغلال الفراغات الأمنية، وليس من احتلال مساحة واسعة بصورة تقليدية. وكلما اتسع الفراغ، يمكن أن تتحول القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي؛ أما إذا استعادت طهران قدرتها على إرسال قوات كبيرة إلى المناطق الغربية، فإن التنظيمات ستعود بسرعة إلى نمط حرب العصابات والاستنزاف.
ماذا يتغير إذا كان الهدف الأمريكي والإسرائيلي هو تغيير النظام؟
هنا تقع النقطة الأكثر حساسية في الدراسة كلها، لأن تأثير القوى الكوردية يتوقف بدرجة كبيرة على طبيعة الهدف الأمريكي والإسرائيلي من الحرب. إذا كان الهدف هو إضعاف القدرات النووية والصاروخية والعسكرية الإيرانية ثم التوصل إلى اتفاق، فإن فتح جبهة كوردية واسعة قد لا يكون أولوية استراتيجية لواشنطن. أما إذا أصبح إسقاط النظام أو تفكيك قدرته على الحكم هدفاً ثابتاً، فإن المعارضة المسلحة داخل إيران تصبح ذات قيمة مختلفة تماماً.
القوة الجوية تستطيع تدمير منشآت ومراكز قيادة ومخازن وسلاح، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان انتقال السلطة أو إدارة الأراضي بعد انهيار مؤسسات الدولة. ولذلك فإن أي استراتيجية لتغيير النظام تحتاج، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى قوى داخلية تستطيع استثمار حالة الاضطراب. وهنا تدخل القوى الكوردية ضمن معادلة أكبر تشمل أيضاً المعارضة السياسية الإيرانية والقوى المحلية الأخرى.
لكن التطورات في 2026 أظهرت أن الفكرة أكثر تعقيداً من مجرد إعطاء الضوء الأخضر للقوى الكوردية. فقد تحدثت رويترز في مارس عن دعم إسرائيلي محتمل لخطط مجموعات كوردية إيرانية للسيطرة على بلدات حدودية، وعن اتصالات استمرت نحو عام بين هذه القوى وإسرائيل والولايات المتحدة، مع تقديرات بوجود 5000 إلى 8000 مقاتل يستعدون لعملية محتملة. وفي المقابل، أظهرت تقارير لاحقة أن هذه العملية لم تتحول إلى الهجوم الواسع الذي كان متوقعاً، وأن القوى الكوردية نفسها كانت تدرك حجم المخاطر والخسائر المحتملة.
وهذا مهم جداً لأنه يكشف أن امتلاك الدعم السياسي أو حتى الاتصالات مع قوة عظمى لا يساوي امتلاك الظروف اللازمة للنجاح العسكري. فالقوى الكوردية بحاجة إلى بيئة داخل إيران تسمح لها بالحركة، وإلى تراجع في قدرة القوات الإيرانية على الانتشار، وإلى درجة من القبول أو التعاون الشعبي المحلي، وإلى حسابات أمريكية واضحة بشأن ما بعد العملية.
إذا حدث ذلك، يمكن للجبهة الكوردية أن تلعب دوراً مهماً في توزيع الضغط على الدولة الإيرانية. فكل وحدة إيرانية تُجبر على البقاء في غرب البلاد هي وحدة لا تستطيع استخدامها في حماية طهران أو المنشآت الاستراتيجية أو مواجهة احتجاجات داخلية في مناطق أخرى. لكن هذا الدور لا يعني أن الجبهة الكوردية تستطيع وحدها تغيير النظام؛ وإنما يعني أنها قد تصبح جزءاً من منظومة ضغط متعددة الجبهات تجعل قدرة النظام على إعادة تنظيم نفسه أكثر صعوبة.
ومن هنا يجب التمييز بين «الاستفادة من الجبهة الكوردية» و«الاعتماد عليها». الولايات المتحدة تستطيع النظر إليها باعتبارها قوة مضاعفة، لكن تحويلها إلى القوة الرئيسية لتغيير النظام يحمل مخاطر كبيرة، لأن قدراتها محدودة، ولأن دعمها بصورة علنية قد يؤدي إلى تعبئة قومية إيرانية ضدها، وقد يمنح طهران ذريعة لتصوير الحرب باعتبارها مشروعاً لتقسيم إيران لا مشروعاً لتغيير النظام.
هنا تقع النقطة الأكثر حساسية في الدراسة كلها، لأن تأثير القوى الكوردية يتوقف بدرجة كبيرة على طبيعة الهدف الأمريكي والإسرائيلي من الحرب. إذا كان الهدف هو إضعاف القدرات النووية والصاروخية والعسكرية الإيرانية ثم التوصل إلى اتفاق، فإن فتح جبهة كوردية واسعة قد لا يكون أولوية استراتيجية لواشنطن. أما إذا أصبح إسقاط النظام أو تفكيك قدرته على الحكم هدفاً ثابتاً، فإن المعارضة المسلحة داخل إيران تصبح ذات قيمة مختلفة تماماً.
القوة الجوية تستطيع تدمير منشآت ومراكز قيادة ومخازن وسلاح، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان انتقال السلطة أو إدارة الأراضي بعد انهيار مؤسسات الدولة. ولذلك فإن أي استراتيجية لتغيير النظام تحتاج، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى قوى داخلية تستطيع استثمار حالة الاضطراب. وهنا تدخل القوى الكوردية ضمن معادلة أكبر تشمل أيضاً المعارضة السياسية الإيرانية والقوى المحلية الأخرى.
لكن التطورات في 2026 أظهرت أن الفكرة أكثر تعقيداً من مجرد إعطاء الضوء الأخضر للقوى الكوردية. فقد تحدثت رويترز في مارس عن دعم إسرائيلي محتمل لخطط مجموعات كوردية إيرانية للسيطرة على بلدات حدودية، وعن اتصالات استمرت نحو عام بين هذه القوى وإسرائيل والولايات المتحدة، مع تقديرات بوجود 5000 إلى 8000 مقاتل يستعدون لعملية محتملة. وفي المقابل، أظهرت تقارير لاحقة أن هذه العملية لم تتحول إلى الهجوم الواسع الذي كان متوقعاً، وأن القوى الكوردية نفسها كانت تدرك حجم المخاطر والخسائر المحتملة.
وهذا مهم جداً لأنه يكشف أن امتلاك الدعم السياسي أو حتى الاتصالات مع قوة عظمى لا يساوي امتلاك الظروف اللازمة للنجاح العسكري. فالقوى الكوردية بحاجة إلى بيئة داخل إيران تسمح لها بالحركة، وإلى تراجع في قدرة القوات الإيرانية على الانتشار، وإلى درجة من القبول أو التعاون الشعبي المحلي، وإلى حسابات أمريكية واضحة بشأن ما بعد العملية.
إذا حدث ذلك، يمكن للجبهة الكوردية أن تلعب دوراً مهماً في توزيع الضغط على الدولة الإيرانية. فكل وحدة إيرانية تُجبر على البقاء في غرب البلاد هي وحدة لا تستطيع استخدامها في حماية طهران أو المنشآت الاستراتيجية أو مواجهة احتجاجات داخلية في مناطق أخرى. لكن هذا الدور لا يعني أن الجبهة الكوردية تستطيع وحدها تغيير النظام؛ وإنما يعني أنها قد تصبح جزءاً من منظومة ضغط متعددة الجبهات تجعل قدرة النظام على إعادة تنظيم نفسه أكثر صعوبة.
ومن هنا يجب التمييز بين «الاستفادة من الجبهة الكوردية» و«الاعتماد عليها». الولايات المتحدة تستطيع النظر إليها باعتبارها قوة مضاعفة، لكن تحويلها إلى القوة الرئيسية لتغيير النظام يحمل مخاطر كبيرة، لأن قدراتها محدودة، ولأن دعمها بصورة علنية قد يؤدي إلى تعبئة قومية إيرانية ضدها، وقد يمنح طهران ذريعة لتصوير الحرب باعتبارها مشروعاً لتقسيم إيران لا مشروعاً لتغيير النظام.
العامل التركي ـ لماذا قد تكون أنقرة أهم من واشنطن في تحديد سقف الحركة الكوردية؟
تظهر تركيا في هذه المعادلة باعتبارها الطرف الإقليمي الذي يمكن أن يغير حدود الحركة الكوردية أكثر من أي طرف آخر. فأنقرة لا تنظر إلى PDKI وPAK وPJAK بالطريقة نفسها، لأن ارتباط PJAK بمنظومة PKK يجعل نشاطه داخل إيران متصلاً مباشرة بالملف الأمني التركي. وقد أكدت تركيا في مارس 2026 أنها تتابع عن قرب تحركات PJAK، وهو ما يوضح أن أنقرة تعتبر الملف جزءاً من أمنها القومي، وليس مجرد شأن إيراني.
وتزداد حساسية هذه المسألة بسبب التحولات التي شهدها ملف PKK منذ 2025. فقد أعلن الحزب حل نفسه وإنهاء العمل المسلح بعد دعوة عبد الله أوجلان، وهي خطوة رحبت بها أنقرة، ما يعني أن تركيا دخلت مرحلة تحاول فيها إنهاء البنية المسلحة الكوردية العابرة للحدود. ولذلك فإن ظهور جبهة مسلحة جديدة مرتبطة بهذه المنظومة على الحدود الإيرانية قد يُنظر إليه في أنقرة باعتباره عودة للمشكلة من باب آخر.
المشكلة بالنسبة لواشنطن هي أن تركيا قد تتفهم إضعاف إيران، لكنها لن تتعامل بالضرورة مع صعود PJAK باعتباره نتيجة مقبولة لهذا الإضعاف. وبالتالي فإن أي سياسة أمريكية تستخدم القوى الكوردية ستحتاج إلى التفريق بين التنظيمات، وإلى طمأنة تركيا بأن الهدف ليس إنشاء بنية مسلحة جديدة مرتبطة بالـPKK على حدودها.
وهذا يفسر أيضاً لماذا تبدو مسألة الوحدة الكوردية ذات حدين. فمن الناحية الكوردية، توحيد القوى يزيد قدرتها على التفاوض ويمنحها وزناً أكبر. لكن من الناحية التركية، توحيد قوى ذات علاقات مختلفة مع PKK قد يجعل أنقرة أكثر تشدداً إذا رأت أن التحالف يتحول إلى بنية عسكرية مستقلة وقادرة على تغيير توازن الحدود.
لذلك فإن الحد الأقصى الذي يمكن أن تصل إليه الجبهة الكوردية لا تحدده قدرتها العسكرية وحدها؛ بل تحدده أيضاً قابلية تركيا للتعايش مع النتيجة السياسية التي قد تنتج عن هذه القوة.
تظهر تركيا في هذه المعادلة باعتبارها الطرف الإقليمي الذي يمكن أن يغير حدود الحركة الكوردية أكثر من أي طرف آخر. فأنقرة لا تنظر إلى PDKI وPAK وPJAK بالطريقة نفسها، لأن ارتباط PJAK بمنظومة PKK يجعل نشاطه داخل إيران متصلاً مباشرة بالملف الأمني التركي. وقد أكدت تركيا في مارس 2026 أنها تتابع عن قرب تحركات PJAK، وهو ما يوضح أن أنقرة تعتبر الملف جزءاً من أمنها القومي، وليس مجرد شأن إيراني.
وتزداد حساسية هذه المسألة بسبب التحولات التي شهدها ملف PKK منذ 2025. فقد أعلن الحزب حل نفسه وإنهاء العمل المسلح بعد دعوة عبد الله أوجلان، وهي خطوة رحبت بها أنقرة، ما يعني أن تركيا دخلت مرحلة تحاول فيها إنهاء البنية المسلحة الكوردية العابرة للحدود. ولذلك فإن ظهور جبهة مسلحة جديدة مرتبطة بهذه المنظومة على الحدود الإيرانية قد يُنظر إليه في أنقرة باعتباره عودة للمشكلة من باب آخر.
المشكلة بالنسبة لواشنطن هي أن تركيا قد تتفهم إضعاف إيران، لكنها لن تتعامل بالضرورة مع صعود PJAK باعتباره نتيجة مقبولة لهذا الإضعاف. وبالتالي فإن أي سياسة أمريكية تستخدم القوى الكوردية ستحتاج إلى التفريق بين التنظيمات، وإلى طمأنة تركيا بأن الهدف ليس إنشاء بنية مسلحة جديدة مرتبطة بالـPKK على حدودها.
وهذا يفسر أيضاً لماذا تبدو مسألة الوحدة الكوردية ذات حدين. فمن الناحية الكوردية، توحيد القوى يزيد قدرتها على التفاوض ويمنحها وزناً أكبر. لكن من الناحية التركية، توحيد قوى ذات علاقات مختلفة مع PKK قد يجعل أنقرة أكثر تشدداً إذا رأت أن التحالف يتحول إلى بنية عسكرية مستقلة وقادرة على تغيير توازن الحدود.
لذلك فإن الحد الأقصى الذي يمكن أن تصل إليه الجبهة الكوردية لا تحدده قدرتها العسكرية وحدها؛ بل تحدده أيضاً قابلية تركيا للتعايش مع النتيجة السياسية التي قد تنتج عن هذه القوة.
إقليم كوردستان العراق ـ العمق الذي يمنح القوة ويقيدها في الوقت نفسه
لا يمكن للقوى الكوردية الإيرانية أن تدخل في معادلة حرب واسعة دون النظر إلى وضع إقليم كوردستان العراق. فالإقليم يمثل بالنسبة إلى معظم هذه التنظيمات مساحة خلفية أساسية، لكنه في الوقت نفسه ليس طرفاً حراً تماماً في قرار الحرب. أربيل مطالبة بالحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة وتركيا، وفي الوقت نفسه تجنب إعطاء إيران ذريعة لتوسيع ضرباتها داخل الإقليم.
وقد أظهرت الحرب الحالية حجم المشكلة بوضوح. فالقواعد والمواقع المرتبطة بالأحزاب الكوردية الإيرانية تعرضت لضربات إيرانية متكررة، وأصبح وجود هذه القوى داخل الإقليم نفسه جزءاً من الحساب العسكري الإيراني. وفي أغسطس 2026، وصفت تقارير الوضع بأنه توازن دقيق للغاية بين رغبة القوى الكوردية في استثمار ضعف طهران وبين حاجتها إلى تجنب تعريض قواعدها ومجتمعاتها في العراق لخطر أكبر.
وهذا يعني أن أي عملية عسكرية كوردية واسعة تحتاج في الواقع إلى بيئة إقليمية تسمح بها. فإذا لم يكن هناك تفاهم مع أربيل، أو إذا اعتقدت حكومة الإقليم أن العملية ستؤدي إلى حملة إيرانية واسعة، فقد تجد القوى الكوردية نفسها مقيدة حتى لو حصلت على دعم أمريكي أو إسرائيلي.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: القوة الكوردية الإيرانية ليست قوة عابرة للحدود بالمعنى التقليدي، بل قوة تعتمد على شبكة جغرافية وسياسية متعددة الأطراف. ولذلك فإن قرارها العسكري لا تحدده طهران وحدها؛ بل يتأثر أيضاً بأربيل وبغداد وأنقرة وواشنطن.
وهذا هو السبب الذي يجعل الحديث عن «هجوم كوردي على إيران» بصورة منفصلة عن العراق حديثاً ناقصاً. الجبهة الإيرانية تبدأ سياسياً وعسكرياً من غرب إيران، لكنها تبدأ لوجستياً وأمنياً من الأراضي العراقية، ولذلك فإن أي تصعيد كبير فيها يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة عراقية ـ إيرانية ـ تركية أيضاً.
لا يمكن للقوى الكوردية الإيرانية أن تدخل في معادلة حرب واسعة دون النظر إلى وضع إقليم كوردستان العراق. فالإقليم يمثل بالنسبة إلى معظم هذه التنظيمات مساحة خلفية أساسية، لكنه في الوقت نفسه ليس طرفاً حراً تماماً في قرار الحرب. أربيل مطالبة بالحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة وتركيا، وفي الوقت نفسه تجنب إعطاء إيران ذريعة لتوسيع ضرباتها داخل الإقليم.
وقد أظهرت الحرب الحالية حجم المشكلة بوضوح. فالقواعد والمواقع المرتبطة بالأحزاب الكوردية الإيرانية تعرضت لضربات إيرانية متكررة، وأصبح وجود هذه القوى داخل الإقليم نفسه جزءاً من الحساب العسكري الإيراني. وفي أغسطس 2026، وصفت تقارير الوضع بأنه توازن دقيق للغاية بين رغبة القوى الكوردية في استثمار ضعف طهران وبين حاجتها إلى تجنب تعريض قواعدها ومجتمعاتها في العراق لخطر أكبر.
وهذا يعني أن أي عملية عسكرية كوردية واسعة تحتاج في الواقع إلى بيئة إقليمية تسمح بها. فإذا لم يكن هناك تفاهم مع أربيل، أو إذا اعتقدت حكومة الإقليم أن العملية ستؤدي إلى حملة إيرانية واسعة، فقد تجد القوى الكوردية نفسها مقيدة حتى لو حصلت على دعم أمريكي أو إسرائيلي.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: القوة الكوردية الإيرانية ليست قوة عابرة للحدود بالمعنى التقليدي، بل قوة تعتمد على شبكة جغرافية وسياسية متعددة الأطراف. ولذلك فإن قرارها العسكري لا تحدده طهران وحدها؛ بل يتأثر أيضاً بأربيل وبغداد وأنقرة وواشنطن.
وهذا هو السبب الذي يجعل الحديث عن «هجوم كوردي على إيران» بصورة منفصلة عن العراق حديثاً ناقصاً. الجبهة الإيرانية تبدأ سياسياً وعسكرياً من غرب إيران، لكنها تبدأ لوجستياً وأمنياً من الأراضي العراقية، ولذلك فإن أي تصعيد كبير فيها يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة عراقية ـ إيرانية ـ تركية أيضاً.
هل تستطيع القوى الكوردية فعلاً تغيير المعادلة؟
الإجابة الأكثر واقعية هي أن قدرتها على تغيير المعادلة تعتمد على حالة الدولة الإيرانية لحظة التحرك أكثر مما تعتمد على حجمها العسكري المجرد. ففي حالة الدولة المتماسكة، ستواجه هذه القوى تفوقاً إيرانياً هائلاً، وستكون قدرتها على السيطرة على المدن والمناطق محدودة، حتى لو تمكنت من تنفيذ عمليات مؤثرة. أما في حالة الدولة المنهكة، فإن نفس القوة التي تبدو صغيرة في الظروف العادية يمكن أن تصبح ذات وزن كبير، لأن الفراغ الأمني يغير قيمة القوة المسلحة.
وهنا يمكن تقسيم الاحتمالات إلى ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو الضغط والاستنزاف، حيث تستطيع القوى الكوردية إبقاء الجبهة الغربية مفتوحة وإجبار إيران على تخصيص قوات وموارد لها. المستوى الثاني هو استغلال الانهيار الجزئي، حيث تبدأ الدولة بفقدان السيطرة على بعض المناطق، فتتحول القوى الكوردية إلى لاعب محلي قادر على فرض ترتيبات أمنية وسياسية. أما المستوى الثالث فهو الانهيار المركزي، وفيه تصبح المسألة مختلفة جذرياً، لأن القوى الكوردية لن تكون مطالبة بإسقاط النظام، وإنما بتثبيت وجودها السياسي والعسكري في مرحلة إعادة بناء الدولة.
وهذا يفسر لماذا يجب ألا نخلط بين «القدرة على تغيير المعادلة الميدانية» و«القدرة على إسقاط النظام». قد لا تستطيع القوى الكوردية إسقاط النظام، لكنها تستطيع في ظرف مناسب أن تجعل سقوطه أسرع أو تجعل استعادة السيطرة على الغرب الإيراني أكثر كلفة. وهذه في حد ذاتها قدرة استراتيجية مهمة.
لكن توجد حدود واضحة. أولها أن التنظيمات الكوردية لا تمتلك قوة جوية أو مدفعية أو منظومة استطلاع تضاهي الدولة الإيرانية. وثانيها أن قدرتها على السيطرة على المدن محدودة مقارنة بقدرتها على العمل في الجبال والمناطق الحدودية. وثالثها أن الانقسامات السياسية يمكن أن تعود إلى الواجهة بمجرد انتهاء الخطر المشترك، خصوصاً عندما يبدأ النقاش حول شكل الدولة الإيرانية المقبلة.
وهنا يصبح الائتلاف السياسي الذي تشكل في 2026 اختباراً حقيقياً. فإذا استطاع التحالف الحفاظ على وحدة القرار وتحويل التنسيق السياسي إلى مؤسسات مشتركة، فإن قيمته ستتجاوز بكثير مجموع القوى العسكرية التابعة له. أما إذا بقي مجرد تحالف ظرفي، فإن إيران تستطيع استثمار الخلافات التاريخية بين القوى الكوردية مرة أخرى.
الإجابة الأكثر واقعية هي أن قدرتها على تغيير المعادلة تعتمد على حالة الدولة الإيرانية لحظة التحرك أكثر مما تعتمد على حجمها العسكري المجرد. ففي حالة الدولة المتماسكة، ستواجه هذه القوى تفوقاً إيرانياً هائلاً، وستكون قدرتها على السيطرة على المدن والمناطق محدودة، حتى لو تمكنت من تنفيذ عمليات مؤثرة. أما في حالة الدولة المنهكة، فإن نفس القوة التي تبدو صغيرة في الظروف العادية يمكن أن تصبح ذات وزن كبير، لأن الفراغ الأمني يغير قيمة القوة المسلحة.
وهنا يمكن تقسيم الاحتمالات إلى ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو الضغط والاستنزاف، حيث تستطيع القوى الكوردية إبقاء الجبهة الغربية مفتوحة وإجبار إيران على تخصيص قوات وموارد لها. المستوى الثاني هو استغلال الانهيار الجزئي، حيث تبدأ الدولة بفقدان السيطرة على بعض المناطق، فتتحول القوى الكوردية إلى لاعب محلي قادر على فرض ترتيبات أمنية وسياسية. أما المستوى الثالث فهو الانهيار المركزي، وفيه تصبح المسألة مختلفة جذرياً، لأن القوى الكوردية لن تكون مطالبة بإسقاط النظام، وإنما بتثبيت وجودها السياسي والعسكري في مرحلة إعادة بناء الدولة.
وهذا يفسر لماذا يجب ألا نخلط بين «القدرة على تغيير المعادلة الميدانية» و«القدرة على إسقاط النظام». قد لا تستطيع القوى الكوردية إسقاط النظام، لكنها تستطيع في ظرف مناسب أن تجعل سقوطه أسرع أو تجعل استعادة السيطرة على الغرب الإيراني أكثر كلفة. وهذه في حد ذاتها قدرة استراتيجية مهمة.
لكن توجد حدود واضحة. أولها أن التنظيمات الكوردية لا تمتلك قوة جوية أو مدفعية أو منظومة استطلاع تضاهي الدولة الإيرانية. وثانيها أن قدرتها على السيطرة على المدن محدودة مقارنة بقدرتها على العمل في الجبال والمناطق الحدودية. وثالثها أن الانقسامات السياسية يمكن أن تعود إلى الواجهة بمجرد انتهاء الخطر المشترك، خصوصاً عندما يبدأ النقاش حول شكل الدولة الإيرانية المقبلة.
وهنا يصبح الائتلاف السياسي الذي تشكل في 2026 اختباراً حقيقياً. فإذا استطاع التحالف الحفاظ على وحدة القرار وتحويل التنسيق السياسي إلى مؤسسات مشتركة، فإن قيمته ستتجاوز بكثير مجموع القوى العسكرية التابعة له. أما إذا بقي مجرد تحالف ظرفي، فإن إيران تستطيع استثمار الخلافات التاريخية بين القوى الكوردية مرة أخرى.
السيناريوهات الاستراتيجية
إذا انتهت الحرب من دون انهيار النظام الإيراني، فإن القوى الكوردية ستخرج من المرحلة الحالية أكثر أهمية سياسياً لكنها ستظل عسكرياً مقيدة. وستكون طهران أكثر حساسية تجاه حدودها الغربية، وربما أكثر استعداداً لاستهداف قواعد المعارضة خارج الحدود. وفي هذه الحالة سيبقى النشاط الكوردي في إطار الاستنزاف، ولن يتحول إلى تغيير جغرافي كبير.
أما إذا دخلت إيران مرحلة الإنهاك المؤسسي، حيث تتراجع قدرة الحرس الثوري والأجهزة الأمنية على الانتشار خارج المراكز الأساسية، فإن الجبهة الكوردية تصبح أكثر خطورة على النظام. في هذه الحالة قد لا تحتاج التنظيمات إلى احتلال مناطق واسعة؛ يكفي أن تصبح قادرة على التحرك بصورة أكثر علنية داخل مناطقها، وأن تستعيد شبكاتها السياسية والاجتماعية، وأن تمنع السلطة المركزية من إعادة فرض سيطرتها بسهولة.
السيناريو الأكثر تحولاً هو حدوث انهيار جزئي للسلطة المركزية بالتزامن مع احتجاجات داخلية وانشقاقات أمنية. هنا يمكن للقوى الكوردية أن تنتقل إلى موقع جديد تماماً، لأن السكان المحليين قد يصبحون جزءاً من عملية إعادة بناء الأمن والإدارة المحلية. وهذا هو السيناريو الذي يمكن فيه أن تتحول القوة المسلحة إلى قوة سياسية حقيقية.
أما انهيار الدولة المركزية بالكامل، فهو السيناريو الذي يحمل أكبر فرصة وأكبر خطر. في هذه الحالة ستظهر قوى أخرى في بلوشستان وخوزستان وأذربيجان والمناطق الكوردية، إضافة إلى المعارضة الفارسية بمختلف تياراتها. ولن يكون التحدي بالنسبة إلى الكورد مجرد مواجهة طهران، بل التفاوض على شكل الدولة الجديدة وضمان حقوقهم السياسية والإقليمية ومنع عودة المركزية القديمة تحت اسم جديد. وهنا تصبح المعركة السياسية أهم من المعركة العسكرية.
إذا انتهت الحرب من دون انهيار النظام الإيراني، فإن القوى الكوردية ستخرج من المرحلة الحالية أكثر أهمية سياسياً لكنها ستظل عسكرياً مقيدة. وستكون طهران أكثر حساسية تجاه حدودها الغربية، وربما أكثر استعداداً لاستهداف قواعد المعارضة خارج الحدود. وفي هذه الحالة سيبقى النشاط الكوردي في إطار الاستنزاف، ولن يتحول إلى تغيير جغرافي كبير.
أما إذا دخلت إيران مرحلة الإنهاك المؤسسي، حيث تتراجع قدرة الحرس الثوري والأجهزة الأمنية على الانتشار خارج المراكز الأساسية، فإن الجبهة الكوردية تصبح أكثر خطورة على النظام. في هذه الحالة قد لا تحتاج التنظيمات إلى احتلال مناطق واسعة؛ يكفي أن تصبح قادرة على التحرك بصورة أكثر علنية داخل مناطقها، وأن تستعيد شبكاتها السياسية والاجتماعية، وأن تمنع السلطة المركزية من إعادة فرض سيطرتها بسهولة.
السيناريو الأكثر تحولاً هو حدوث انهيار جزئي للسلطة المركزية بالتزامن مع احتجاجات داخلية وانشقاقات أمنية. هنا يمكن للقوى الكوردية أن تنتقل إلى موقع جديد تماماً، لأن السكان المحليين قد يصبحون جزءاً من عملية إعادة بناء الأمن والإدارة المحلية. وهذا هو السيناريو الذي يمكن فيه أن تتحول القوة المسلحة إلى قوة سياسية حقيقية.
أما انهيار الدولة المركزية بالكامل، فهو السيناريو الذي يحمل أكبر فرصة وأكبر خطر. في هذه الحالة ستظهر قوى أخرى في بلوشستان وخوزستان وأذربيجان والمناطق الكوردية، إضافة إلى المعارضة الفارسية بمختلف تياراتها. ولن يكون التحدي بالنسبة إلى الكورد مجرد مواجهة طهران، بل التفاوض على شكل الدولة الجديدة وضمان حقوقهم السياسية والإقليمية ومنع عودة المركزية القديمة تحت اسم جديد. وهنا تصبح المعركة السياسية أهم من المعركة العسكرية.
الجبهة الكوردية ليست جيشاً لإسقاط إيران، لكنها قد تصبح قوة لصياغة ما بعد إيران
تظهر المعطيات الحالية أن القوى المسلحة الكوردية في إيران تمتلك مقومات تجعلها لاعباً مهماً في أي سيناريو لتفكك أو إنهاك الدولة الإيرانية، لكنها لا تمتلك، في وضعها الحالي، القدرات التي تسمح لها منفردة بإسقاط النظام أو السيطرة على مساحة واسعة من غرب إيران لفترة طويلة. تقديرات حجمها العسكري تختلف بصورة كبيرة، وبعضها يضع مجموع القوى في بضعة آلاف، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أرقام أعلى؛ لكن العامل الحاسم ليس الرقم وحده، وإنما قدرة هذه القوى على تحويل خبرتها في حرب العصابات إلى نفوذ سياسي وإداري إذا تراجعت قدرة الدولة المركزية.
التطور الأهم خلال 2026 هو أن هذه القوى بدأت تدرك أن اللحظة السياسية قد تكون أهم من الزيادة في عدد المقاتلين. تشكيل التحالف الكوردي في فبراير، ثم توسيعه لاحقاً، يعكس محاولة للانتقال من تعدد الأحزاب إلى بناء جبهة يمكنها أن تتحدث باسم الحركة الكوردية في أي ترتيبات مستقبلية. وقد أعلن التحالف صراحة أنه يريد أن يكون للكورد دور في تحديد شكل إيران المستقبلية، مع طرح تصور لإيران ديمقراطية ولا مركزية تضمن الحقوق القومية والسياسية.
لكن مستقبل هذه الجبهة سيبقى معلقاً على ثلاثة متغيرات خارجية وداخلية: قرار واشنطن بشأن تغيير النظام، موقف إسرائيل من توظيف المعارضة المسلحة، وموقف تركيا من أي صعود عسكري كوردستاني على حدودها. فإذا بقي الهدف الأمريكي محصوراً في إضعاف القدرات الإيرانية، فإن استخدام الجبهة الكوردية سيبقى محدوداً. وإذا أصبح تغيير النظام هدفاً ثابتاً، فإن قيمة هذه القوى سترتفع بصورة كبيرة، خصوصاً إذا تزامنت الضربات الخارجية مع اضطرابات داخلية وانهيار تدريجي لقدرة الدولة على السيطرة على الأطراف.
أما تركيا فستظل الحلقة الأكثر حساسية. فأنقرة قد تتعامل مع إضعاف إيران باعتباره تطوراً يمكن استثماره، لكنها لن تقبل بسهولة بتحول PJAK أو أي قوة مرتبطة بالبنية الإقليمية للـPKK إلى قوة مهيمنة على الحدود الإيرانية ـ التركية. ولذلك فإن أي مشروع أمريكي لا يأخذ الموقف التركي بالحسبان سيكون معرضاً لإنتاج أزمة جديدة حتى لو نجح في إضعاف طهران.
وعليه، فإن التقدير الأكثر واقعية هو أن القوى الكوردية الإيرانية لن تكون القوة التي تسقط الجمهورية الإسلامية، لكنها يمكن أن تكون من القوى التي تحدد شكل السقوط إذا دخلت إيران مرحلة انهيار مركزي. قوتها الحقيقية لا تظهر عندما تكون الدولة في كامل قدرتها، وإنما عندما يبدأ المركز بفقدان السيطرة، وعندها يصبح امتلاك التنظيمات لشبكات محلية وخبرة قتالية وعمق جغرافي وتنظيم سياسي موحد أكثر أهمية من امتلاكها أسلحة ثقيلة.
ومن هنا فإن مستقبل الجبهة الكوردية لا يتعلق فقط بما تستطيع فعله ضد إيران، بل بما تستطيع أن تفعله بعد أن تصبح إيران مختلفة عما هي عليه اليوم. فإذا نجحت القوى الكوردية في الحفاظ على وحدتها السياسية، وتطوير خطاب يربط الحقوق الكوردية بمشروع ديمقراطي إيراني أوسع، وتجنب تحويل نفسها إلى مجرد أداة في الصراع الأمريكي ـ الإسرائيلي، فإنها قد تدخل مرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية باعتبارها أحد الأطراف المؤسسة للنظام الجديد. أما إذا بقيت مجزأة أو تحولت إلى قوة عسكرية مرتبطة بصورة مباشرة بأجندات خارجية، فإنها قد تتحول بدلاً من ذلك إلى ذريعة لتعبئة القومية الإيرانية ضدها وإلى سبب إضافي لتدخل تركيا وإيران والعراق في صراع مفتوح.
وهذا هو جوهر المعادلة: ليست المسألة ما إذا كان الكورد يستطيعون احتلال غرب إيران، وإنما ما إذا كانوا يستطيعون استثمار لحظة ضعف المركز بحيث يصبح من المستحيل إعادة بناء إيران القديمة من دون الاعتراف بهم كشريك سياسي في بناء إيران الجديدة.
تظهر المعطيات الحالية أن القوى المسلحة الكوردية في إيران تمتلك مقومات تجعلها لاعباً مهماً في أي سيناريو لتفكك أو إنهاك الدولة الإيرانية، لكنها لا تمتلك، في وضعها الحالي، القدرات التي تسمح لها منفردة بإسقاط النظام أو السيطرة على مساحة واسعة من غرب إيران لفترة طويلة. تقديرات حجمها العسكري تختلف بصورة كبيرة، وبعضها يضع مجموع القوى في بضعة آلاف، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أرقام أعلى؛ لكن العامل الحاسم ليس الرقم وحده، وإنما قدرة هذه القوى على تحويل خبرتها في حرب العصابات إلى نفوذ سياسي وإداري إذا تراجعت قدرة الدولة المركزية.
التطور الأهم خلال 2026 هو أن هذه القوى بدأت تدرك أن اللحظة السياسية قد تكون أهم من الزيادة في عدد المقاتلين. تشكيل التحالف الكوردي في فبراير، ثم توسيعه لاحقاً، يعكس محاولة للانتقال من تعدد الأحزاب إلى بناء جبهة يمكنها أن تتحدث باسم الحركة الكوردية في أي ترتيبات مستقبلية. وقد أعلن التحالف صراحة أنه يريد أن يكون للكورد دور في تحديد شكل إيران المستقبلية، مع طرح تصور لإيران ديمقراطية ولا مركزية تضمن الحقوق القومية والسياسية.
لكن مستقبل هذه الجبهة سيبقى معلقاً على ثلاثة متغيرات خارجية وداخلية: قرار واشنطن بشأن تغيير النظام، موقف إسرائيل من توظيف المعارضة المسلحة، وموقف تركيا من أي صعود عسكري كوردستاني على حدودها. فإذا بقي الهدف الأمريكي محصوراً في إضعاف القدرات الإيرانية، فإن استخدام الجبهة الكوردية سيبقى محدوداً. وإذا أصبح تغيير النظام هدفاً ثابتاً، فإن قيمة هذه القوى سترتفع بصورة كبيرة، خصوصاً إذا تزامنت الضربات الخارجية مع اضطرابات داخلية وانهيار تدريجي لقدرة الدولة على السيطرة على الأطراف.
أما تركيا فستظل الحلقة الأكثر حساسية. فأنقرة قد تتعامل مع إضعاف إيران باعتباره تطوراً يمكن استثماره، لكنها لن تقبل بسهولة بتحول PJAK أو أي قوة مرتبطة بالبنية الإقليمية للـPKK إلى قوة مهيمنة على الحدود الإيرانية ـ التركية. ولذلك فإن أي مشروع أمريكي لا يأخذ الموقف التركي بالحسبان سيكون معرضاً لإنتاج أزمة جديدة حتى لو نجح في إضعاف طهران.
وعليه، فإن التقدير الأكثر واقعية هو أن القوى الكوردية الإيرانية لن تكون القوة التي تسقط الجمهورية الإسلامية، لكنها يمكن أن تكون من القوى التي تحدد شكل السقوط إذا دخلت إيران مرحلة انهيار مركزي. قوتها الحقيقية لا تظهر عندما تكون الدولة في كامل قدرتها، وإنما عندما يبدأ المركز بفقدان السيطرة، وعندها يصبح امتلاك التنظيمات لشبكات محلية وخبرة قتالية وعمق جغرافي وتنظيم سياسي موحد أكثر أهمية من امتلاكها أسلحة ثقيلة.
ومن هنا فإن مستقبل الجبهة الكوردية لا يتعلق فقط بما تستطيع فعله ضد إيران، بل بما تستطيع أن تفعله بعد أن تصبح إيران مختلفة عما هي عليه اليوم. فإذا نجحت القوى الكوردية في الحفاظ على وحدتها السياسية، وتطوير خطاب يربط الحقوق الكوردية بمشروع ديمقراطي إيراني أوسع، وتجنب تحويل نفسها إلى مجرد أداة في الصراع الأمريكي ـ الإسرائيلي، فإنها قد تدخل مرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية باعتبارها أحد الأطراف المؤسسة للنظام الجديد. أما إذا بقيت مجزأة أو تحولت إلى قوة عسكرية مرتبطة بصورة مباشرة بأجندات خارجية، فإنها قد تتحول بدلاً من ذلك إلى ذريعة لتعبئة القومية الإيرانية ضدها وإلى سبب إضافي لتدخل تركيا وإيران والعراق في صراع مفتوح.
وهذا هو جوهر المعادلة: ليست المسألة ما إذا كان الكورد يستطيعون احتلال غرب إيران، وإنما ما إذا كانوا يستطيعون استثمار لحظة ضعف المركز بحيث يصبح من المستحيل إعادة بناء إيران القديمة من دون الاعتراف بهم كشريك سياسي في بناء إيران الجديدة.

