تقدير موقف: فريق الجيوستراتيجي للدراسات
تشير التطورات المتسارعة التي شهدتها الساحة السورية خلال الساعات الأخيرة إلى دخول البلاد مرحلة دقيقة من إعادة ترتيب موازين القوى، حيث تتقاطع التفاهمات السياسية مع التحولات الميدانية والضغوط الإقليمية والدولية. التفاهمات المعلنة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب التغيرات في السيطرة على الموارد واستمرار الهشاشة الأمنية، تعكس مساراً انتقالياً غير مكتمل يحمل فرصاً لإعادة فرض مركزية الدولة، لكنه ينطوي في الوقت ذاته على مخاطر إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة، خصوصاً إذا جرى التعامل مع القضية الكوردية بوصفها ملفاً أمنياً لا مسألة سياسية بنيوية.
السياق العام للتطورات
تشير التطورات المتسارعة التي شهدتها الساحة السورية خلال الساعات الأخيرة إلى دخول البلاد مرحلة دقيقة من إعادة ترتيب موازين القوى، حيث تتقاطع التفاهمات السياسية مع التحولات الميدانية والضغوط الإقليمية والدولية. التفاهمات المعلنة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب التغيرات في السيطرة على الموارد واستمرار الهشاشة الأمنية، تعكس مساراً انتقالياً غير مكتمل يحمل فرصاً لإعادة فرض مركزية الدولة، لكنه ينطوي في الوقت ذاته على مخاطر إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة، خصوصاً إذا جرى التعامل مع القضية الكوردية بوصفها ملفاً أمنياً لا مسألة سياسية بنيوية.
السياق العام للتطورات
تأتي هذه التحولات في ظل تراجع الاهتمام الدولي المباشر بالملف السوري، مقابل صعود مقاربات براغماتية تركز على إدارة التوازنات بدل السعي إلى حلول شاملة. هذا الواقع فرض على الفاعلين المحليين إعادة تقييم خياراتهم، حيث باتت كلفة الاستمرار في أنماط السيطرة السابقة أعلى من القدرة على تحملها، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي.
دلالات التفاهمات بين دمشق وقسد
تعكس التفاهمات المعلنة تحولاً من منطق الصدام المفتوح إلى منطق الاحتواء وإعادة الدمج. تسعى دمشق من خلالها إلى استعادة شرعيتها السيادية على الجغرافيا السورية وتفكيك البنى العسكرية المستقلة، بينما تحاول قوات سوريا الديمقراطية تجنب خسارة شاملة عبر القبول بتسوية تضمن بقاءها كفاعل محلي ضمن إطار الدولة. غير أن هذا المسار يبقى هشاً ما لم يترافق مع تصور واضح للعلاقة بين المركز والأطراف، يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى شراكة سياسية وإدارية حقيقية.
القضية الكوردية في سوريا: اختبار الدولة لا هامشها
تشكل القضية الكوردية أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة التحولات الجارية في سوريا، إذ لم يكن صعود الكورد كفاعل سياسي وعسكري نتيجة ظرف عابر، بل تعبيراً عن فراغ الدولة وانهيار العقد الاجتماعي. ومع الانتقال إلى مرحلة التفاهمات، يجد الكورد أنفسهم أمام معادلة معقدة تجمع بين الحفاظ على مكتسبات سياسية وإدارية تحققت خلال سنوات الصراع، وتجنب التحول إلى ضحية جديدة لتسويات إقليمية تتجاوزهم.
إن اختزال الوجود الكوردي في إطار أمني أو إداري مؤقت يهدد بإعادة إنتاج الأزمة بصيغة مختلفة، ويغفل حقيقة أن الكورد يشكلون مكوناً أصيلاً من مكونات المجتمع السوري. التفاهمات الحالية، إن لم تُبْنَ على اعتراف سياسي واضح يضمن الحقوق الثقافية والإدارية والتمثيل العادل، ستبقى تسويات هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار جدي.
إقليمياً، تتقاطع القضية الكوردية في سوريا مع مخاوف تركية بنيوية، ومع حسابات دولية تتعامل مع الكورد كورقة ضغط لا كشريك استراتيجي طويل الأمد. هذا الواقع يفرض ضرورة إعادة تعريف موقع الكورد ضمن مشروع وطني سوري جامع، باعتبارهم شرط استقرار لا عامل تهديد.
التحولات الميدانية والسيطرة على الموارد
تؤكد التغيرات في خريطة السيطرة على مناطق النفط والغاز أن الاقتصاد بات عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل المشهد السوري. السيطرة على الموارد لم تعد فقط أداة تمويل، بل وسيلة لفرض النفوذ السياسي وإعادة ترتيب الولاءات المحلية. تراجع سيطرة قسد على هذه الموارد يضعف قدرتها التفاوضية، بينما يمنح دمشق أوراق ضغط إضافية، غير أن استعادة الموارد دون إصلاحات بنيوية قد تعمّق الاختلالات وتغذي الاحتقان الاجتماعي.
الهشاشة الأمنية واستمرار العنف
رغم الحديث عن وقف لإطلاق النار وتفاهمات سياسية، لا تزال أعمال العنف مستمرة في عدد من المناطق، ما يعكس عمق الأزمة الأمنية وتعدد مراكز القوة. هذه الهشاشة لا تشكل فقط تهديداً آنياً، بل مؤشراً على غياب مشروع أمني وطني جامع قادر على ضبط المرحلة الانتقالية ومنع الانزلاق نحو فوضى جديدة.
الأبعاد الإقليمية والدولية
تظل التطورات الداخلية السورية رهينة لتوازنات إقليمية ودولية معقدة، حيث يتراجع الانخراط الأمريكي المباشر، مقابل استمرار القلق التركي، وتثبيت النفوذ الروسي والإيراني. هذه المعادلة تدفع باتجاه تسويات جزئية قصيرة الأمد، ما لم يتم تحييد الملف السوري عن منطق الصراعات الإقليمية بالوكالة.
السيناريوهات الاستراتيجية المحتملة
يتمثل المسار الأول في نجاح عملية الاحتواء السياسي، حيث تُدمج القوى المحلية، بما فيها الكورد، ضمن بنية دولة مركزية معدّلة، مع انخفاض تدريجي في مستويات العنف. أما المسار الثاني فيكمن في فشل التفاهمات وتحولها إلى مجرد هدنة مؤقتة تعقبها جولات تصعيد جديدة. بينما يقوم المسار الثالث على حالة جمود طويلة الأمد تستمر فيها سوريا كدولة منقوصة السيادة متعددة مراكز النفوذ.
الاستنتاجات العامة
تشير المعطيات الحالية إلى أن سوريا تقف أمام مرحلة إعادة تموضع لا ترقى بعد إلى تحول بنيوي شامل. إن نجاح أي مسار استقرار يبقى مرهوناً بالانتقال من تفاهمات أمنية ضيقة إلى عقد سياسي جديد يعالج جذور الأزمة، وفي مقدمتها شكل الدولة والعلاقة مع مكوناتها، وعلى رأسها المكون الكوردي.
خلاصة
تمثل اللحظة الراهنة فرصة نادرة لإعادة صياغة المشهد السوري على أسس أكثر استدامة، غير أن تفويتها عبر تسويات شكلية أو إقصائية سيؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بصيغ أكثر تعقيداً. إن إدماج القضية الكوردية ضمن إطار وطني جامع ليس تنازلاً سياسياً، بل شرطاً استراتيجياً لاستقرار سوريا ووحدتها على المدى الطويل.

