توم باراك والمهمة المستحيلة " العراق ليست سوريا ولا يمكن العبث بملف البيشمركة "

آدمن الموقع
0
 
قراءة سياسية لـ إبراهيم مصطفى (كابان)
واضح أن عملية تقليص النفوذ الإيراني في العراق أصبحت ذات أهمية قصوى بعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وأن الجهود الأمريكية سوف تتركز خلال المرحلة القادمة على إضعاف القوى المحلية العراقية المرتبطة بالنفوذ الإيراني، مقابل تعزيز القوى العراقية المناوئة له. كما أن التدخلات الإقليمية، وفي مقدمتها التركية والخليجية، ستكون حاضرة في هذه التحركات الأمريكية، خاصة مع تكليف توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والقائم سابقاً بمتابعة الملف السوري، بإدارة الملف العراقي أيضاً.

ومما لا شك فيه أن النجاح التركي في توسيع نفوذه داخل سوريا، إلى جانب إستراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القائمة على منح الحلفاء الإقليميين أدواراً أكبر في إدارة ملفات المنطقة، أسهما في تعزيز الحضور التركي في ملفات كانت تُدار سابقاً بصورة مختلفة. وقد انعكس ذلك في سوريا من خلال إعادة تشكيل السلطة الجديدة في دمشق، وفرض ترتيبات سياسية وعسكرية جديدة كان للكرد وقوات سوريا الديمقراطية نصيب أساسي منها، عبر عملية دمج قسرية ضمن البنية الجديدة التي تشكلت بعد سقوط النظام السابق.

وفي ما يتعلق بالوضع الكردي، سواء في سوريا أو العراق، فقد نجح توم باراك، وبدعم تركي وترخيص أمريكي، في المساهمة بإعادة توجيه مسار الملف السوري، وخاصة فيما يتعلق بقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية. ولهذا السبب بدأ النقاش الكردي يتصاعد مع انتقاله إلى الملف العراقي، انطلاقاً من المخاوف المرتبطة بطبيعة علاقاته مع تركيا وتأثير هذه العلاقات على مستقبل القضية الكردية.

وتزداد هذه المخاوف بسبب أن الأطماع التركية تجاه الكرد لا تتوقف عند حدود سوريا، وإنما تمتد إلى العراق أيضاً، حيث توجد تجربة فيدرالية كردية راسخة وقوة عسكرية منظمة تتمثل بقوات البيشمركة. وتنظر أنقرة إلى إقليم كردستان العراق باعتباره آخر مساحة كردية تمتلك مستوى متقدماً من الحكم الذاتي والمؤسسات السياسية والعسكرية المستقلة نسبياً، الأمر الذي يجعله جزءاً دائماً من الحسابات الأمنية والإستراتيجية التركية.

لكن انتقال توم باراك إلى الملف العراقي لا يعني بالضرورة تكرار السيناريو السوري بحذافيره. فالعراق يختلف جذرياً عن سوريا من حيث البنية الدستورية والسياسية وطبيعة التوازنات الداخلية والخارجية. فبينما كانت سوريا دولة منهكة ومؤسساتها شبه منهارة بعد سنوات طويلة من الحرب، فإن العراق يمتلك نظاماً سياسياً قائماً، ودستوراً نافذاً، ومؤسسات رسمية، وفيدرالية معترفاً بها، وتوازنات معقدة بين القوى الشيعية والسنية والكردية.
ومن هنا فإن مهمة باراك في العراق تبدو أكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه في سوريا. فالهدف الأمريكي المتمثل في تقليص النفوذ الإيراني لا يقتصر على إضعاف الفصائل المسلحة القريبة من طهران، وإنما يتطلب أيضاً إيجاد بدائل سياسية وأمنية واقتصادية قادرة على ملء الفراغ الذي قد ينشأ عن هذا التراجع. وهذه معضلة لم تنجح الولايات المتحدة في حلها بشكل كامل منذ عام 2003 رغم حضورها السياسي والعسكري الواسع في العراق.
 
كما أن العراق يمثل اليوم الساحة الرئيسية للتنافس الأمريكي الإيراني في المنطقة. لذلك فإن أي محاولة لإعادة هندسة المشهد العراقي سوف تصطدم بشبكة واسعة من المصالح المتداخلة تشمل إيران وتركيا ودول الخليج، إضافة إلى القوى السياسية العراقية ذاتها. وهو ما يجعل من الصعب على أي مبعوث أمريكي، مهما كانت صلاحياته، أن يفرض تحولاً جذرياً وسريعاً في بنية النظام العراقي.

ومن زاوية كردية، فإن القلق الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على شخصية توم باراك أو طبيعة علاقاته مع تركيا، بل يجب أن يشمل قراءة أوسع لموازين القوى الفعلية داخل العراق. فإقليم كردستان العراق لا يشبه أي حالة كردية أخرى في المنطقة. فهو ليس مجرد منطقة نفوذ أو إدارة محلية، وإنما كيان دستوري معترف به يمتلك مؤسسات سياسية وأمنية واقتصادية راسخة، ويحظى بعلاقات دولية واسعة تراكمت على مدى عقود.

فالحضور الأمريكي في إقليم كردستان لم يكن حضوراً اعتباطياً أو مؤقتاً، بل جاء نتيجة حسابات إستراتيجية طويلة الأمد. فمنذ فرض منطقة الحظر الجوي بعد عام 1991، تطورت العلاقة بين واشنطن والإقليم بصورة تدريجية حتى أصبحت جزءاً من البنية السياسية والأمنية التي قامت عليها مرحلة ما بعد عام 2003. وخلال الحرب ضد تنظيم داعش تعززت هذه العلاقة بصورة أكبر، بعدما أثبتت قوات البيشمركة أنها شريك موثوق وفاعل في مواجهة التنظيم، الأمر الذي منح الإقليم مكانة خاصة في الحسابات الأمريكية.

كما أن المصالح الأمريكية في العراق لا ترتبط ببغداد وحدها، وإنما تشمل أيضاً استقرار إقليم كردستان ودوره في حفظ التوازن داخل الدولة العراقية. فالولايات المتحدة تدرك أن أي إضعاف جوهري للإقليم أو المساس باستقراره السياسي والأمني قد يؤدي إلى خلق فراغ جديد داخل العراق، ويمنح قوى إقليمية أخرى مساحة أوسع للتدخل والتوسع، وهو ما يتعارض مع الأهداف الأمريكية طويلة المدى.

إضافة إلى ذلك، تمتلك القوى السياسية الكردية في العراق رصيداً كبيراً من العلاقات المتراكمة مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء الجمهورية أو الديمقراطية. فقد نجح القادة الكرد على مدى عقود في بناء قنوات اتصال مباشرة مع البيت الأبيض ووزارة الخارجية والبنتاغون والكونغرس ومراكز القرار المختلفة في واشنطن. ولذلك فإن الملف الكردي العراقي لا يُدار حصراً من خلال البوابة التركية، كما يتصور البعض، بل من خلال شبكة علاقات مباشرة ومتجذرة بين الكرد والمؤسسات الأمريكية.

كما تدرك واشنطن أن إقليم كردستان يمثل أحد أكثر المناطق استقراراً في العراق والمنطقة، وأنه يشكل شريكاً سياسياً وأمنياً مهماً في العديد من الملفات الإقليمية. ولهذا فإن أي مشروع أمريكي لإعادة ترتيب المشهد العراقي أو تقليص النفوذ الإيراني لن يكون من السهل أن يتجاهل المصالح الكردية أو يتعامل معها بوصفها تفصيلاً يمكن تجاوزه في إطار تفاهمات إقليمية مؤقتة.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الكرد لا يتمثل فقط في مراقبة تحركات توم باراك أو التخوف من طبيعة علاقاته مع تركيا، بل في كيفية استثمار عناصر القوة التي يمتلكها إقليم كردستان سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً. فكلما نجحت القوى الكردية في الحفاظ على وحدتها الداخلية وتعزيز مؤسساتها وتطوير علاقاتها الدولية، ازدادت قدرتها على التأثير في أي ترتيبات إقليمية جديدة بدلاً من الاكتفاء بمراقبتها أو القلق من نتائجها.

وفي المحصلة، قد يكون توم باراك قادراً على إدارة بعض التحولات التكتيكية في العراق، لكنه سيجد نفسه أمام واقع مختلف تماماً عن سوريا. فالتنافس الأمريكي الإيراني، والطموحات التركية، وحسابات الخليج، وتعقيدات النظام العراقي، ومكانة إقليم كردستان الدستورية، كلها عوامل تجعل من إعادة رسم المشهد العراقي مهمة شديدة الصعوبة. ولهذا تبدو المهمة المقبلة لباراك أقرب إلى اختبار حقيقي لقدرة الولايات المتحدة على إعادة صياغة التوازنات العراقية، منها إلى عملية سياسية يمكن حسمها عبر الضغوط أو التفاهمات الإقليمية وحدها. فالعراق ليس سوريا، والكرد في العراق ليسوا الكرد في أي ساحة أخرى، وإقليم كردستان اليوم يمتلك من عناصر القوة والشرعية والعلاقات الدولية ما يجعله رقماً صعباً في أي معادلة سياسية أو أمنية يجري رسمها لمستقبل العراق والمنطقة.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!