تقرير: فريق الجيوستراتيجي للدراسات
طبيعة المشروع الإيراني وحدود إعادة الاحتواء
يُظهر المشهد الإيراني الحالي أنه ليس مجرد ملف دولة ضمن توازنات إقليمية تقليدية، بل هو مشروع نفوذ ممتد تشكل عبر عقود من التحولات العميقة في الشرق الأوسط، خصوصاً منذ لحظة الانخراط الأمريكي العسكري المباشر في المنطقة. فقد استطاعت إيران أن تستفيد من فراغات القوة، وأن تبني منظومة نفوذ تعتمد على أذرع محلية في ساحات متعددة مثل لبنان والعراق واليمن وسوريا، ما جعل حضورها الإقليمي جزءاً من بنية سياسية–عسكرية متداخلة وليست مجرد تدخل خارجي قابل للفصل السريع.
من هنا، فإن الحديث عن “إعادة إيران إلى حدودها الطبيعية” وفق التصور الأمريكي–الإسرائيلي يبدو أقرب إلى هدف استراتيجي طويل الأمد منه إلى إمكانية واقعية سريعة التنفيذ. فهذه الشبكة من النفوذ ليست مجرد امتدادات عسكرية، بل ترتبط ببنى اجتماعية وسياسية واقتصادية داخل الدول ذاتها، الأمر الذي يجعل تفكيكها أو تقليصها عملية معقدة ومكلفة، وتحتاج إلى أكثر من أدوات الضغط التقليدية.
منطق التصعيد والتفاوض وإدارة الصراع بدل حسمه
في هذا السياق المعقد، لا يبدو أن العلاقة بين إيران وخصومها تتجه نحو مواجهة حاسمة بقدر ما تتجه نحو إدارة صراع طويل يقوم على المزج بين التفاوض والتصعيد. فإيران لا تتعامل مع التفاوض بوصفه مساراً منفصلاً عن القوة، بل كجزء من أدوات تحسين شروطها التفاوضية، حيث تُستخدم التحركات العسكرية أو التوترات الإقليمية كرسائل ضغط محسوبة ضمن مسار الحوار السياسي.
وفي المقابل، تعتمد القوى المقابلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، على أدوات ضغط موازية تشمل العقوبات الاقتصادية، الردع العسكري، وإعادة التموضع الأمني في الخليج. هذا التداخل بين الضغط والحوار يخلق حالة مستمرة من “المناوشات المدارة”، حيث تصبح التوترات جزءاً وظيفياً من العملية التفاوضية نفسها وليست خروجاً عنها.
هذا النمط يعكس حقيقة أن أي تفاوض بين الطرفين لا يجري على ملف واحد، بل على شبكة مترابطة من الملفات الحساسة، ما يجعل الوصول إلى نقطة حسم نهائي أمراً بالغ الصعوبة، ويجعل الصراع أقرب إلى إدارة مستمرة للتوازنات منه إلى تسوية نهائية.
تشابك المصالح الإقليمية وحزمة التفاوض الشاملة
ما يزيد المشهد تعقيداً هو دخول أطراف إقليمية ودولية متعددة على خط التوازنات، مثل باكستان والسعودية وتركيا، حيث يحاول كل طرف أن يضمن موقعه داخل أي صيغة مستقبلية للمنطقة. هذه الأطراف لا تتحرك ضمن رؤية موحدة، بل وفق حسابات متباينة تتعلق بالأمن الإقليمي، المصالح الاقتصادية، وإعادة توزيع النفوذ.
وفي قلب هذا المشهد، تظهر المفاوضات وكأنها ليست حول ملف منفرد، بل حول “بكج” شامل من القضايا المتداخلة: الملف النووي الإيراني، تخصيب اليورانيوم، أمن الملاحة في مضيق هرمز، الوجود الأمريكي في الخليج، العقوبات الاقتصادية، إضافة إلى النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن، والعلاقات الإيرانية مع روسيا والصين. هذا التشابك يجعل كل ملف مرتبطاً بالآخر، بحيث لا يمكن تحقيق تقدم جزئي دون التأثير على بقية الملفات.
وبالتالي فإن أي تفاوض لا يدور فقط حول تقنيات الاتفاق، بل حول إعادة صياغة شاملة لموازين القوة في الإقليم، وهو ما يفسر بطء العملية التفاوضية وتكرار موجات التصعيد المصاحبة لها.
منطق المكاسب المتبادلة وصعوبة الوصول إلى تسوية نهائية
في العمق، يمكن قراءة هذا الصراع بوصفه مفاوضات طويلة الأمد حول توزيع النفوذ والمكاسب في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تبحث عن ضمانات تتعلق بأمن الطاقة والممرات البحرية وتقليص مصادر التهديد، بينما تسعى إيران إلى تثبيت اعتراف ضمني بدورها الإقليمي مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية.
لكن المشكلة الجوهرية تكمن في أن كل طرف ينظر إلى هذه الصفقة بوصفها فرصة لتعظيم مكاسبه لا لتقليص خسائره، ما يجعل سقف التوقعات مرتفعاً وصعب التوافق. إضافة إلى ذلك، فإن تعدد اللاعبين الإقليميين يجعل من أي اتفاق ثنائي غير كافٍ لضبط المشهد، لأن أي تسوية لا تأخذ بعين الاعتبار باقي القوى ستظل عرضة للاهتزاز.
خلاصة
المشهد الإيراني اليوم لا يمكن قراءته كأزمة قابلة للحل السريع، بل كمرحلة طويلة من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فإيران ليست في موقع يسمح بإعادة احتوائها بسهولة، وليست في موقع يسمح لها بفرض هيمنة كاملة، بل في حالة اشتباك استراتيجي مستمر مع النظام الإقليمي والدولي.
وفي المقابل، فإن القوى المقابلة لا تمتلك أدوات حاسمة لإنهاء هذا الاشتباك، ما يجعل النتيجة الأقرب هي استمرار إدارة الصراع عبر التفاوض المترافق مع التصعيد، ضمن مسار مفتوح لا يبدو أنه يتجه نحو حسم نهائي في المدى المنظور.

