تركيا والاتفاق السوري–الكردي ( إلى أي حد تتحكم أنقرة بمسار التسوية وما الذي ينتظر الكرد؟ )

آدمن الموقع
0
 
إعداد المادة: فريق الجيوستراتيجي للدراسات 
لم يعد من السهل النظر إلى مسار الاتفاق بين حكومة أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية باعتباره شأناً سورياً داخلياً يجري بين دمشق والقوى الكردية في شمال وشرق سوريا، فكلما اقترب الطرفان من البحث عن آليات تنفيذ الاتفاق، ظهر العامل التركي بصورة أكثر وضوحاً، ليس بالضرورة باعتباره طرفاً موقعاً على الطاولة، وإنما باعتباره القوة الإقليمية الأكثر قدرة على التأثير في شكل الطاولة نفسها.
وهذه النقطة تحديداً تستحق التوقف عندها. فتركيا لا تحتاج إلى أن تكون موجودة في كل جلسة تفاوض حتى تكون حاضرة في نتائجهاـ يكفي أن تمتلك القدرة على التأثير في دمشق، وأن تحتفظ بأدوات عسكرية وسياسية واقتصادية في الملف السوري، وأن يكون لها موقف واضح من مستقبل قوات سوريا الديمقراطية وشكل الدولة السورية، حتى تصبح حدود الممكن والممنوع في أي تسوية مرتبطة، بدرجات مختلفة، بالموقف التركي. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تتدخل تركيا في الاتفاق السوري–الكردي؟ بل: إلى أي حد تستطيع أنقرة تحديد شكل الاتفاق، وحدود تنفيذه، والسقف السياسي الذي يمكن للكرد الوصول إليه داخل سوريا الجديدة؟.
 
من التأثير غير المباشر إلى صناعة شروط التسوية

منذ سقوط نظام بشار الأسد، تغير موقع تركيا في المعادلة السورية بصورة كبيرة، ولم تعد أنقرة تتعامل مع سوريا فقط باعتبارها ملفاً حدودياً وأمنياً، بل أصبحت أمام فرصة لإعادة بناء نفوذ طويل الأمد داخل الدولة السورية الجديدة. وفي المقابل تنظر دمشق إلى تركيا باعتبارها دولة قادرة على تقديم الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي تحتاج إليه في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها. وهذه العلاقة تفسر جانباً مهماً من طبيعة الموقف التركي من القضية الكردية.
فتركيا لم تتعامل مع وجود قوات سوريا الديمقراطية باعتباره مجرد مشكلة سورية داخلية، وإنما ربطته منذ البداية بأمنها القومي وبعلاقتها التاريخية مع حزب العمال الكردستاني. ولذلك كان مطلبها الأساسي واضحاً: لا ينبغي أن تبقى في شمال سوريا بنية عسكرية كردية مستقلة قادرة على فرض واقع أمني وسياسي منفصل عن دمشق.
ومن هذه الزاوية، فإن دعم أنقرة لمبدأ دمج قسد داخل مؤسسات الدولة السورية لا يعني بالضرورة أنها تدعم جميع المطالب السياسية الكردية. على العكس، يمكن قراءة الموقف التركي باعتباره محاولة لإعادة تعريف المسألة الكردية في سوريا من قضية تمتلك مؤسسات وقوة عسكرية وإدارة محلية واسعة، إلى قضية حقوق سياسية وثقافية يمكن التعامل معها داخل الدولة المركزية السورية. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التحول.
الاتفاق الموقع في مارس 2025 بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي تحدث عن دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة، وعن الاعتراف بالكرد كمكوّن أصيل وضمان حقوقهم السياسية والدستورية. لكن تعثر التنفيذ ثم اندلاع المواجهات في مطلع 2026 أظهرا أن المشكلة لم تكن في صياغة المبادئ العامة فقط، بل في السؤال الأكثر حساسية: كيف يتم الدمج، ومن يملك القرار العسكري والأمني والسياسي بعده؟، وهذا بالضبط هو المجال الذي يصبح فيه النفوذ التركي مهماً. 
فأنقرة تستطيع أن تقبل بمشاركة كردية داخل الدولة السورية، لكنها تريد أن تكون هذه المشاركة ضمن صيغة لا تنتج كياناً عسكرياً أو سياسياً مستقلاً على حدودها. ولذلك فإن الخلاف حول شكل الوحدات العسكرية، ومستقبل الإدارة المحلية، وطبيعة السيطرة على الحدود، ليس تفصيلاً تقنياً في الاتفاق؛ إنه جوهر الصراع على شكل سوريا المقبلة.
زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى أنقرة في السادس من أغسطس/آب، حيث بحث مع المسؤولين الأتراك ملف دمج الكرد، تعكس بوضوح أن تركيا أصبحت جزءاً أساسياً من البيئة السياسية التي يتحرك فيها هذا الملف. لكن النفوذ التركي لا يعني أن أنقرة تملك كل الأوراق.
 
دمشق تحتاج تركيا وأنقرة تحتاج دمشق

من الخطأ أيضاً تصور العلاقة بين تركيا ودمشق على أنها علاقة طرف قوي بطرف ضعيف بصورة مطلقة. فالمصالح متبادلة، وإن كانت غير متساوية.
دمشق تريد تثبيت سيادتها على كامل الأراضي السورية، واستعادة المؤسسات والموارد والمعابر والمناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة خلال سنوات الحرب. ولذلك فإن إنهاء الوضع العسكري والإداري المستقل في شمال وشرق سوريا يخدم هدفاً سورياً مركزياً قبل أن يكون مطلباً تركياً.
أما أنقرة، فتريد من دمشق أن تكون صاحبة القرار السيادي في المنطقة الحدودية بدلاً من وجود قوة كردية مستقلة. ومن هنا تتقاطع مصالح الطرفين.
لكن هذا التقاطع يحمل معه مشكلة كبيرة بالنسبة للكرد: كلما ازداد التقارب التركي–السوري، تقلصت مساحة المناورة المستقلة بين دمشق وأنقرة من جهة، وبين دمشق وقسد من جهة أخرى.
ولهذا لا ينبغي قراءة التطورات المقبلة من خلال المفاوضات المباشرة بين الشرع وعبدي فقط. هناك تفاوض آخر يجري بصورة غير مباشرة حول شكل سوريا نفسها: دولة مركزية أم دولة أكثر لامركزية؟ جيش واحد أم ترتيبات عسكرية خاصة؟ إدارة محلية بصلاحيات واسعة أم إدارة مرتبطة مباشرة بالمركز؟ وما حدود الاعتراف بالخصوصية الكردية؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل الاتفاق أكثر من العبارات السياسية التي ظهرت في بياناته.
والأهم أن تركيا ليست بحاجة إلى فرض كل مطالبها بصورة مباشرة. يكفي أن تتطابق بعض هذه المطالب مع رؤية دمشق لمركزية الدولة، حتى تتحول الرؤية التركية إلى جزء من المنطق السوري الرسمي. وهنا يصبح النفوذ أكثر عمقاً من مجرد الضغط السياسي.
 
ما الذي تريده أنقرة من قسد؟

ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة الموقف التركي هو اختزاله في عبارة «تركيا ضد الكرد». فالموقف التركي أكثر تعقيداً من ذلك، لأن أنقرة تستطيع التمييز بين الاعتراف بالكرد كمجموعة سكانية لها حقوق، وبين قبول وجود بنية عسكرية وسياسية تعتبرها مرتبطة بمنظومة حزب العمال الكردستاني.
ولهذا فإن تركيا قد لا تعارض بالضرورة حصول الكرد السوريين على حقوق دستورية وثقافية وسياسية، لكنها تعارض بشدة أن تتحول هذه الحقوق إلى قاعدة لبناء قوة سياسية وعسكرية مستقلة عن دمشق.
ومن هنا يمكن فهم المرونة التركية التي ظهرت في بعض مراحل النقاش حول دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، مقابل إصرارها على مبدأ الدولة الواحدة والجيش الواحد. وقد أعلنت أنقرة سابقاً دعمها لوحدة سوريا وسلامة أراضيها وربطت الاستقرار بمبدأ «دولة واحدة، جيش واحد».
لكن السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة هو: هل تقبل تركيا بدمج قسد بوصفها قوة منظمة داخل الجيش السوري، أم تريد إنهاء بنيتها العسكرية المستقلة أولاً ثم إدماج أفرادها بصورة فردية؟، هذا ليس فرقاً شكلياً.
فإذا دخلت قسد إلى الجيش السوري كوحدات متماسكة تحتفظ بقيادة وتنظيم وخصوصية جغرافية، فإنها ستدخل إلى الدولة الجديدة وهي تحمل جزءاً من وزنها العسكري والسياسي السابق. أما إذا جرى تفكيك بنيتها وإدماج أفرادها بصورة منفصلة، فإن ميزان القوة سيتغير جذرياً، وستنتقل القضية من تفاوض بين قوتين إلى تفاوض سياسي بين مكوّن قومي والدولة المركزية. وهنا ستكون تركيا أكثر ارتياحاً للسيناريو الثاني.
لكن الكرد أيضاً تعلموا من تجربة العامين الماضيين أن الاتفاقات التي لا تتضمن ضمانات واضحة قابلة للانقلاب إلى ترتيبات أمنية مؤقتة. فقد فشل اتفاق مارس 2025 في تحقيق دمج كامل، ثم أدت المواجهات العسكرية في يناير 2026 إلى خسارة قسد معظم الأراضي التي كانت تحت سيطرتها، قبل الوصول إلى اتفاق جديد في 30 يناير/كانون الثاني 2026 ينص على وقف إطلاق النار ودمج تدريجي للمؤسسات العسكرية والمدنية في مؤسسات الدولة السورية. لذلك فإن معركة الكرد المقبلة لن تكون فقط على «البقاء» داخل الدولة السورية، بل على شروط هذا البقاء.
  
هل تتحول تركيا خلال المرحلة القادمة إلى صاحب السقف السياسي؟

في المرحلة المقبلة، من المرجح أن يتراجع السؤال عن إمكانية تنفيذ الاتفاق لمصلحة سؤال أكثر تعقيداً: ما طبيعة سوريا التي ستنتج عن تنفيذه؟
إذا نجحت دمشق في استكمال عملية الدمج بدعم تركي وأمريكي، فقد نشهد انتقالاً تدريجياً من نموذج الإدارة الذاتية ذات المؤسسات العسكرية والأمنية الخاصة إلى نموذج إدارة محلية تعمل داخل الدولة السورية. وهذا لا يعني بالضرورة نهاية كل أشكال الخصوصية الكردية، لكنه يعني نهاية مرحلة كان فيها الكرد يمتلكون هامشاً واسعاً من القرار المستقل على الأرض. وفي المقابل، فإن قدرة الكرد على الحفاظ على مكاسب سياسية حقيقية ستتوقف على قدرتهم على تحويل ما يمتلكونه من نفوذ عسكري سابق إلى ضمانات سياسية ودستورية ومؤسساتية. وهنا تحديداً تظهر أهمية العامل الأمريكي.
فتركيا تستطيع الضغط على دمشق وقسد، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد مستقبل شمال وشرق سوريا. الولايات المتحدة ما زالت لاعباً مهماً، كما أن دمشق نفسها لن تكون مستعدة للتنازل عن كل أدواتها في مقابل إرضاء أنقرة. ولذلك فإن المرحلة المقبلة ستبقى محكومة بتقاطع ثلاث مصالح: دمشق تريد استعادة الدولة، أنقرة تريد تحييد التهديد الكردي على حدودها، وواشنطن تريد منع عودة الفوضى وضمان استمرار محاربة تنظيم الدولة الإسلامية وحماية مصالحها الإقليمية. أما الكرد، فيجدون أنفسهم أمام أصعب مرحلة سياسية منذ تأسيس الإدارة الذاتية.فقد انتهت إلى حد كبير المرحلة التي كان فيها امتلاك الأرض والسلاح كافياً لفرض شروط التفاوض. المرحلة الجديدة تتطلب تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي، وتحويل العلاقة مع واشنطن إلى ضمانات، وتحويل الاعتراف بالكرد إلى نصوص دستورية ومؤسسات دائمة، قبل أن يصبح الدمج مجرد عملية إدارية تنتهي معها معظم أدوات القوة التي امتلكتها المنطقة خلال السنوات الماضية. ومن هنا يمكن فهم حجم التأثير التركي بصورة أكثر دقة: أنقرة لا تملك الاتفاق السوري–الكردي، لكنها تملك قدرة كبيرة على تحديد البيئة التي يُنفذ فيها الاتفاق. وهذا فرق جوهري.
فإذا استطاعت تركيا إقناع دمشق بأن الاستقرار السوري يمر عبر إنهاء أي بنية عسكرية كردية مستقلة، وفي الوقت نفسه قبلت بحد أدنى من الحقوق السياسية والثقافية للكرد، فقد تكون قد نجحت في صياغة معادلة تحقق معظم أهدافها دون الدخول في حرب جديدة.
أما إذا حاولت دمشق تحويل الدمج إلى عملية إلغاء سياسي للكرد، فقد تعود الأزمة إلى نقطة الصفر، لأن المشكلة الكردية لا يمكن حلها بمجرد إعادة توزيع السلاح. وفي المقابل، إذا حاولت قسد الحفاظ على نموذجها السابق من دون تقديم تنازلات تتناسب مع التحولات الجديدة في سوريا والمنطقة، فإنها ستجد نفسها أمام ميزان إقليمي مختلف تماماً عن ذلك الذي نشأ بعد الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية. لذلك، فإن مستقبل الاتفاق لن يتحدد فقط في دمشق أو الحسكة، ولن يكون رهناً بإرادة الشرع أو عبدي وحدهما.
الاختبار الحقيقي سيكون في المسافة بين ما تقبله دمشق، وما تريده أنقرة، وما تستطيع واشنطن ضمانه، وما يستطيع الكرد الاحتفاظ به على طاولة التفاوض.
ومن هذه الزاوية، ربما يكون من المبكر القول إن تركيا أصبحت صاحبة القرار في الاتفاق السوري–الكردي. لكنها أصبحت، بلا شك، واحدة من القوى التي تحدد سقف القرار الممكن. وهذا هو التحول الأهم الذي ينبغي مراقبته في المرحلة القادمة: ليس ما إذا كان الاتفاق سيُنفذ فقط، بل أي نسخة من الاتفاق ستخرج إلى الوجود بعد أن تمر عبر المصالح التركية والسورية والأمريكية والكردية المتقاطعة. فالمعركة المقبلة قد لا تكون معركة على الجغرافيا بقدر ما ستكون معركة على شكل الدولة السورية نفسها، وعلى المكان الذي سيُسمح للكرد أن يشغلوه داخلها.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!